الأطفال يدفعون ضريبة غياب الأب عن المنزل

يُسبّب غياب الأب عن الأسرة لأسباب مختلفة تأثيراً مباشراً وسلبياً على جميع أفراد العائلة، خاصة إذا كان الأبناء صغاراً ويحتاجون إلى القائد والمعلم داخل البيت.. لا سيما وأن الزوجة لن يكون بمقدورها مهما بلغت قوة شخصيتها تعويض غياب الأب، لأنه يجسّد الهيبة والسلطة والحامي من المخاطر في أعين أبنائه، وهي الصورة التي يصعب على الأم تجسيدها أمام الأبناء، مما يخلق فجوة نفسية واضطرابات سلوكية في نشأة الأبناء.
الجمعة 2015/06/26
غياب الأب عن البيت ينجم عنه عدم استقرار نفسي لأفراد العائلة

القاهرة - أثبتت دراسات علم النفس التربوي أن التوترات النفسية تزيد ضعفي نسبتها بين الزوجات اللاتي يغيب أزواجهن إما بسبب السفر أو الموت، كما أكدت أن الأم لا تنجح عادة في تربية الأطفال بمفردها لاسيما الذكور، حيث تجد صعوبة في السيّطرة عليهم وعلى تصرّفاتهم.

وكشفت دراسة أنجزت في وقت سابق أن الأطفال الذين يغيب أباؤهم أقل شجاعة وسلوكاً مغامراً من ذوي الأب الحاضر، كما أبدوا سلوكاً ذكورياً واختاروا دمى ذكورية الصفات أقل من أقرانهم ذوي الأب المتواجد.

وأظهرت أنهم قد أبدوا تصوراً أنثوياً للأب وسلوكه بالمقارنة بالمجموعة الثانية التي أبدى أفرادها انطباعات رجولية ومغامرة له. وتوصلت الدراسة بخصوص عدم توافر السلوك الشجاع أو المغامر لدى الأطفال ذوي الأب الغائب، إلى أنهم إما مذعنين أو مترددين في سلوكهم وفي علاقاتهم مع أقرانهم، أو كانت ردود فعلهم لأقرانهم عموماً غير ناضجة أو صبيانية.

كما أكدت أنهم أقل رغبة من المبادرة أو المغامرة،، وأكثر اعتماداً على غيرهم وأقل اندماجاً في الألعاب أو الرياضات الجسمية.

كما درس العلماء الحالات التي يكون الأب فيها حاضراً ولكنه غير مؤثر، كأن يكون منعزلاً ضعيف الشخصية ليست له كلمة مسموعة في البيت، مع كون الأم مصدر القرارات والمبادرات التي تخص مصير الأسرة. وتوصلوا إلى أن مثل هذا الأب يؤثر سلباً في رجولة الطفل.

وبالإضافة إلى ذلك أشارت دراسات إلى أن الآثار السيئة المترتبة عن غياب الأب تؤثر في تطور أنواع أخرى من السلوك غير الاجتماعي غير الرجولي كالخشونة أو الفظاظة في المعاملة والانتماء إلى عصابات الأشقياء وعقدة أوديب وعادة الشذوذ الجنسي.

وبينت أن تأكيد الطفل ذي الأب الغائب على الرجولة وكفاحه من أجل التمثل بشخصية أبيه، يقودانه إلى الانضمام إلى عصابات منحرفة عن القانون أو على الأقل يحفزان لديه سلوكاً –متميزاً– بالخشونة غير المقبولة اجتماعيا. وأكد الخبراء أن الطفل إذا فقد والده فإن التوازن في نموه الجنسي قد يهتز، وأشاروا إلى أن عدم وجود الأب كنموذج لابنه يدفع الطفل في الغالب لأن يشعر بعلاقة قوية أكثر مودة أو التصاقا بأمه مما يزيد من فرص تطوير سلوك جنسي أنثوي لديه.

غياب الأب يجعل الأطفال يواجهون صعوبة كبيرة في عملية تطور سلوكهم الاجتماعي العام

وفي المقابل كشفت دراسة أميركية حديثة أن الفتيات اللاتي يفقدن الأب منذ طفولتهن، قد يملن أكثر من غيرهن للوصول إلى سن البلوغ في وقت مبكر في حياتهن.

وأظهرت الدراسة التي قامت بها كلية الصحة العامة في جامعة كاليفورنيا، أن غياب الأب البيولوجي عن المنزل، كشف عن ظهور مظاهر البلوغ على الفتيات في سن مبكرة، ولكن فقط، لدى الفتيات اللاتي يعشن في مستوى معيشي واقتصادي جيد، وكان وزن الفتيات عاملاً آخر، أخذ في الاعتبار عند البدء في الدراسة.

وأوضحت رئيسة الدراسة مساعدة البروفيسور في صحة الأم والطفل في الجامعة، جوليانا ديردروف، أنه خلال العقود الأخيرة، بدأ عمر الوصول إلى البلوغ في تناقص بين الفتيات، إلا أن أكثر التركيز كان منصباً على زيادة الوزن لديهن، كونه السبب الرئيس للبلوغ المبكر لدى الفتيات، موضحة أنه على الرغم من أن زيادة الوزن قد تهيئ وتسبب توقيت بلوغ الفتيات، إلا أن هذه العوامل المرتبطة بالوزن، لا تفسر كل ذلك الفرق الكبير في توقيت فترة البلوغ، وأن نتائج الدراسة تبين أن عوامل أسرية وأخرى تقع تحت ظروفها، بعيداً عن مؤشر كتلة الجسم، يمكن أن يكون لها تأثير مهم في فترة البلوغ لدى الفتيات.

وأشار مدير قسم قيصر للدراسات، لورنس كوشي إلى أن الرابط بين غياب الأب والبلوغ المبكر لدى الفتيات، قد كان له وجود منذ دراسات سابقة، إلا أنها لم تربط بين ذلك وزيادة وزن الفتيات، والعرق، والجانب الاقتصادي للفتاة.

وطبق الباحثون الدراسة على 444 طفلة أعمارهن تتراوح بين 6 و8 سنوات، وتمت متابعتهن بشكل سنوي، بينما اعتمدت متابعات أول سنتين في مرحلة تحليل الدراسة التي أخذت أعراض وإشارات النضوج التي تسبق بداية الحيض في الاعتبار، وفي مقابلات مع مربيات الفتيات، تم طرح أسئلة حول سكان المنزل، وعلاقاتهن بالفتيات.

وتبين أن 80 بالمئة من الفتيات يعانين غياب الأب عن المنزل، وأن هذا الغياب يرتبط بعلامات بلوغ مبكرة بين الفتيات اللاتي يعشن في حالة معيشية جيدة، بمعدل 50 ألف دولار سنوياً أو أكثر، بينما كانت علامات النضج بين الفتيات البيض، تختلف عن الفتيات الأفريقيات الأميركيات.

غياب الأب يزيد من القلق النفسي للأطفال كما أن هناك ارتباطا بينه وبين بعض حالات الانتحار والشعور بخيبة الأمل

ومن جهة أخرى بينت دراسة أن ترعرع فتاة في منزل يفتقر إلى وجود الأب، يمكن أن يجعلها أكثر عرضة للتعامل مع رجال آخرين، وروائحهم الذكرية، التي تؤدي أيضاً إلى البلوغ المبكر، إلا أن هذه الدراسة، لم تحدد ما إذا كان ترعرع الفتاة في منزل مع زوج للأم قد يكون أحـد أسـباب البلوغ. وأضافت ديردروف أنه «على الرغم من أن الأمر قد يكون محتملاً بين العائلات الفقيرة، إلا أنه غالباً ما تكون هناك شبكة قوية من الأقارب الذين يمكنهم العناية بالطفل في غياب الوالد، بينما يمكن افتراض أن العائلات ذات الدخل المادي العائلي والأب الغائب، تواجه غالباً مشكلة وجود أم وحيدة تعمل لساعات طويلة لتأمين الحالة المعيشية الجيدة، ما يعني غياب الأم أيضاً عن رعاية الطفلة، بينما كشفت دراسات حديثة، أن رابط الأمومة الضعيف يمكن أن يكون أحد أسباب البلوغ المبكر.

وأكدت دراسات علم النفس أن غياب الأب، يجعل الأطفال يواجهون صعوبة كبيرة في عملية تطور سلوكهم الاجتماعي العام، فيكون نموهم أقل استقلالية وأضعف قدرة ذاتية على ضبط سلوكهم الفردي، بالإضافة إلى مشاكل سلوكية وخلقية لدى بعضهم تتميز بعدم النضج والعصبية والانحراف، وتزعزع ثقتهم بغيرهم من الأطفال وتجعلهم غير قادرين على إقامة علاقة صداقة مع أقرانهم، وفسر علماء الاجتماع هذه الظاهرة بأن ثورة الغضب التي تنجم عن فقدان الأب، قد تنمو في الغالب لدى الطفل وتنتقل بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الآخرين كالمعارف والأصدقاء.

وأشاروا إلى أن غياب الأب قد يزيد من القلق النفسي والاضطراب العاطفي لدى الأطفال كما أن هناك ارتباطاً بينه وبين بعض حالات الانتحار والشعور بخيبة الأمل.

وتوصلت دراسة ميدانية إلى أن مهارة التوقيت في الحياة اليومية كانت ضعيفة لدى الأطفال ذوي الأب الغائب بالمقارنة بذوي الأب الموجود، كما تميزوا بعادات عمل سيئة أو غير نظامية. بالإضافة إلى وجود علاقة بين حالات غياب الأب وارتفاع نسبة ارتكاب السرقة أو الجريمة في بعض المجتمعات.

وأكد علماء النفس أنه على الرغم من اختلاف نتائج دراسات حول التحصيل العلمي للأطفال ذوي الأب الغائب، إلا أن غياب الأب عن البيت وما يعقبه من ضعف في الحالة المعيشية للأسرة وما ينجم عنه من عدم استقرار نفسي لأفرادها، يؤدي في الغالب إلى ضعف في القدرة الفردية على التفكير أو التركيز الذهني، مما ينعكس سلبا على نوع التحصيل العلمي.

21