الأطفال سبب إرباك موازنة الأسرة في ما بعد التقاعد

منذ لحظة ولادة الطفل، يزداد حجم النفقات التي يتكفل بها الوالدان لأجل توفير الطعام والملبس والرعاية الصحية وحتى لشراء منزل أكبر ولرعاية الأطفال وتعليمهم.. ويبدو واضحا أن وجود الأطفال يجعل من الصعب على الوالدين ادخار المزيد من المال، ومع ذلك فبإمكانهما تعويض التكاليف الإضافية عن طريق تقليص حجم النفقات على نفسيهما.
السبت 2017/12/09
وجود الأطفال يجعل من الصعب على الوالدين ادخار المزيد من المال

واشنطن - كشف التقرير السنوي الصادر عن وزارة الزراعة الأميركية، أن إجمالي النفقات منذ ولادة الطفل وحتى بلوغه سن 18 عاما، يبلغ حوالي 234 ألف دولار دون اعتبار تكاليف الدراسة الجامعية.

الأبوة لديها الكثير من الامتيازات الأخرى غير المادية، ولكن الآثار المالية يمكن أن تستمر بقية حياة الوالدين. ويتعرض أكثر من نصف الموظفين في الولايات المتحدة الأميركية إلى خطر التقاعد دون امتلاكهم للأموال الكافية التي تضمن لهم مستوى معيشيا جيدا، وفقا لما ذكره “مركز أبحاث التقاعد” في كلية بوسطن. حيث وجد المركز، وفقا لدراسة نشرت مؤخرا، أن الأطفال هم من ضمن الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى هذا العجز.

وفي الكثير من الأحيان يضطر الوالدان إلى التخطيط للميزانية بعناية شديدة، وهي مهارة ستساعدهما كثيرا عندما يكبر أبناؤهما. وقد يقرر البعض أن يأخذ حياته المهنية على محمل الجد بعد ولادة أبنائه وفقا للدراسات التي كشفت عن زيادة رواتب الوالدين في حالة وجود أطفال عمّا تكون عليه في حالة عدم وجودهم.

واستخدم مركز الأبحاث “مؤشر مخاطر التقاعد” لتقدير عدد الأميركيين الذين يواجهون خطرا كبيرا لعدم القدرة على تحقيق الاستقرار المالي في حياتهم بعد سن 65. وأظهرت أحدث النتائج المستندة إلى نتائج استطلاع أجراه النظام الاحتياطي الفيدرالي لعام 2013 أن 52 بالمئة من الأسر الأمیرکیة يزداد تعرضها لخطر عدم الوفاء باحتیاجاتھا المالیة بعد التقاعد بنسبة 10 بالمئة أو أکثر.

ولمعرفة الكيفية التي تؤثر بها الأبوة على مدخرات التقاعد، قام المركز بإعادة تحليل نتائج الاستطلاع من خلال النظر إلى العلاقة بين الأوضاع المالية للأميركيين مقارنة بعدد أطفالهم.

اتّباع خطة مالية، والبدء بادخار مبلغ ما، مهما كان صغيرا، يمكن أن يحققا فارقا كبيرا في دخل التقاعد على الأمد الطويل

يقول المشرفون على الدراسة “النتيجة النهائية هي أن الأسر التي لديها أطفال من المتوقع في نهاية الحياة العملية أن يكون لديها دخل أقل ومدخرات أقل أيضا”.

وبالنسبة إلى الوالدين في الثلاثينات من العمر، يساعد كل طفل لديهما على انخفاض الدخل بنسبة 3.7 بالمئة وانخفاض المدخرات بنسبة 4.5 بالمئة. وبالنسبة إلى الوالدين الأكبر سنا فهما يشعران بهذا التأثير ولكن بنسبة أقل. ففي حين أن الوالدين في الخمسينات من العمر لديهما مدخرات أقل بنسبة 2.8 بالمئة عن كل طفل، إلا أن دخلهما بالكاد يتأثر.

ومن العوامل الرئيسية المساهمة في نقص الموارد المالية لدى الوالدين هو ما يسمى بـ”عقوبة الأمومة”. حيث تظهر بيانات الاستطلاع أن الأم تحصل على متوسط دخل سنوي أقل بقيمة 9400 ألف دولار عن متوسط الدخل السنوي للسيدات غير المنجبات وهو ما يدفع الأمهات إلى الخروج والبحث عن عمل مقابل المال.

ومع اقترابهما من سن التقاعد، يمكن للوالدين أن يعوضا ما فقداه من الأموال المدخرة ولكن لن يكون بوسعهما سد الفجوة بشكل كامل. حيث ببلوغ الوالدين عمر الـ50 إلى الـ59 عاما، يرتفع احتمال حدوث العجز في دخل التقاعد إلى نسبة 1.9 بالمئة عن كل طفل، وهي ليست بالنسبة الكارثية. فهناك عوامل أخرى يمكن أن يكون لها تأثير أكثر عمقا على احتمالية توفير ما يكفي من الدخل بعد التقاعد. على سبيل المثال، وجد الباحثون أن الحصول على دخل تقاعد تقليدي من العمل يرتبط بانخفاض قدره 40.5 نقطة في مخاطر ما بعد التقاعد.

ومع ذلك، تتضاعف الأضرار المالية مقارنة بعدد الأطفال الذين تنجبهم العائلة. وتزداد نسبة القصور المالي بالنسبة للطبقات الوسطى مقارنة بالمجموعات الأخرى. فبالنسبة للثلث الأسفل من الطبقة العاملة، يقل الاهتمام بالادخار لأن الأسر تستطيع الاعتماد على الضمان الاجتماعي لتلبية المزيد من احتياجاتها بعد سن التقاعد. وبالنسبة للثلث الأعلی من الطبقة العاملة، یقر الباحثون بأن أسلوب المعيشة يقلل من شأن الأزمة المالية التي تنتظرالأبوين بحلول سن التقاعد. وكلما زادت أجور الآباء من هذه الطبقة كلما زاد حجم نفقاتهم وفقا “لمؤشر مخاطر التقاعد”، لكنهم من المحتمل أيضا أن ينفقوا مبالغ ضخمة حينما يبدأون بإرسال أبنائهم إلى الدراسة في الجامعة.

غياب ثقافة الادخار في الدول العربية يعود إلى أن الكثيرين يعتبرون أن التقاعد لا يزال بعيدا جدا للقلق حياله

ويقول الباحثون “نتصور أن هذه الأسر هي على استعداد تام لحياة ما بعد التقاعد، ولكن الحقيقة ليست كذلك”. حتى بعد تخرج الأبناء، وخروجهم من منزل والديهم وبدء حياتهم المهنية الخاصة بهم، لا يزال الوالدان يجودان بوقتهما وأموالهما.

ووفقا لدراسة أخرى أصدرتها جامعة بوسطن الشهر الماضي، فإن العديد من الآباء يواصلون التبرع بوقتهم وأموالهم لأبنائهم حتى سن البلوغ.

كما وجدت الدراسة أن ثلثي الآباء يساعدون أبناءهم البالغين ويجودون بأوقاتهم في الغالب لرعاية أطفالهم الصغار أو لمساعدتهم بأعمال أخرى. حيث يساهم الوالدان بمتوسط 366 ساعة في السنة، أو 7 ساعات في الأسبوع، لمساعدة أبنائهما.

وفي نهاية المطاف يرد الأبناء هذا الجميل للوالدين، ولا سيما عندما يتقدم بهما العمر ويحتاجان إلى المساعدة.

وتقر نسبة 25 بالمئة من الآباء أن أبناءهم يجودون بمعدل 324 ساعة في السنة من أوقاتهم ليقدموا لهم يد المساعدة. أما حوالي 31 بالمئة من الآباء والأمهات فيجودون بما متوسطه 3 آلاف دولار سنويا لأبنائهم البالغين. ولكن نادرا ما يرد الأبناء المال لأبويهم. حيث أقر 9 بالمئة من الآباء أنهم تلقوا فقط ما متوسطه 600 دولار من أبنائهم في العام الماضي.

وتغيب ثقافة الادخار من أجل التقاعد في الدول العربية، حيث تشهد أعلى متوسط للعمر للبدء بالادخار للتقاعد بين السكان، إذ يبدأ التفكير في الادخار للتقاعد عند سن 37 عاما، مقارنة بمتوسط 25 عاما في بعض الدول الغربية، ويبدأ الأفراد بالادخار في المملكة المتّحدة والولايات المتّحدة الأميركية في منتصف العشرينات من العمر.

ويعود غياب ثقافة الادخار في الدول العربية إلى أن الكثيرين يعتبرون أن التقاعد لا يزال بعيدا جدا للقلق حياله.

ونبه مختصون الأفراد أن يدركوا أنّ سنة واحدة أو اثنتين من دون أيّ ادّخار يمكن أن تؤثّر بشكل كبير في دخلهم خلال فترة التقاعد، فاتّباع خطّة مالية، والبدء بادّخار مبلغ ما، مهما كان صغيرا، وفي أقرب وقت يمكن أن يحقق فارقا كبيرا في دخل التقاعد على الأمد الطويل.

وأشاروا إلى أنه مع ازدياد متوسّط العمر المتوقّع، على الأفراد أن يدركوا كم ستدوم أموالهم المدّخرة حتى لا يقعوا في ضائقة مالية جدية حيث لن تعود أموالهم كافية.

21