"الأعداء الثمانية" مغامرة تارانتينو الجديدة المشوبة بالدماء

نجح المخرج الأميركي الموهوب كوينتين تارانتينو خلال السنوات العشرين الماضية، في تأكيد مكانته كأحد كبار المبدعين في سينما الفن في أميركا والعالم، بأفلامه المدهشة دراميا وبصريا، والتي أرسى من خلالها أسلوبه الخاص في التعبير الذي يقوم على خلق واقع سينمائي مواز للواقع الحقيقي، والتلاعب بالحبكة ومسار السرد، بطريقة فنية ممتعة، قبل بلوغ نهايات أفلامه التي كان معظمها يقوم على فكرة الانتقام.
الثلاثاء 2016/01/19
قلوب سوداء تغزو بياض الثلج

انتظر عشاق السينما في العالم طويلا فيلم المخرج الأميركي كوينتين تارانتينو الجديد “ذي هايترد آيت” (أفضل ترجمة عربية له هي “الأعداء الثمانية”) منذ فيلمه السابق “جانغو طليقا” (2013)، الذي كان يتناول بأسلوب تارانتينو الساخر جذور العنصرية الأميركية.

وأخيرا جاءت فرصة مشاهدة الفيلم الذي أثار الكثير من الاهتمام منذ تسرب نسخة من السيناريو على شبكة الإنترنت، الأمر الذي أغضب تارانتينو كثيرا وجعله يهدد بوقف إنتاج الفيلم، لكن الواضح أن إغراء التحدّي دفعه إلى تصويره، وباستخدام تقنية الـ70 مم القديمة التي استخدمت في تصوير البعض من أشهر كلاسيكيات السينما العالمية مثل “بن هور” و“لورانس العرب” وغيرهما.

وتقنية الـ70 مم تصلح بالتأكيد للأفلام التي تمتلئ بالمناظر العامة والديكورات الضخمة، مما يقتضي الإحاطة بتفاصيل المكان، خاصة وأنها تجعل المنظور أكثر وضوحا ونقاء واتساعا بسبب مقاييس الصورة التي يصل فيها الطول إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف الارتفاع. فقد كان تارانتينو يأمل في صنع عمل ملحمي من نوع “الويسترن”، يعيد أمجاد الأفلام الملحمية الكبرى في تاريخ فيلم الغرب الأميركي.

دماء وجثث

تدور أحداث الفيلم في ولاية وايومنغ الأميركية بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب الأهلية الأميركية، أي في سبعينات القرن التاسع عشر. ويبدأ الفيلم بمشاهد شديدة الجمال والرونق، للصحراء والجبال التي يغطيها الجليد فينتشر اللون الأبيض إلى مدى الأفق، بينما تمرق في الطريق عربة تجرها ستة خيول سوداء، وفي داخلها رجل وامرأة: الرجل هو جون روث (كيرت راسل) وهو أحد صيادي الخارجين على القانون (على غرار كريستوف فالتز في “جانغو طليقا”)، أي أنه يطارد المجرمين ويعتقلهم ويقوم بتسليمهم للسلطات مقابل الحصول على قيمة المكافأة المالية المعلنة.

تارانتينو يستجيب لإغواء فكرة إبقاء أبطاله الأعداء الثمانية داخل مكان مغلق، وتفجير الصراع في ما بينهم بالحوار

أما المرأة التي تدعى ديزي (جنيفر جيسون لي) فهي صيده الذي يأمل الذهاب به إلى بلدة تدعى الصخرة الحمراء لتسليمها وقبض ثمنها، قيمة المكافأة، أي عشرة آلاف دولار، لذلك فجون مسلح حتى أسنانه، يتشكك في كل من يقترب منه.

خلال الطريق يلتقي الاثنان أولا بالماجور وورين (صامويل جاكسون) وهو ضابط سابق شارك في الحرب الأهلية في صفوف الشماليين، وقد أصبح الآن أيضا صائد مجرمين مثله مثل جون، لكنه يحمل معه أيضا خطاب شكر من الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، هو الذي ضمن له موافقة جون على أن يرافقه في الطريق بعد أن يجرده من سلاحه ثم يوثق يديه، وهدفه أن ينقل بعض ضحاياه الذين قتلهم لمن سيدفعون له المكافأة.

بعد قليل يظهر رجل آخر يدعى كريس يقول إنه المأمور الجديد المكلف بتولي المسؤولية في بلدة الصخرة الحمراء، لكن جون لا يثق بكلامه، خاصة بعد أن يكشف كريس عن حقد شديد تجاه السود، مما يشي أيضا بأنه كان جنديا سابقا في صفوف الجنوبيين الذين هزموا على أيدي الاتحاديين الشماليين (أو اليانكي).

يجتمع هؤلاء الأربعة داخل العربة، ويستمر المشهد الذي يمتلئ بالحوارات المكثفة التي تكشف عن هوية الشخصيات الأربع، لأكثر من نصف ساعة قبل أن ننتقل مع الأبطال إلى داخل استراحة على الطريق، حيث يحتمون من عاصفة ثلجية محدقة.

سنبقى داخل هذا المكان المغلق خلال المدة الباقية من زمن الفيلم الذي يمتد على نحو ثلاث ساعات، لا نغادره سوى مرتين فقط من خلال مشاهد العودة إلى الماضي، ولكن قبل ذلك سنتعرف على باقي الأبطال الثمانية.

أولهم المكسيكي بوب الذي يقول للقادمين الجدد أن أصحاب الاستراحة غائبون، الأمر الذي يولد الشك لدى جون وحليفه الجديد وورين الذي عقد معه جون اتفاقا للدفاع المشترك. وداخل المكان هناك أيضا جو (مايكل مادسن) الكاوبوي الغامض الذي يقول إنه في طريقه لزيارة والدته، والإنكليزي الناعم أوزوالدو (تيم روث) وهو جلاد يشنق المجرمين، والجنرال السابق في جيش الجنوبيين سانفورد (بروس ديرن).

من الطبيعي أن يدفع الشك جون لنزع سلاح الجميع بمساعدة وورين، ومن خلال الكثير من الحوارات والمشاجرات العنيفة اللفظية والجسدية، تبرز التناقضات التي تشي بالخلافات العميقة بين السود والبيض، وبين الشماليين والجنوبيين، وبين الرجال والمرأة الوحيدة التي كانت محلّ ازدراء الجميع ونالت الكثير من الصفعات والركلات، ثم يكون حتميا تفجر العنف، وتفجر الكثير من الدماء، وسقوط الكثير من الجثث، بعد أن يصبح وورين الأسود وكريس الجنوبي العنصري حليفين ضد الآخرين جميعا.

"ويسترن" من نوع خاص تدور أحداثه في فضاء مغلق

تارانتينو يتحدّى هنا النوع السينمائي، أي الويسترن، فهو يجعل فيلمه من الناحية الظاهرية يبدو كما لو كان من نوع هذه الأفلام المعروفة، لكنه ينتهك تقاليد “الويسترن” بل و“الإسباغيتي ويسترن” أيضا الذي سبق أن جربه بنجاح في “جانغو طليقا”، ليسير في الاتجاه العكسي تماما.

فعلى النقيض من أفلام الويسترن التي تدور عادة في المحيط الطبيعي، أي في مشاهد خارجية في الصحراء، وتمتلئ بالمشاهد السريعة، ويتراجع الحوار إلى حدّه الأدنى، وتبرز فيها الحركة والمطاردات والمبارزات القاتلة، يستجيب تارانتينو هنا لإغواء فكرة إبقاء أبطاله الثمانية الأعداء داخل مكان مغلق، وتفجير الصراع في ما بينهم من خلال الحوار، وهو أسلوب مشابه لأسلوبه في فيلم “كلاب المستودع”، حيث كان تارانتينو يعود من خلال مشاهد “الفلاش باك”، ليجعلنا نشاهد ما حدث بعد أن فشلت عملية السطو على أحد المصارف، وما انتهى إليه معظم أبطال العملية في الزمن المضارع.

تحدي النوع السينمائي

في هذا الفيلم يرتدّ تارانتينو مرتين فقط إلى الماضي: أولا عندما يقص وورين الأسود على الجنرال العنصري الذي جاء للبحث عن ابنه الذي كان جنديا في الجيش الجنوبي وقتل في تلك المنطقة، كيف أنه -أي وورين- قام بأسره وتعذيبه حتى الموت، فنشاهد كيف يرغم وورين أسيره على السير لمسافة طويلة عاريا وسط الثلوج، ثم يرغمه على الخضوع للانتهاك الجنسي بشكل مهين، قبل أن يتركه يقضي نحبه من شدة البرد.

أما المرة الثانية فتأتي قبل الفصل الأخير. يقسم تارانتينو فيلمه إلى فصول تحمل عناوين، ونحن نسمع تارانتينو يروي بصوته (يبدأ تدخله الصوتي من خارج الصورة عند منتصف الفيلم تقريبا)، فتحت عنوان “قبل ذلك صباح اليوم نفسه” أي قبل وصول جون وأسيرته ديزي والرجلين، نرى وصول شقيق ديزي مع كل من “الكابوي” جو والجلاد الإنكليزي أوزالدي والمكسيكي بوب، ويبدأون بقتل أصحاب الاستراحة الأصليين، وهم رجل وامرأتان، وإلقاء جثثهم في البئر القريبة، ثم يختبئ شقيق ديزي في الطابق الأسفل الواقع تحت أرضية الغرفة، وهو الذي سنراه في ما بعد عندما يتعقد الموقف، يطلق النار من أسفل فيصيب كلا من وورين وكريس، ويكون جون وسائق عربته قد ماتا بالسم الذي وضعه جو في القهوة.

كما يكون وورين قد قتل الجنرال عندما كان هذا الأخير يحاول قتله بعد استماعه لوورين يقص عليه ما فعله بابنه، ليبدأ وورين بعد ذلك التحقيق مع الجميع لمعرفة من الذي وضع السم في القهوة، وتبدأ تدريجيا مذبحة لا تترك أحدا، وتلقى ديزي أيضا حتفها شنقا في مشهد شبيه بما نشاهده عادة في أفلام الرعب.

هذا فيلم عن الكراهية، عن الحقد الدفين الكامن عندما يستبدّ بالجميع فيخرج أبشع وأعنف ما في داخلهم، لا يفرق بين المجرمين ومن يفترض أنهم حماة القانون، الذين هم في الحقيقة باحثون عن المال، لا عن العدالة.

من خلال الكثير من المشاجرات العنيفة، اللفظية والجسدية، تبرز تناقضات تشي بالخلافات العميقة بين السود والبيض

ومع ذلك فعنف تارانتينو الذي يصل إلى حدود السوريالية في المشاهد الأخيرة من الفيلم بفيضان من الدماء التي تنتشر في كل مكان، يولد التقزز بسبب مشاهد قطع الأعضاء، وتقيّؤ الدم بغزارة، كما تولد هذه المشاهد الضحك لشدة كارتونيتها.

والعنف الذي نراه هنا هو عنف مجاني، يساوي بين الجميع الذين يتنافسون، ليس على المال أو الجنس أو الملكية بل على الشر، فالبيض جميعا عنصريون (هناك استخدام بالجملة لكلمة زنجي)، والأسود لا يقل عنصرية عن الأبيض، ويدفعه تارانتينو لبلوغ أقصى درجات العنف في تعامله مع ابن الجنرال بعد أسره خلال الحرب.

هل كل هذا العنف نتاج الحرب التي تولّد أفظع ما في الإنسان؟ أم هل هي الدائرة القدرية العبثية التي يدور فيها الإنسان عندما يجد نفسه في صراع مع الآخر من أجل إثبات وجوده؟

تارانتينو في الحقيقة، قد يكون مشغولا بفكرة نشأة أميركا، وبالأخص الغرب الأميركي، الذي يرى أنه لم يقم على أكتاف رجال شجعان كما نرى في أفلام الويسترن التقليدية، بل على النذالة والعنف والدماء، وهي فكرة يجسدها بكثير من الحرفية باستخدام التصوير الخلاب البديع المتميز حتى في المشاهد الداخلية، وإن كنا لا نستطيع أن نرى تأثيرا كبيرا في استخدام تقنية الـ70 مم على تلك المشاهد، ومن خلال موسيقى العبقري الإيطالي إنيو موريكوني (صاحب البصمة التي لا تُنسى على أفلام الإسباغيتي ويسترن)، والأداء التمثيلي البديع الذي يتميز فيه بوجه خاص صامويل جاكسون وكيرت راسل وجنيفر جيسون لي.

ولا شك أن الحوار المميز المكتوب ببراعة ودقة لكي يعبر عن كل شخصية ويمنحها معالمها، يلعب دورا أساسيا في دفع أحداث الفيلم، ولكن رغم طرافة الحوار وتميزه، إلاّ أن الفيلم يعاني بوجه عام، من الاستطرادات الكثيرة في الحوار، ومن المشاهد الطويلة التي تجعلنا أحيانا نشعر كما لو كنا أمام عمل من أعمال المسرح المصور، كما يعيب الفيلم بطء الإيقاع، والاستغراق في الكثير من التفاصيل التي لم تكن لها ضرورة في سياق الفيلم، مما جعله يبدو مغرقا أحيانا في المحلية الأميركية. وفي النهاية لاشك أن عشاق تارانتينو، سيعثرون في الفيلم على الكثير من السمات المميزة لموهبة هذا السينمائي المرموق.

16