الأعراف الاجتماعية تعرقل الفتيات عن إتمام الدراسة خارج الأوطان

العادات والأعراف المجتمعية تلعب دورا قويا في الحد من حرية المرأة خاصة في المجتمعات الريفية والمتحفظة التي لا تزال فيها النساء يعشن تحت الوصاية الذكورية.
السبت 2021/05/29
الدراسة في بلد أجنبي حق من حقوق المرأة أيضا

تعاني الفتيات في الــدول العربية مـــــن قيود تفرضهـا عليهن الأعراف الاجتماعية وتحد من حرياتهن وحقوقهن بما في ذلك الحق في الدراسـة في بلدان أجنبية. ويرى علماء الاجتماع أن الوصاية الصادرة عن الأب أو الأخ والتي تتغلغل في الأوساط الريفية تعوق الفتيات عن تحقيق طموحاتهن في الدراسة والنجاح والرقي. ويدعو علماء الاجتماع إلى ضرورة تغيير العقليات لتحقيق المزيد من المساواة بين الجنسين.

تربط العديد من الأسر العربية بين سفر بناتها للدراسة ببلدان أجنبية ونظرة المجتمع إليهن والتي تصنفهن عادة ضمن خانة المتحررات من القيود الاجتماعية. وترى أن سفر بناتها للدراسة بالخارج سيجعلهن عرضة للألسن، وفق رؤية تعززها الأعراف والعادات والتقاليد الاجتماعية. وقد تزيد حدة هذه النظرة إذا كان الأب أو الأخ ذا مستوى تعليمي متدن.

وقالت درة الشيحي، شابة تونسية متزوجة ومقيمة بكندا، إنه “لا يقع تقييم المرأة في بعض الدول العربية ولا تقييم كفاءاتها بالشكل الذي تستحقه، بسبب العادات والتقاليد”، مشيرة إلى أن “السبب الأهم والمباشر هو استناد المناهضين للمرأة إلى الدين بوصفه، وفق تفسيرهم له، يقر بأن الفضاء الأنسب للمرأة هو البيت والإنجاب لا العمل والمنافسة وشغل المناصب”.

وأضافت في تصريح سابق لـ”العرب” “لذلك يقع تكبيل المرأة ومحاصرتها وردعها عن الوصول إلى أهدافها وتحقيق ذاتها، ودورها في العمل يحدده لها المجتمع، وغالبا ما يحصرها في وظائف تتعلق بالتعليم والصحة أو الحصول على دورات تكوينية في الطبخ والخياطة والحلاقة، وحتى في مجال الصحة يفرض عليها العمل كممرضة وتترك المهام الطبية الأخرى، خصوصا الجراحة، للرجل لأنه الأكثر دقة وقدرة على التحكم في مشاعره”.

إلهام الدوسري: مازالت هناك مقاومة من الاتجاهات المحافظة والدينية لتحرير المرأة

وأوضح الباحث في علم الاجتماع طارق بالحاج محمد أن النساء لا يزلن يعشن تحت وصاية وعنف ذكوري صادر عن الأب والأخ والزوج والرئيس في العمل والزميل، علما بأن حضور المرأة يكاد يضاهي حضور الرجل في الفضاء العام. وعزا الأمر إلى العقلية الذكورية المترسخة في الأذهان، والتي لم تستطع الجامعات القضاء عليها.

وأضاف بالحاج محمد أن جذور هذه العقلية تعود إلى التنشئة الاجتماعيّة للأفراد. وتجد هذه التربية مبرراتها ومرتكزاتها الثقافية والنفسية في العادات والتقاليد، وخصوصا لدى الفئات الأقل حظا في التعليم والمكانة الاجتماعية. وتؤازرها في ذلك بعض النخب ذات المرجعيات المحافظة، والتي تنظر إلى المرأة نظرة دونية، وترى في تحررها محظورا يجب التصدي له.

وتسهم الأعراف الاجتماعية في عدم إقبال بعض الأسر على تعليم الفتيات حتى داخل بلدانهن. وتعاني الدول العربية في مجال تحقيق المساواة بين الجنسين في التعليم، رغم الجهود التي بذلتها لتحقيق الهدف الثاني من أهداف الألفية. وتشير آخر الإحصائيات إلى أنه “على العالم العربي أن يبذل المزيد من الجهد لتمكين حوالي 5 ملايين طفل (61 في المئة منهم من البنات) في سن التعليم الابتدائي من التمتع بهذا الحق”.

وعموما، يُعاني كل من المغرب واليمن من ظاهرة عدم المساواة بين الجنسين في مجال التعليم. وعادة ما يؤدي تداخل العوامل الثقافية والاجتماعية التي تحد من تعليم البنات وبالأخص في الأرياف، إلى مضاعفة ما يُعاني منه الذكور في تلك المناطق من نقص في الإمكانيات المادية، ومن تراجع في جودة التعليم، وضعف في البنية التحتية من طرق وكهرباء، وبُعد المدارس القروية عن التجمعات السكنية.

ويقول محمد معاشب  الباحث المغربي في مجال ثقافة الطفل “في بعض الحالات لا يكون نظام المدرسة داخليا إلا إذا كانت تبعد بأكثر من 20 كيلومترا عن التجمع السكني، وهذا ما يثني عائلات كثيرة عن إرسال بناتها إلى المدرسة”.

ويُلاحظ عبدالهادي واكريمي رئيس “جمعية الإمام مالك للمدرسة العتيقة” بقرية “أوناين” بالمغرب  أنه “إلى جانب عامل البعد الذي يدفع الأب إلى الخوف على إرسال ابنته للتعليم، هناك أيضا العامل الاقتصادي المرتبط بضعف دخل الآباء. لذا يفضل الأب تغطية تكاليف الدراسة لفائدة الولد والتضحية بحق البنت في ذلك. فرسوم التسجيل، على سبيل المثال، في الإعدادية الوحيدة بالمنطقة التي تشتمل على نظام داخلي تبلغ 400 درهم (أي حوالي 55 دولارا)”.

ومازالت حرية المرأة في المنطقة العربية ومكانتها معرضتين لأكوام من الانتقادات. وتختلف نسب وأشكال عدم المساواة بين الجنسين من بلد إلى آخر حسب العادات الاجتماعية والثقافية وكذلك الأحكام القانونية.

علماء الاجتماع يرون أن الوصاية الصادرة عن الأب أو الأخ والتي تتغلغل في الأوساط الريفية تعيق الفتيات عن تحقيق طموحاتهن في الدراسة والنجاح والرقي
علماء الاجتماع يرون أن الوصاية الصادرة عن الأب أو الأخ والتي تتغلغل في الأوساط الريفية تعيق الفتيات عن تحقيق طموحاتهن في الدراسة والنجاح والرقي

وعلى الرغم من أن الكثير من المحللين والباحثين يفسرون الإسلام على أنه السبب الرئيسي وراء محدودية المرأة العربية أو حتى حرمانها من حقوق الإنسان الأساسية الخاصة بها مثل السفر أو العمل في الخارج أو التعليم، فإن الحقيقة تكمن في أن العادات والأعراف المجتمعية تلعب دورا قويا في الحد من حرية المرأة، وهذا ما نشهده في المجتمعات الريفية والمتحفظة خصوصا.

وترى د. إلهام الدوسري رئيسة وحدة الاعتماد الأكاديمي في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت أنه “على الرغم من أنه في بداية القرن الماضي دعت العديد من الحركات في جميع أنحاء المنطقة العربية إلى تحرير المرأة، مما خلق بعض الفرص للمساواة بين الجنسين، وكذلك المشاركة الاجتماعية والاقتصادية للمرأة، لكن لسوء الحظ، لم تتمكن هذه الحركات من تحقيق اختراق كلي ناجح ومازالت هناك مقاومة من الاتجاهات المحافظة والدينية”.

وأشار الصحبي بن منصور أستاذ الحضارة بجامعة الزيتونة إلى أن العلم كان قديما مرتبطا بالرحلة أي بملاقاة الأعلام والتأدب بهم والتعلم عنهم والتعارف بين أبناء ثقافات وأعراق وديانات مختلفة… ولا علم دون سفر، لكن كان هذا حكرا على الرجل، مؤكدا أن النظرة تغيرت اليوم وأصبحت المرأة أكثر تحررا.

وقال لـ”العرب” “في العصر الحديث وبعد التغيرات المجتمعية في العالمين العربي والإسلامي نالت المرأة حقوقها وزال مفهوم المحرم ولم يعد ينظر إلى الاختلاط بريبة، بل أصبحت الفتيات يقمن في المبيتات ويتنقلن من مدينة إلى أخرى للإقامة بمفردهن أو مع زميلاتهن من أجل إتمام دراستهن الجامعية”.

وأضاف أنه بشأن سفر الفتاة إلى الخارج من أجل مواصلة دراستها العليا، لاسيما أن قبولها في الجامعات الغربية هو نتيجة تفوقها الدراسي، يلاقي من بعض الأسر الرفض الشديد خوفا من فسادها عندما تكون بلا رقيب أسري.

الأعراف الاجتماعية المحافظة جدا تكبل الفتيات وتحاصرهن وتردعهن عن الوصول إلى أهدافهن وتحقيق ذواتهن

وتابع “لكن هذا الرفض انتهى تقريبا نتيجة ارتفاع المستوى الثقافي للأسر العربية والمسلمة، ونتيجة التعود على سفر الفتيات المتفوقات في العالم العربي والإسلامي إلى الخارج من أجل التخرج من أعرق الجامعات وأرقاها، والرجوع إلى أرض الوطن مرفوعات الرأس”.

وأكد أن الأعراف الجديدة في توسع على حساب الأعراف القديمة المحافظة جدا إلى درجة التزمت، مشيرا إلى أن  الوالدين يخافان على ابنتهما لكن غلبت الثقة فيها سوء الظن، ولم يعد ينظر إلى البنت على أنها ضعيفة أو فريسة للإغراء الجنسي، وإنما عوضت تلك النظرة الجاهلة نظرة المراهنة على ما يزرعه الوالدان فيها من قيم. ولا شك في أن أعراف الشك والوسوسة والنظر إلى المرأة على أنها عورة في زمن السفر عبر الفضاء الخارجي وفي زمن الإنترنت والذرة والاستنساخ  قد تلاشى مفعولها وذهب أدراج الرياح.

21