الأطفال المهملون أمام المياتم أزمة مستفحلة في جنوب أفريقيا

حوالي 3 آلاف طفل يُترك سنويا، والأمهات اللواتي يتخلين عن أطفالهن غالبا ما يكنّ متروكات هن أيضا.
الاثنين 2019/08/19
أزمة آخذة في التفاقم

جوهانسبرغ – عندما تدوي صافرة في ميتم “دور أوف هوب” في جوهانسبرغ، تشخص أنظار الجميع نحو شاشة كاميرا المراقبة حيث تظهر صورة “علبة طفل”، وهو مكعب معدني داخل الجدار في الحديقة يوضع فيه أطفال تركهم أهاليهم، في انعكاس لأزمة آخذة في التفاقم في البلاد.

في هذا اليوم، كان الإنذار كاذبا. لكن في الليلة السابقة، عندما دوت الصافرة، كان طفل رضيع في العلبة، توضح فرانسينا فاغو وهي مديرة هذا المركز للأطفال الذي أسسته “دور أوف هوب” قبل 15 عاما أن الطفل هو “صبي في شهره الخامس”.

ويُترك سنويا حوالي 3 آلاف طفل في جنوب أفريقيا، بحسب الائتلاف الوطني للتبني. هذا الرقم لا يعكس سوى جزء من المشكلة التي غالبا ما تتصدر عناوين الصحف.. ففي هذا البلد، كثيرا ما يكون الأطفال المتروكون في أسابيع حياتهم الأولى في أوضاع خطرة أحيانا، ما يؤدي إلى وفاة الكثير منهم حتى قبل العثور عليهم. ويشير أخصائيون إلى أن عدد الأطفال المتروكين قد يصل إلى عشرة آلاف سنويا.

وتشير مؤسسة الائتلاف الوطني للتبني دي بلاكي إلى أن الأمهات اللواتي يتخلين عن أطفالهن غالبا ما يكنّ متروكات هن أيضا سواء من والد الطفل أو من عائلاتهن أو جماعتهن أو المجتمع برمّته. وبعد رؤيتها صورة في صحيفة محلية لطفل حديث الولادة مرمي داخل مكب في منطقة سويتو الفقيرة، قررت ربة العائلة هذه التفرغ لهذه القضية سنة 2015.

وهي تقول “لا حماية كافية للشابات في هذا البلد”. وقد خلصت في التحقيقات التي أجرتها إلى أن نصف حالات الحمل التي تنتهي بالتخلي عن الطفل تكون ناجمة عن اغتصاب. كما أن عددا كبيرا من الأمهات هن قاصرات أم مهاجرات ولا تقع معاينة حالتهن إلا بعد انقضاء المهلة القانونية للخضوع لعمليات إجهاض، وهي 20 أسبوعا في جنوب أفريقيا.

جيل الأطفال الذين يكبرون في مياتم

وفي هذا البلد حيث نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر، هؤلاء النسوة “يعشن وضعا بائسا ويقدمن على خطوات يائسة”. وفي “دور أوف هو”، تترك بعض الأمهات أطفالهن مباشرة بين أيدي الموظفين. وتقول فرانسينا “في أكثر الأحيان يفعلن ذلك باكيات. هن يحببن أطفالهن ولا يردن التخلي عنهم لكن الظروف ترغمهن على ذلك”.

وتوضح ثولي ماهلانغو أن التبني “من المحرّمات في مجتمعنا الأسود”. وتستذكر هذه الأم العزباء ردة فعلها القاسية عندما أخبرتها ابنتها الوحيدة قبل أربع سنوات بأنها حامل. وقد قالت لها يومها “سيكون من الظلم تربية طفل في حالتنا. نحن لا نعيش بل نحاول الصمود”.

وبعد أسابيع طويلة، قررت ثولي وابنتها اختيار عائلة لتتبنى الطفل من دون الكشف عن الموضوع لأكثرية الأقرباء. وتستذكر ثولي “هم يعتبرون أن التبني أشبه برمي الطفل”.

إلا أن المرأتين لم تستسلما، وتقول ثولي “في هكذا حالات يتخلى المرء عن معتقداته وتقاليده ويفعل ما يراه مناسبا”.

ومنذ سنوات عدة، تبدي وكالات التبني وجمعيات الدفاع عن حقوق الأطفال قلقا إزاء تراجع عدد حالات التبني في البلاد. ففي 2018، شهدت البلاد تبني 1186 طفلا أي ربع العدد المسجل في 2010.

وتشير هذه الوكالات إلى أن الأرقام مرشحة لمزيد من التراجع مع اقتراح جرى التقدم به في أكتوبر الماضي يرمي إلى تعديل قانون الأطفال عن طريق إلغاء رسوم التبني، ما قد يدفع الوكالات الخاصة إلى الكف عن نشاطاتها.

وتدافع الحكومة عن هذا التدبير. وتقول مديرة التواصل في وزارة التنمية الاجتماعية لومكا أوليفانت “يجب ألا تترتب عن التبني رسوم. هذا تدبير لحماية الطفل وليس خطوة تجارية”.

لكن كلما أمضى الطفل وقتا داخل مركز من دون مرجع ثابت، زادت مخاطر الإصابة بمشكلات ذهنية وتعلمية، وفق المعالجة النفسية في مركز أوبوبيلي لطب الأطفال نكي داوسون.

وتقول دي بلاكي “أظن أن التبعات الاجتماعية لجيل الأطفال الذين يكبرون في مياتم لم تؤخذ في الاعتبار بصورة جيدة”.

وقد حالف الحظ ثولي وابنتها، فبعد ستة أشهر من الولادة، وجدت الوكالة عائلة وافقت على تبني الطفل.

21