الأطفال يزينون عيد الأضحى في البحرين بـ"الحية بية"

تزخر البحرين ودول الخليج بعادات وتقاليد للأطفال في المناسبات الدينية وشهر رمضان خاصة، وتتميز احتفالاتهم بنصف شهر رمضان وليلة القدر بلعب شعبية بعضها اندثر ورمته الحياة المعاصرة في سلة النسيان، والبعض الآخر مازال يدخل الفرحة في قلوب الأطفال رغم التطور، فالـ”حية بية” عادة بحرينية توجد في دول الخليج الأخرى أيضا وهي عبارة عن زرع الأطفال لسنابل أو نباتات ثم الإلقاء بها في البحر يوم عرفة مع أناشيد وطقوس فرح.
الاثنين 2017/08/28
دعوات الأطفال بالعودة الميمونة للحجاج

المنامة- تشهد شواطئ مملكة البحرين كعادتها في كل عام بعد صلاة المغرب في ليلة عيد الأضحى المبارك احتفالات “الحية بية”، تلك العادة الشعبية التي توارثها الخليجيون من أجدادهم واستمرت حتى يومنا هذا.

و”الحية بية” عبارة عن قفة صغيرة الحجم، مصنوعة من سعف النخيل، ويتم زرعها بالحبوب مثل القمح والشعير، وتعلق بعد ذلك في المنازل حتى تكبر وتنمو. ويقوم الأطفال بإلقائها في البحر يوم وقفة عرفات، وهم يدعون الله أن يجعل عيدهم سرورا ويعيد حجاجهم من بيت الله الحرام سالمين ومحمّلين لهم بالهدايا.

ويقال إن أصل الحيه بية هو “الحجي بيجي” كما في اللهجة العامية لأهل البحرين وقطر والكويت والإمارات، أي الحاج سيعود أو إنها تعني الحجة والمقصود القفة الصغيرة التي يقوم الأطفال بزرع البذور فيها.

وينتقد البعض من المواطنين استبدال بعض الأطفال كلمة “ضحيتي حجي بي” بـ”الحية بية”، مؤكدين أن الكلمة الأولى هي التي اعتادوا عليها منذ عشرات السنين، وأن الثانية كلمة جديدة على المجتمع البحريني.

وعن هذا الموضوع، كشف الباحث في التراث رضي السماك أن الغالبية العظمى من مناطق البحرين تستخدم كلمة “ضحيتي حجي بي”، والبعض من المناطق تستخدم كلمة “الحية بية”.

الفرح نصيب الأطفال في عيد الأضحى

وأفاد السماك بأن كلمة الحية بية أخذت من ضحيتي حجي بي، حيث تم استبدال حرف الجيم بحرف الياء، كالتالي “حجي بي أصبحت حي بي”. واستقبل متحف موقع قلعة البحرين السبت، مجموعة من الأطفال الذين شاركوا في ورشة عمل “زانت حيتكم بجيتكم” ضمن فعاليات عيد الأضحى المبارك.

وحظي الأطفال ضمن الفئة العمرية من 8 إلى 12 عاما بفرصة تعلّم طرق التزيين المختلفة وكيفية إضفاء اللمسات الفنية على الحية بية الخاصة بهم وذلك باستخدام مواد بسيطة وعناصر متوافرة في محيطهم.

كما استمتع الأطفال وذويهم باستحضار واحدة من التقاليد الشعبية التي مازالت تُمارس من قبل الأطفال في مملكة البحرين ومنطقة الخليج العربي والتي تجسد في جوهرها معاني الخير والعطاء.

نشأة الحية بية

يقول الباحثون المختصون في التراث، لمعرفة أصل الحية بية وكيفية نشأتها في البحرين ودول الخليج العربي يجب علينا الرجوع إلى الأساطير والخرافات القديمة التي كانت سائدة في الحضارات القديمة كحضارة مصر والهند وغيرهما، فقد كانت تلك الشعوب وفق معتقداتها السائدة آنذاك تخاف من آلهتهم التي تنزل عليها العذاب والدمار كالرياح والبرق والخوف والهلع.

وفكر أناس تلك الشعوب في كيفية إرضاء آلهتهم والتقرب إليها فكانوا يقدّمون القرابين والهدايا إليها حتى ينالوا رضاها ومحبتها حتى لا تغضب عليهم وتدمر قراهم ومساكنهم وتقتل أبناءهم، فاعتادوا أن يقوموا في كل عام بجلب أجمل فتاه شابة في القرية ويقومون بتجميلها وتزينها ويلبسونها أحلى الملابس والحلي حتى تصبح كالعروس ليلة زفافها، ثم يضعونها في قارب لوحدها ويرسلونها إلي البحر أو النهر لتذهب مع الأمواج إلى البعيد وتختفي حتى تصل إلى الآلهة وبذلك ينالوا رضى آلهتهم.

وقد وصلت مثل هذه القصص والأساطير إلى دول الخليج العربي حيث كانت التجارة بين الهند ودول الخليج نشطة، وكانت الشعوب تتبادل البعض من العادات، من هنا ابتكر أهالي الخليج عادة “الحية بية” والتي تشابهت مع تلك القصص، لكنهم استبدلوا رمي الفتاة في النهر أو البحر بالحية (الحشائش الخضراء) إرضاء للبحر، وتبقى العروس بملابسها الجميلة على الشاطئ، وهكذا انتشرت هذه العادة التراثية في البحرين والخليج.

المعاصرة تحرم الأطفال من رعاية قفة الزرع

يقول الباحث البحريني محمد جمال، “إن معظم أهل الخليج العربي أخذوا هذه العادة المحببة منذ قديم الزمان، حيث كانت التجارة بين الهند ودول الخليج نشطة وأدى هذا التقارب الثقافي والفكري إلى تشابه البعض من العادات والتقاليد”.

ويضيف، “أن سكان الخليج ابتكروا عادة الحية بية انطلاقا من معتقدات الحضارة الهندية السائدة بتقديم القرابين والهدايا إلى آلهتهم لينالوا رضاها ومحبتها حتى لا تغضب عليهم وتدمر قراهم ومساكنهم وتقتل أبناءهم”. تطورت الحية بية مع السنين، من خلال إدخال إضافات والبعض من اللمسات عليها، فأصبح الناس يتنافسون من تكون حيته الأجمل.

وقبل عيد الأضحى بأيام تتزين المحلات الخاصة ببيع الزرع وكذلك محلات الخضراوات في مختلف أنحاء البحرين بعرض “الحية بية” بمبلغ رمزي بسيط، بينما كان البحرينيون في السابق يزرعونها في بيوتهم في وعاء بلاستيكي أو حصيرة بلاستيكية بدءا من أول أيام ذي الحجة، استعدادا لرميها في البحر في أيام العيد السعيد.

تقول المواطنة أم نجلاء، “في القديم كنّا نتجمع نحن الأطفال منذ حلول شهر ذي الحجة، ويأتي كل صغير بالخامات التي يحتاج إليها لزراعة الحية؛ وهي عبارة عن علبة فارغة، أو سلة الخوص الصغيرة، نزرع فيها البعض من حبوب الشعير. أما اليوم فنقوم بشراء الحية بية لأطفالنا جاهزة من أحد المحلات، وقد اختلف شكلها ومحتواها تماما عما كانت عليه في السابق”.

ويقوم أحمد صاحب محل لبيع الحية بية كل عام بابتكار أشكال جديدة للحية بية لأن الأطفال يحبونها في أشكالها الجديدة والمميزة أكثر من الحية بية التقليدية، كما يقول.

ويؤكد أنه أصبح بالإمكان شراء الحية بية اليوم عبر الإنترنت فتتم توصية أحد المختصين على الإنستغرام ليقوم بتوظيب حية بية على الطريقة العصرية، وبدل أن يضع نبتة الشعير أو القمح يضع كمية كبيرة من الورد الأبيض.

مريم تقول، إن عادة الحية بية مازالت قائمة، لكن الشكل تغيّر كثيرا، فقديما كانت الاحتفالات أكثر بساطة، إذ مازلت أذكر جدتي حين كانت تصطحبني لإلقاء الحية بية في البحر، وجريا على هذه العادة، ها أنا استعد في هذا العيد لأخذ ابنتي سناء كي تحتفل بهذه العادة الجميلة، لكن بحية بية اشتريناها من المحل التجاري.

اليوم الممتع

يقضى الأطفال مع أهاليهم يوما ممتعا على ساحل البحر يرددون أنشودة الحية البية المشهورة حيث يتعلم الأطفال كيفية الاهتمام بحاجاتهم الشخصية والتضحية بأعز ما لديهم من أجل أهاليهم، ففي هذا اليوم يتزيّن الأطفال باللباس الشعبي فتلبس الفتيات أثواب البخنق المطرز بخيط الزري الذهبي ويتزيّن بالحناء في كفوفهن وأقدامهن، في تقليد شعبي متوارث يعود إلى المئات من السنين، أما الأولاد فيلبسون الثوب والصديري مع القحفية وهو غطاء الرأس.

موعد مع البحر وغروب الشمس

ويكون الأطفال فى أجمل حلة، فيتوجهون مع آبائهم وأمهاتهم قبل حلول غروب الشمس مع أصدقائهم وأهاليهم إلى أقرب ساحل بحر، ثم يبدأون احتفالهم الشعبي بالافتخار بملابسهم وبجمال الحية المعلقة على رقابهم، ويبدأ الحديث بين الأطفال وهم يرددون “حية بيه ويات حية. على درب الحنينية”، حتى آخر الأنشودة. وفى البعض من القرى يذهب الأطفال لرمي الضحية في البحر، ويقفون على الساحل مردّدين “ضحيتى ضحيتى حجي بي حجي بي إلى مكة إلى مكة زوري بي زوري بي واشربي من حوض زمزم زمزم”، حتى آخر الأنشودة.

وعن كيفية الحصول على الحية بية، فهي إما أن يشتريها الأطفال من السوق جاهزة على هيئة سلة من الخوص تسمى القفة التي يضع فيها المزارع التمر حتى يأكله ثم يضع الأطفال حب الشعير لينبت، وإما أن يقوم الأطفال بصنعها في المنزل وهو ما يحبذونه، فيأخذون علبة من الحديد تقطع من الأعلى ويثقب أسفلها بثقوب كثيرة حتى يسمح بخروج الماء عند سقيها، وغالبا ما تكون تلك العلبة هي علبة الأناناس الحمراء المعروفة والمتداولة بين الناس، حيث يتم ملؤها بالتراب، ثم يوضع بها بذر الحشيش وتسقى بالماء حتى تنبت وتكبر، ويتم ربطها بحبل رفيع حتى يتم تعليقها بسهوله فيستيقظ الأطفال من صباح كل يوم ليروا نبتتهم وهي تكبر يوما بعد يوم.

وفى يوم التاسع من ذي الحجة يستعد الأطفال للتوجه مع أهاليهم إلى شاطئ البحر ليتغنوا بها ويحركونها إلى الأعلى والأسفل ثم يرمونها في البحر، ويذكر الطفل الحية بأنه قد قام بالاهتمام بها وسقيها بالماء، ثم يطلب منها ألا تدعي عليه، وأن تجعله مسرورا بيوم العيد وبعودة حجاج بيت الله الحرام، وبعد قضاء يوم ممتع يعود الأطفال مع أهاليهم إلى منازلهم فرحين بعد هذا اليوم الشعبي الجميل.

وفي مملكة البحرين، التي تتسم بتراثها الأصيل والمتأصل منذ قديم التاريخ، كان الآباء في السابق يصطحبون أطفالهم وأطفال الجيران، ويذهبون معهم للسواحل، للاحتفال برمي الحية بية معا، ولكن في السنوات الأخيرة، بدأت البعض من الجمعيات الأهلية تنظم العديد من المهرجانات والاحتفالات الشعبية لإحياء هذه المناسبة للأطفال في جو من المرح والألفة، في صورة تعكس أجمل صور الوحدة والتلاحم وترابط النسيج الاجتماعي.

وعادة ما يكون موقع الاحتفال على أحد السواحل الجملية التي تشتهر بها البحرين فيقومون بتوزيع الحية بية على الأطفال، كما تشارك في هذه الاحتفالية مختلف الفرق الشعبية التي تضفي المزيد من الفرح والترفية في قلوب الأطفال والأهالي.

20