الأطفال بحاجة للحب أكثر من حاجتهم إلى آباء وأمهات مثاليين

مهما بذلنا من جهد ومهما ثابرنا في عملنا، فلن نصل إلى الكمال لأننا في النهاية بشر نمتلك طاقة نفسية وجسدية محددة لا يمكننا تخطيها كما تواجهنا في حياتنا عقبات وحواجز تتجاوز كثيراً مقدرتنا وإمكاناتنا، هذه هي الحقيقة التي تغيب عن بال الكثيرين ممن يرغبون بأن يظهروا كآباء وأمهات مثاليين. وعلى الرغم من أن هذا الأمر يبدو مستحيلاً، فإن الأطفال في الواقع لا يحتاجون إلى آباء مثاليين.
الأربعاء 2017/12/13
نزهة في الحدائق العامة تخفف جو التوتر في المنزل

بطريقة ما، قد يكافئنا القدر بأطفال رائعين ومثاليين، فإذا ما أردنا تقبل هذه الهدية، فعلينا أن نقاوم رغبتنا بمحاولة إلقاء اللوم عليهم دائماً إذا أساؤوا التصرف أو فشلوا في أمر ما، إذ أننا بذلك إنما نلقي باللوم على المرآة التي تعكس ذواتنا الحقيقية؛ فعدم التزام الصغار بالسلوك الجيد يعني بأننا فشلنا في واجبنا وبأننا لم نبلغ بعد مستوى الكمال في أدائنا، ولهذا فنحن لا نستحقهم.

فكيف يمكننا أن نتصالح مع ذاتنا ولا نحمّل أنفسنا أكثر مما تطيق، لنصبح الآباء الذين يستحقهم أطفالنا؟

تؤكد الدكتورة لورا ميركام؛ أستاذة علم النفس السريري في جامعة كولومبيا الأميركية، بأن المسألة تعتمد في الأساس على مدى نجاحنا في الحفاظ على هدوء أعصابنا والابتعاد عن التوتر قدر الإمكان، في الاستجابة لسلوك الطفل الخاطئ؛ فعلى الأغلب بأن الطفل مهيأ للقفز على القواعد ومعاندة النظام بكل صوره حتى لو كان في طريقة هندامه فهذا من ضمن تكوينه الطبيعي، ولهذا يتوجب على الأهل أن يضعوا منذ البداية الأسس التي يمكن بموجبها التعامل مع هذه الخروقات، مهما كانت بسيطة.

ولكن قبل ذلك عليهم أن يصلحوا الثغرات في شخصياتهم أولاً والتي يمكن أن تتسرب من خلالها الأفكار السلبية والتصورات الخاطئة عن الذات، وهي بدورها ستنعكس من دون شك على الطفل، فنحن في كثير من الأحيان لا نشعر بالأشياء الرائعة والجمال الذي يشعّ من حولنا، لأننا مشغولون في محاولات مستميتة لبلوغنا نموذج المثالية الذي رسمناه لأنفسنا من دون أن ندرك بأن تكلفة هذا الكمال ستكون فقداننا لمتعة عيش اللحظات الراهنة.

في كتابها “آباء مسالمون، أطفال سعداء”، تتحدث ميركام عن وجوب كف الأهل عن الصراخ وافتعال الأزمات وبدء الحوار مع الأبناء، وعقد أواصر الصداقة معهم. ولأن أغلب الضغوط النفسية تتأتى بفعل رغبة الأهل الدائمة على أن يكونوا آباء مثاليين، فإن الهدف الأساس للخروج من هذا المأزق هو الابتعاد عن التفكير به والانشغال بواجبات بديلة.

وحتى نبعد أبناءنا عن هذا التوتر يجب علينا أن نختلق نشاطات منزلية تشجع على الهدوء والاسترخاء لكلا الطرفين؛ فبدلاً من قضاء معظم الوقت أمام شاشات التلفزيون والكمبيوتر والهواتف النقّالة، ينبغي أن نشجع أبناءنا على الانخراط معنا في نشاطات مسلية لا تكلفنا وقتا أو جهدا.

محبتنا لأنفسنا واحترامنا لذواتنا، هما اللذان يؤهلاننا لحب أبنائنا من دون قيد، وهما أيضاً من يجعلهم يتقبلونا ويحبونا كيفما كنا

ولتخفيف جو التوتر في المنزل يفضل المشاركة في نزهة في الحدائق العامة وقضاء أوقات ممتعة في ممارسة الألعاب الرياضية، كذلك من المفيد استخدام أعمال المنزل كنوع من التسلية؛ كالاستمتاع بصنع الكعك والمعجنات بمشاركة الأطفال أو تغيير ديكورات غرفهم والاستمتاع بجولات تسوق. أما وقت النوم للأطفال فهو بمثابة فرصة للاستمتاع بقراءة القصص وخلق أجواء حميمية، في مشاركتهم السرير والقراءة.

وتثبت الأبحاث النفسية في هذا المجال بأن الآباء الذين ينجحون في السيطرة على انفعالاتهم، هم أكثر قدرة على إدارة سلوك أطفالهم وتوجيهه للوجهة الصحيحة، في المنزل الخالي من التوتر سينشأ الأطفال بأجواء صحية مناسبة لنمو عقلي ونفسي سويّ. لكن بالتأكيد، لا يمكننا لعب هذا الدور على مدار الساعة؛ التسوق، الطبخ، تزيين المنزل والاشتراك مع أفراد الأسرة في نشاطات قد تبدو جميلة عندما نشاركها مع أصدقائنا على (الإنستغرام)، لكنها ليست كذلك في الواقع.

وحين تدفعنا رغباتنا الداخلية للظهور كعائلة مثالية أمام الآخرين، فنحن في الحقيقة نمارس المزيد من الضغوط على أنفسنا وأطفالنا، في الوقت الذي يمكننا فيه الحصول على هذه الصورة المثالية من دون الحاجة لكل هذه الجهود.

وترى ميركام بأن هناك طرقا أخرى بديلة في تكوين فكرتنا عن ذاتنا ومدى مثالية قيامنا بأدوارنا، إذا ينبغي أن نحظى بقبولنا واحترامنا لذاتنا في المقام الأول وقناعتنا بأن كل ما نقوم به يلقى تقدير الآخرين ويستحق، على الأقل، محبة أبنائنا لنا حتى إذا كان ما نقدمه لهم مجرد مشاعر حب خالية من المكافآت العينية.

فمحبتنا لأنفسنا وإيماننا بذواتنا هي التي تجعلنا نغفر لها بعض الزلات غير المقصودة، تكاسلنا أو تقاعسنا أو تقصيرنا في أداء واجباتنا، قد تكون من الأمور الخارجة عن مقدرتنا وربما تحكمها ظروف قاهرة خارجة عن إرادتنا، كما أننا قد نشعر بالتقصير أحياناً لمجرد شعور لا أساس له من الصحة بسبب وقوعنا تحت تأثير هالة المثالية.

يؤكد متخصصون في علم النفس على أن محبتنا لأنفسنا واحترامنا لذواتنا، هما اللذان يؤهلاننا لحب أبنائنا من دون قيد أو شرط، وهما أيضاً من يجعلهم يتقبلونا ويحبونا كيفما كنا. لا يهم أن يقدم الأهل هدايا ثمينة يقدمونها لأبنائهم في المناسبات، أو مقدرة مادية تجعلهم على أتم الاستعداد لتلبية احتياجاتهم اليومية الأساسية منها والكمالية، فالحب قد يعوّض عن كل هذا وأكثر وربما يكون هو الشيء الوحيد الذي يُرضي الطفل ويقدّم له الدعم لنموّه النفسي السليم.

وبدلاً من التركيز على محاولة توفير مطالبهم المادية، يتطلب الأمر المزيد من الحضور المادي للأبوين؛ فالتواجد إلى جانبهم في المنزل قدر المستطاع وبصورة كلية بعيداً عن أي انشغالات أخرى، حتى إذا كانت هاتفا أو كمبيوترا، مع الحرص على مشاركتهم قضاء عطلة دافئة في المنزل وتوفير أجواء مفرحة لذلك، بإمكانها أن تعادل جبلاً من الهدايا بالنسبة للطفل.

ومع كل هذا، لا توجد تربية مثالية، أمّ مثالية أو أب مثالي، فالمسألة نسبية؛ فالبعض يراها في تقديم الرعاية المادية وتلبية احتياجات الطفل اليومية، كما يراه آخرون في الحب والأسلوب الأمثل للتعامل مع الصغار حتى إذا ارتكبوا الأخطاء أو أخفقوا في واجباتهم أو طاعتهم للأهل. ولعل الأسلوب الأول مكمل للثاني ولا يمكن أن يتم الاستغناء عن أحدهما لصالح الآخر، لكن العلماء يولون أهمية للحب؛ فالحب هو مصدر الإحساس بالأمان بالنسبة للطفل.

هناك أيضاً، عاملان مهمان قد يتعارض أحدهما مع الآخر؛ فبعض الآباء والأمهات يعيشون نوعا من الصراع بين رغبتهم في الثبات على قواعد معيّنة في التربية، وأن يكونوا مرنين في الوقت ذاته ولعل الخيار الأفضل في هذه الحالة هو الجمع بين الاثنين وفق ما يتطلبه الظرف والموقف، في حين تتم المفاضلة بين الخيارين للتعامل مع الموقف ذاته بشكل مختلف في كل مرة.

21