الأعراس في الجزائر عادات تزول وأخرى تقاوم الاندثار

كان للأعراس الجزائرية في زمن غير بعيد بريق مميز يسودها جو من المحبة والألفة رغم بساطة ما كان يقدم فيها، جو يخلق الشعور بروح التضامن بين العائلة والأقارب والجيران، حيث كان المنزل هو المكان الذي تقام فيه كل الاحتفالات حتى وإن كان ضيقا يوزع المدعوون بين غرفه أو في سطح المنزل ليبدأ التحضير للعرس قبل أيام ويتواصل عمل النسوة نهارا والسهر والفرح ليلا إلى أن يجتمع العروسان في بيت الزوجية، أما اليوم فقد صار العرس حدثا يتم سريعا خارج بيت الأهل غالبا، إذ تقام حفلة العرس في قاعة الأفراح، ويتكفل بتحضير الطعام والحلويات مختصون في ذلك.
الثلاثاء 2017/10/03
ليال من الحنة لزينة ليلة الفرح

الجزائر - يعيش الجزائريون عادة في فصلي الصيف والخريف على وقع احتفاليات الأعراس التي تختلف من محافظة لأخرى في البلاد، حيث تبرز عادات وتقاليد وطقوس متنوعة عمرها مئات السنين لا تزال مستمرة رغم رياح العصرنة التي أدخلت على العرس الجزائري بعض المظاهر الجديدة والتي تكلف أعباء مالية للعريس.

وتبدأ تحضيرات الأعراس في الجزائر منذ الخطوبة، سيرا على خطى الأجداد التي تقول إحداها “زواج ليلة تدبيرتو عام”، أي (زواج ليلة واحدة يجب أن يُحضَّرَ له طيلة عام كامل)، لتبدأ رحلة التسوق بالنسبة للعروسين داخل محلات بيع الملابس التقليدية الجاهزة والأقمشة والمفروشات والأثاث دون أن تنسى العروس العطور والصابون والحناء، إلى غاية يوم الزفاف أو يوم العرس.

فسيفساء من التقاليد

تختلف الأعراس الجزائرية من منطقة لأخرى سواء عند أهل القبائل (ولايتا بجاية وتيزي وزو..) أو عند الشاوية (شرق البلاد منها محافظات باتنة وأم البواقي وخنشلة..) أو بالعاصمة الجزائر أو في غرب البلاد مثل محافظات وهران وتلمسان ومستغانم أو بمحافظات جنوب البلاد (تمنراست وإليزي وأدرار وتيندوف).

وتتسم أعراس الجزائر بمجموعة من التقاليد والعادات الموروثة منذ القديم والتي تشكل القاسم المشترك بين أطياف المجتمع الجزائري على غرار لباس العروس والعريس، وليلة الحنّاء، ويوم الزفاف، ويوم المصابحة أي اليوم الذي يلي الزفاف ويسمى أيضا بفطور العروسة.

وتتزين العروس يوم زفافها بشتى أنواع الألبسة والفساتين التقليدية التي تعبر عن الموروث الثقافي والتراثي لمختلف مناطق الجزائر في عملية تعرف بـ”التصديرة”، وهي عبارة عن حفل لعرض أزياء تقوم فيها العروس بين الفينة والأخرى بتغيير الملابس التقليدية الجاهزة التي اشترتها أو التي خاطتها من أجل الزفاف، وظهرت في السنوات الأخيرة ظاهرة كراء الفساتين بدل شرائها على اعتبار أن العروس لن تستعملها في حياتها اليومية.

وتلبس العروس فساتين ترمز إلى أصالة المرأة الجزائرية وثقافتها وأبرزها الكاراكو والبدرون والقويط، التي تمثل منطقة العاصمة وما جاورها، كما تلبس العروس في قسنطينة (شرق) الفرقاني والجبّة القسنطينية، وتمتاز كل منطقة بلباسها التقليدي على غرار الجبة القبائلية أو الأمازيغية، والجبة السطايفية (محافظة سطيف 300 كلم شرق العاصمة) والجبة الوهرانية (غرب)، والكراكو التلمساني (أقصى غرب البلاد)، بالإضافة إلى القفطان العنابي (شرق) والجبة النايلي الخاصة بمنطقة الجلفة (وسط)، والملحفة الشاوية بالشرق الجزائري، والملحفة الصحراوية بمناطق الجنوب، فضلا عن مجموعة من الألبسة الأخرى في مناطق متفرقة من البلاد.

رقصات على أنغام الفلكلور

ومن العادات أيضا في الأفراح الجزائرية أنّ والد العروس هو الذي يخرج ابنته ليقدمها لأهل العريس مرتديا برنسا أبيض، حيث تخرج من باب العائلة تحت ذراعيه لتبدأ رحلتها إلى بيت الزوجية من على متن عربة تجرها أحصنة وتسمى في الجزائر ‘الكاليش’ أو تتنقل عبر سيارة حديثة فارهة يتبعها موكب سيارات أخرى من طرازات مختلفة. وبالنسبة للعريس، فيقيم مع أهله وأصدقائه احتفالية عادة ما تكون ليلة الأربعاء، يطلق عليها ليلة الحنّة، حيث يقوم أصدقاؤه بوضع الحنّاء على يديه ويهدونه المال، ويتناولون بعد ذلك طبق الكسكسي التقليدي باللحم، على وقع أنغام موسيقى شعبية عتيقة تكون فيها الفرق الفلكلورية التراثية سيدة الاحتفال.

الفلكلور والبارود

على صعيد الموسيقى المرافقة للأعراس، تصنع الفرق الفلكلورية على غرار الرحّابة، نكهة خاصة في الأعراس لارتباطها بالموروث الشعبي والتراثي في المجتمع الجزائري، ورغم التطور الحاصل في مجال الموسيقى والغناء إلا أن الفرق الشعبية تسجل حضورها بقوة في سهرات العرس.

وتصنع أهازيج هذه الفرق على وقع طلقات البارود، التميز، خاصة في منطقة الشاوية بالشرق الجزائري التي تشمل ثلة من المحافظات كباتنة وخنشلة وأم البواقي وتبسة وغيرها.

ولا يكتمل وصف الأجواء التي تصنعها فرق الرَّحَّابَة وهي رقصات تتماشى بشكل دقيق مع إيقاع غنائي وموسيقي، تضبطه الأرجل، دون الحديث عن استعمال البارود في أعراس عدد كبير من مناطق الجزائر، تعبيرا عن الفرح أحيانا والتباهي أحيانا أخرى، لكنها تشترك في الرغبة بصنع أجواء الفرح التي توارثتها الأجيال الحالية عن الآباء والأجداد.

وفي محافظات أخرى بشرق البلاد كعنابة وقسنطينة (شرق)، لا يكاد يخلو أي عرس من سلاح الفوشي (بندقية من صنع تقليدي)، فهو عندهم رمز البطولة والرجولة والشجاعة والشرف، فكانت هذه القطعة حسب مصادر تاريخية أول سلاح استعمله المجاهدون الجزائريون في بدايات الثورة التحريرية ضد فرنسا ليتحول بعدها إلى أبرز طقوس الأعراس الجزائرية.

فصوت البارود المدوي مؤشر على الفرح واستقبال الجديد، وفي الأعراس تطلق الأعيرة النارية من “الفوشي” في السماء، وفي الأرض فرحا وابتهاجا بالعريس، أما موكب العروس فيخصص له استقبال صاخب ومدوّ من خلال إطلاق البارود بشكل فلكلوري يليق بإكمالهما نصف دينهما.

ظهور جيل من الشباب والأثرياء جعل من السلاح وسيلة للتفاخر والتباهي حتى أصبح الكثيرون منهم يستعملونه بمناسبة وبغير مناسبة، وأصبح إطلاق البارود وسيلة للتباهي والمجاملة للأقرباء والأصدقاء، حيث يعمد أصحاب الأعراس إلى دعوة هؤلاء شأنهم شأن أصحاب السيارات الفاخرة.

لكن استعمال الأسلحة أصبح اليوم يشكل خطرا لأن هؤلاء الشباب صاروا يصاحبون موكب العروسين في الشارع.

وبالرغم من النكهة التي تضفيها طلقات البارود على الأعراس والحفلات والدور الذي تلعبه في خلق أجواء بهيجة، إلا أن هذا لا ينفي مخلفاتها وآثارها السلبية على المواطنين سيما العائلات المعنية بالأفراح، فغالبا ما نسمع بعد موكب عروس حافل بالسيارات الضخمة وطلقات البارود المكثفة وفاة شخص أو إصابة آخر بطلقة نارية خاطئة.

ويقول مراد أوزناجي الباحث في التاريخ والتراث الجزائري إنّ قوة الجزائر الحضارية مستمدة خاصة من تراثها الشعبي وموروثها الثقافي المتراكم عبر حقب تاريخية متعددة.

ويضيف أوزناجي “تتعزز هذه الفكرة أكثر إذا ما أدركنا قيمة وكثافة التنوع المميز لذلك التراث والموروث، بالموازاة مع تلك الصورة الجميلة التي تتزاوج فيها تلك القيم مجتمعة، وهي تشكل فسيفساء من العادات والتقاليد الضاربة بعروقها في عمق التاريخ”.

أطباق تقليدية لا يحلو العرس من دونها

ويشير أوزانجي إلى أنّ المتأمل في أعراس الجزائريين تاريخيا يجدها مستمرة ومتواصلة عبر الزمن، على الرغم من وجود عوامل عدة ومعوقات كثيرة كان بإمكانها نسف عادات الزواج في المجتمع الجزائري مثل الحداثة والعصرنة في وقتنا الراهن، وسابقا كان على رأسها عامل الاستعمار وما انجر عنه من محاولات إلغاء الهوية ومسخ الشخصية وتجهيلها وتغيير عاداتها المتوارثة.

ويؤكد أوزناجي أنّ ما حدث هو العكس، فعوض ذوبان الشخصية المحلية وانحلالها الكلي أو الجزئي في بوتقة الاستعمار والحداثة، كان رد الفعل بمثابة تأقلم لا غير. ولذلك يعتبر أنّ الجزائري تكيف مع الوضع الجديد دون أن ينصهر فيه كليا.

لكن الباحث لا ينفي وجود تأثيرات مباشرة في الأعراس الجزائرية ولو أنها هامشية من خلال بعض الظواهر الجديدة التي مست طريقة سير أعراس بعض الجزائريين اليوم منها دخول الآلات الحديثة، واقتحام أغاني الملاهي بيوت وأعراس بعض الجزائريين، أو تنظيم الأعراس داخل قاعات الحفلات كفضاء لممارسة طقوس الزواج وظهور طباخ الأعراس بعد أن كانت النسوة من الأقارب والجيران يطبخن الطعام وحتى الحلويات، ففي العرس الجزائري كانت الناس تحاول الضغط على المصاريف التي يتكفل بها العريس وأهله، أما اليوم فصارت بعض العائلات تتباهى بمظاهر البذخ.

ومن جهتها ترى ناريمان مقران وهي طالبة جامعية مقبلة على الزواج أنّ الأعراس في الجزائر وخاصة في محافظتها بسطيف (شرق) متميزة جدا على أصعدة كثيرة سواء بالنسبة للعروس أو للعريس.

وقالت ناريمان إنّ العرس في منطقتها يتسم بالحفاظ على مجموعة من العادات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها كليلة حنّاء العروس، والتصديرة، وطبخ طبق الكسكسي باللحم والمرق، وملء غربال بالحلوى والمكسرات يوزعه أهل العروس على المدعوين.

وأضافت المتحدثة أنّ كلفة الزواج باهظة جدا، لكن الذكريات والطقوس التي يحملها العرس طوال يومين أو ثلاثة كفيلة بأن تنسي صاحبها التعب وتبقى جميلة طول الحياة.

وعن سؤال حول تأثير العصرنة على أعراس الجزائريين، ردّت المتحدثة “لا تزال أعراسنا محافظة على تقاليد وعادات كثيرة ولم تتغير أبدا، كبرتُ عليها، وأنا صغيرة كنت أشاهد طقوس الأعراس في حيّنا بهذا المنوال، لكن التغيير مسّ بعض الشيء الموسيقى والغناء بلجوء بعض الأسر إلى استعمال الآلات الموسيقية الحديثة ودعوة الفنانين وإقامة الحفلات في قاعات الأفراح بدل المنازل”.

وحمام العروس أيضا من العادات التي مازالت حاضرة بقوة، فتحضر العروس نفسها ليلة قبل ذلك لتذهب في موكب يضم قريباتها وصديقاتها وعند وصولها يساعدنها في الاستحمام، وتنتهي بتعطير نفسها بماء الورد والعطور.

وتختلف المهور في الأعراس من منطقة لأخرى، فقد تبلغ في بعض المحافظات لا سيما بمنطقة القبائل (أمازيغ الجزائر) قيمة رمزية تتراوح بين 1 و10 دولارات، مقابل ارتفاع المهر في محافظات في شرق وغرب البلاد كقسنطينة وتلمسان وسطيف بالعشرات من المرّات يصل فيها المهر إلى 5 أو 6 آلاف دولار.

مظاهر الأعراس العصرية جعلت هذه المناسبة تفقد رونقها بعد أن كانت تجمع العائلات من الجيران والأقارب لأيام من الفرح وتحضير الطعام والحلويات على وقع الأغاني والزغاريد، أما اليوم فقد أصبح كل شيء يقدم جاهزا، فالشيف يحضر الأكل واختصاصيو الحلويات يحضرون المرطبات لتختفي مظاهر العرس التقليدي، حتى الضيوف والأقارب لا يذهبون إلى بيت العرس بل يلتقي الجميع في قاعة الأفراح لبعض الوقت ثم يفترقون مجددا.

تكاليف العرس العصري باهظة إضافة إلى غلاء متطلبات الحياة، ما يدفع بالعديد من الشباب إلى تأخيره نتيجة غلاء المهور وأزمة السكن وانخفاض القدرة الشرائية للفرد وأسباب أخرى تؤدي بدورها إلى نسف ثراء وجماليات الأعراس الجزائرية.

20