الأطفال في مرمى "التسونامي الرقمي" يتعلمون لكنهم يدمنون

التعامل غير الصحي مع التكنولوجيا الرقمية يهدد مهارات الأجيال، وألعاب الواقع الافتراضي تساهم بشكل فعال في تخفيف الآلام.
الاثنين 2018/08/20
قطع الصلة بالواقع يبدأ منذ الصغر

اختصرت التكنولوجيا الرقمية المسافات والوقت وسهّلت على الناس الكثير من الأمور في حياتهم اليومية، لكن يبدو أن الأطفال يدفعون ضريبة الاعتماد المكثف عليها، حيث تحولت كل مراحل الطفولة إلى إدمان على الأزرار والشاشات بدل ألعاب من قماش وورق، وشيئا فشيئا سيستبدل الكراس والقلم أيضا بالكمبيوترات

تغيرت العادات داخل المجتمعات في العصر الحديث، ولم يعد من المستغرب أن تمنح معظم الأسر أطفالها الصغار هواتف ذكية وكمبيوترات لوحية للّهو بها، بدلا من تركهم يلعبون في الهواء الطلق.

وبحسب بعض الدراسات التي أجريت في السنوات الأخيرة يقضي الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 5 سنوات و16 عاما حوالي ست ساعات يوميا أمام الأجهزة الإلكترونية، وكلما كبروا ارتفع عدد هذه الساعات، ليزيد مع ذلك انغماسهم في العالم الافتراضي وتعلقهم بالأجهزة الرقمية.

ولا يبدو أن التكنولوجيا الرقمية ستختفي قريبا من حياتهم، فقد ظهرت لتبقى، خاصة أن العديد من المدارس قد أدمجتها ضمن المناهج العلمية التي يدرسها التلامذة، بل حتى الروضات أصبحت تقدم للأطفال أجهزة آيباد، لتسهل عليهم عملية التعليم.

ويرى البعض من الخبراء أن تلك الأجهزة تعد مصدرا مهما للمحفزات الحسية لدى الأطفال، ومن شأنها أن تساعدهم على تطوير مهاراتهم المختلفة، فبإمكانها أن تكسبهم مهارة الكلام بطريقة أسرع وتساعدهم على استيعاب قدر أكبر من المعلومات، إذا تم استخدامها لغرض التعليم.

وترى هيلين مويليت، رئيسة جمعية التعليم المبكر -وهي جمعية خيرية أميركية تهدف إلى تطوير ممارسات التعليم والجودة لمن هم دون سن الخامسة- أن الأجهزة الإلكترونية يمكن أن تكون أدوات مساعدة على التعلم، إذا تم استخدامها في المكان المناسب لغرض التعليم، ولا يجب أن تكون بديلا عن وسائل التعليم التقليدية كالورقة والقلم.

إلا أن قلق مويليت الأكبر سببه الأولياء الذين لا يكونون دائما قدوة جيدة يحتذي بها أطفالهم. وأكدت أنها شاهدت بعض الآباء والأمهات يكتبون الرسائل النصية حتى أثناء المشي. كما أن انشغالهم باستخدام أجهزتهم تلك قد يتحول إلى حاجز يحول دون التواصل مع أطفالهم.

وبيّن استطلاع للرأي أن ما يقارب نصف الآباء البريطانيين اعترفوا بأن أطفالهم يقضون الكثير من الوقت أمام الشاشات، فيما لا يرى 43 بالمئة منهم أن الوقت المطول الذي يقضيه أطفالهم أمام أجهزة المحمول والكمبيوترات والتلفزيون، يمكن أن يؤثر على سلوكياتهم.

بيد أن بعض الخبراء لا يتفقون مع ذلك، ودائما يكررون تحذيرهم من أن الأطفال قد أصبحوا يشاهدون الآن الوسائط التي تستخدم فيها الشاشات أكثر من ذي قبل، مؤكدين على أن تلك العادة يجب كبح جماحها، إذ أنها قد تؤدي إلى إدمان الطفل على مشاهدة الشاشات أو إصابته بالاكتئاب، بالإضافة إلى جملة من المخلفات الصحية الخطيرة.

المنتجات التكنولوجية تستهدف العوامل البيولوجية، وتحاكي بذلك التحفيز المقدم من المخدرات

ولا يستبعد ماثيو ووكر، أستاذ علم الأعصاب وعلم النفس بجامعة كاليفورنيا، أن تتسبب هذه الأجهزة في الأرق والحرمان من النوم.

ويحتاج كل شخص إلى حوالي 30 دقيقة أو ساعة كاملة من الهدوء والاستعداد للنوم، من أجل إعطاء العقل فرصة للاسترخاء والتخلص من ضغوط اليوم، وبالتالي فإن أشياء مثل قراءة كتاب أو تناول مشروب ساخن، أو ممارسة لعبة عقلية، تساعد على ذلك.

لكن عندما يلتقط أحدهم هاتفه فإنه يلغي بذلك عملية التحضير التي يحتاج إليها الدماغ من خلال تمديد ساعات اليقظة إلى وقت متأخر، ومن شأن ذلك أن يجعله يتأثر بكل أنواع التوتر والقلق الناتجة عن تلك الأجهزة.

وتوصلت مراجعة بحثية لعشرين دراسة حول أنماط نوم الأطفال إلى أن الأطفال الذين يضعون الأجهزة المحمولة في غرفهم يكون نومهم أقل عمقا.

وعلى سبيل المثال، فإن الضوء الأزرق الذي ينبعث من الشاشات الإلكترونية يمكن له أن يغير عملية إطلاق هرمون الميلاتونين، الذي يساعد على تنظيم النوم، وفي ذلك فقدان للسيطرة على ساعة الجسم البيولوجية الداخلية.

وشهدت السنوات الماضية دراسات مستمرة ركزت بالأساس على “الإدمان الرقمي”، الذي أصبح يعد من أخطر قضايا الصحة التي تواجه المجتمعات الحديثة.

وعلى الرغم من أن “الإدمان الرقمي” لم يُصنف رسميا كـ”خلل مرضي” من قِبل معدي كتب التصنيف الطبي، مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية الذي تصدره الرابطة الأميركية للطب النفسي، والذي يشكل المعيار المُعترف به على نطاق عالمي لتصنيف مثل هذه الاضطرابات، إلا أن هناك من الباحثين من ينظر له على أنه لا يقل خطرا عن قضايا الإرهاب والمخدرات والمناخ والطاقة، بل وصفه البعض بـ”التسونامي الرقمي” الذي يهدد أجيالا بأكملها.

وأكد عالم النفس الأميركي نيكولاس كارداراس أن إدمان الشاشة اضطراب إكلينيكي مماثل لإدمان المخدرات، وأن علاج مدمن الهيروين قد يكون أسهل بكثير من علاج مدمن الشاشات، فيما شددت مديرة عيادة هارلي ستريت المختصة في علاج الإدمان ماندي ساليجاري على أن الكثير من مرضاها فتيات لم تتجاوز أعمارهن 13 سنة، مشبهة إعطاء الطفل هاتفا ذكيا أو آيبادا بإعطائه قنينة من النبيذ، أو غراما من الكوكايين.

وحسب رؤية ساليجاري، فإن بين المخدرات والكحول والمنتجات التكنولوجية المحفزة تشابها كبيرا، فجميعها تؤثر في هرمونات الجسم (الموصلات العصبية للدماغ).

وبينت تجارب إكلينيكية أن ألعاب الواقع الافتراضي، على سبيل المثال لعبة “عالم الثلج”، تساهم بشكل فعال في تخفيف آلام ضحايا الحروق البليغة أفضل مما تفعله مادة المورفين المخدرة، وهذا يؤكد أن المنتجات التكنولوجية تستهدف العوامل البيولوجية، وتحاكي بذلك التحفيز المقدم من الكحول والمخدرات، وقد يؤدي الإفراط فيها إلى خلق عدة أعراض كسوء النوم، ونوبات الذعر والصداع، وتخلق أعراضا مزاجية سلبية قد تؤدي في مجملها إلى الإصابة بالاكتئاب.

وتدعم الدراسات الحديثة التي تقوم على التصوير المغناطيسي للدماغ هذه النظرية، وتظهر تلك الدراسات أن الشاشات تؤثر على قشرة الدماغ الأمامية التي يطلق عليها علماء النفس “فرامل الشخص العصبية”، والتي تتحكم في الوظائف التنفيذية، ولذلك من الصواب ترك أدمغة الأطفال تنمو بشكل كامل وتكتسب قدراتها الفكرية والإبداعية من خلال نوافذ تنموية طبيعية قبل تعريضها لهذه “العقاقير الرقمية”.

ولا يستبعد الخبراء أن تكون التطبيقات التكنولوجية، وخاصة الحديثة منها التي قد صممت بدقة عالية، سببا في تدمير الكثير من المهارات عند الأطفال، والتأثير بشكل مباشر على وتيرة تفاعلهم مع أقرانهم، وهذا من شأنه أن يعيق تطوير شخصيتهم ومشاعرهم، فلا ينخرطون اجتماعيا مستقبلا.

 بالإضافة إلى أن الاهتمام المستمر للأطفال بالأجهزة الرقمية قد يأتي في غالب الأحيان على حساب أنشطة أكثر قيمة وأهمية من الناحية التنموية، كالأنشطة الرياضية والبدنية التي تعود بالفائدة على الجسم والعقل، وكذلك القراءة التي تعتبر نشاطا إيجابيا، يخلق خيالا واسعا وذاكرة مميزة، ويطور القدرة على التحليل والتفكير النقدي، فيما قد تعيق الوسائط الرقمية جميع هذه المهارات.

وهكذا، فبدلا من الانتظار حتى يعاني الطفل من مشكلة “السموم الرقمية”، من المهم تعليمه كيفية التعامل الصحي مع العالم الرقمي.

12