الأطوار السبعة للعشق الإلهي

الخميس 2014/06/05

لما ظننت أني انتهيت من مقال اليوم، أشار لي “شعدون” بالسبابة وهو يحركها يمنة ويسرة، ويشكك في عملي، قاطعت إشاراته بقولي: لا أستطيع اختصار ما كتبته “إليف شفق” عن أطوار العشق الإلهي في روايتها “قواعد العشق الأربعون” بصراحة لأني لا أدري إن كانت هذه الأطوار قد جاءت فعلا على لسان الرومي؟ أم أنها من فلسفة الكاتبة؟

لذلك نقلتها كما هي، ولا تنس أني وثقت هذا، ولم أقل أني صاحبة تلك الأفكار الجهنمية، وما كتبت أطوارها السبعة إلا لأني منشغلة بها.

أوقف سيل كلامي بإشارة من يده قائلا: هذه معضلة “روايات البحوث”، مثل مبحث السيرة الذاتية للرومي في هذه الرواية، وما بطياتها حول نشأة الصوفية وقواعدها، لذلك يتوجب على الكاتب أن يراجع ليميّز بين رأي المؤلف ورأي شخصيات روايته. قلت وأنا على وشك البكاء: لكن أنا لست باحثة في الأدب، فقط أريد أن أتشاطر مع القراء أطوار العشق الإلهي السبعة!

انحنى أمامي انحناءة حاجب، وسمح لي بالنقل الصريح قائلا: مادمت قد كتبت أسبابك، أرسلي مقالك للنشر.. ابتسمت نصف ابتسامة واستدرت إلى حاسوبي وصدرت مقالي إليكم على النحو التالي:

حين تقرأ ما كتبته “شفق” في ص 150 تعرف كيف تطوّرت حياتك الفكرية والجسدية من ولادتك حتى شيخوختك: “إن الله منهمك في إكمال صنعك، من الخارج ومن الداخل.. فكل إنسان هو عمل متواصل يتحرّك ببطء وبثبات نحو الكمال.

إن الله يتعامل مع كل واحد منا كعمل فني غير مكتمل يسعى للاكتمال.. البشرية لوحة جميلة رسمها خطاط ماهر، تتساوى فيها جميع النقاط من حيث الأهمية لإكمال الصورة”.

وحين تقرأ بداية الحديث الذي دار بين التبريزي والرومي، تظن أن الصوفيين كفرة: سأل شمس التبريزي الرومي في ص 232: “أفلم يقل النبي: يا رب اغفر لي عجزي عن معرفتك حق المعرفة، في حين قال البسطامي: طوبى لي، فأنا أحمل الله داخل عباءتي؟ فإذا كان هناك رجل يشعر بأنه صغير بالنسبة لله، بينما يدعي رجل آخر بأنه يحمل الله في داخله، فأيهما أعظم؟”.

رغم كفر السؤال، لكن إجابة الرومي كانت رائعة: “إن حب الله محيط لا نهاية له، ويحاول البشر أن ينهلوا أكبر قدر من مائه، ويعتمد مقدار ما يحصلون عليه من الماء على حجم أكوابهم، كان وعاء البسطامي صغيرا، فروى عطشه بعد أن نهل جرعة، وكان سعيدا بالمرحلة التي بلغها.. أما النبي (ص) فقد اختاره الله ، ولديه كوب أكبر بكثير؛ لذلك سأله الله في القرآن: ألم نشرح لك صدرك؟ وهكذا شرح صدره، وكان عطشا على عطش بالنسبة له، ولا عجب أنه قال: إننا لا نعرفك كما ينبغي لنا أن نعرفك، مع أنه من المؤكد أنه يعرفه كما لا يعرفه شخص آخر”، ص 233.

أما حين شرحت الأطوار السبعة للوحدانية في ص 244-246، شعرت بأني أمشي على سجادتها وحدي:

1. الطور الأول: النفس الأمارة، وهو أشد الأطوار بدائية وانتشارا، حين تقع الروح في شرك المساعي الدنيوية، ويبقى معظم الناس في هذا الطور يعانون، لأنهم منهمكون في خدمة ذواتهم الوضعية، ويحمّلون الآخرين مسؤولية شقائهم.

2. وحين يبدأ في جهاد النفس، ينتقل إلى الطور التالي، أي النفس اللوامة، الذي هو عكس الطور الأول، حيث يبدأ المرء بلوم نفسه، تصل أحيانا إلى درجة محو الذات، وبذلك يبدأ الرحلة نحو النقاء الداخلي.

3. وفي الطور الثالث، يزداد المرء نضجا، فينتقل للنفس الملهمة، وفي هذا الطور يتمكن من معرفة المعنى الحقيقي لكلمة “الخضوع″، ويبدأ في الطواف في وادي المعارف الإلهية، والمرء الذي يبلغ هذه المرحلة يمتلك الصبر، والمثابرة، والحكمة، والتواضع، ويبدو العالم له جديدا مليئا بالإلهام. بيد أن معظم الذين يبلغون المقام الثالث، يرغبون في البقاء فيه، ويفقدون الرغبة في الانتقال إلى الأطوار الأخرى؛ لذلك مع أن الطور الثالث يبدو جميلا ومباركا، فإنه بمثابة شرك للشخص الذي يتطلع إلى بلوغ درجة أعلى.

4. أما الذين يتمكنون من المضي قدما، فهم يبلغون وادي الحكمة ويعرفون النفس المطمئنة، وهنا يختلف إحساس النفس عما كانت عليه، لأنها ترتقي إلى درجة أعلى من الوعي، ومن الصفات التي تلازم الذين بلغوا هذا الطور: الكرم، والعرفان، والشعور الدائم بالرضا، مهما بلغت مشاق الحياة ومصاعبها.

5. ثم يأتي وادي الوحدة، ويشعر المرء الذي يبلغ هذا المقام بالرضا، مهما كان الوضع الذي يضعه الله فيه، فلا تهمه الأمور الدنيوية، لأنه بلغ النفس الراضية.

6. وفي الطور التالي، تأتي النفس المرضية، حيث يصبح المرء مشكاة للإنسانية، يبث الطاقة لكل من يطلبها، ويعلم كأستاذ حقيقي، وقد يمتلك المرء قوى شافية، حيثما ذهب يحدث أثرا في حياة الآخرين، ففي كل شيء يفعله ويصبو إلى عمله، يكون هدفه الرئيسي خدمة الله من خلال خدمة الآخرين.

7. وأخيرا يأتي الطور السابع، حيث يبلغ المرء النفس النقية ويصبح “الإنسان الكامل”، لكن أحدا لا يعرف الكثير عن هذه الحالة، التي حتى لو بلغها البعض، فإنهم لا يتكلمون عنها.

يسهل تلخيص أطوار بلوغ الطريق، ويصعب اجتيازها، ومما يزيد من العقبات التي تظهر على طول طريق الحقيقة، عدم وجود ما يكفل الاستمرار في المضي قدما، فالطريق من الطور الأول حتى الطور الأخير ليس خطا مستقيما، وهناك دائما احتمال السقوط والعودة إلى الأطوار الدنيا، ويكون السقوط أحيانا من أعلى الأطوار إلى الطور الأدنى، فلا عجب ألا يتمكن من بلوغ الأطوار النهائية سوى قلة قليلة في كل قرن.

16