الأعراف والتقاليد تمنعان الفتيات في المغرب من استكمال دراستهن خارج مدنهن

آباء يقدمون الموافقة الكتابية تحت ضغط السلطة المحلية.
السبت 2021/07/31
تميز الفتاة المغربية في الدراسة لا يشفع لها بالتنقل من مدينة إلى أخرى

تحول الثقافة المحلية المحافظة في المغرب دون تمكين الفتيات من مواصلة دراستهن خارج قراهن ومدنهن، رغم أنهن من المتفوقات ويتمتعن بمستوى دراسي جيد ولهن الرغبة في استكمال الدراسة. وقد توصلت السلطة المحلية مؤخرا بأخبار تفيد بإقدام عدد من آباء البعض من التلميذات وأوليائهن على منع بناتهم من استكمال دراستهن بالسلك الثانوي التأهيلي فأجبرتهم على منح موافقة مبدئية مكتوبة على ذلك.

في سابقة هي الأولى بالمغرب تلقى 24 رب أسرة في المغرب مراسلات رسمية تطالبهم بالعدول عن قرار منع بناتهم من متابعة دراستهن بالمرحلة الثانوية، إذ أمهلت السلطة المحلية بإحدى القرى في نواحي تارودانت جنوب المملكة الآباء المعنيين 48 ساعة من أجل منح موافقة مبدئية مكتوبة توضع بشكل مباشر وبشكل شخصي أيضا لدى “مكتب القائد” وتمكّن التلميذة من استكمال دراستها.

وتفاعلت السلطة المحلية مع معلومات بَلَغتْها تفيد بإقدام عدد من آباء وأولياء التلميذات على منع بناتهم من استكمال دراستهن بالسلك الثانوي التأهيلي لأسباب ترى السلطة المحلية أنها “واهية وغير مقبولة”، حيث تتعلق أساسا بالرغبة في تزويجهن في سن مبكرة.

ولأن أغلب التلميذات قد تحصلن على نتائج ومعدلات جيدة في السلكين الابتدائي والإعدادي وبصمن على مسار دراسي متميز تدخلت السلطات المحلية في نواحي تارودانت وحذّرت آباء التلميذات، بالتنسيق مع النيابة العامة بناء على مقتضيات الفصل 20 من قانون المسطرة الجنائية (مجموعة من الإجراءات والقواعد التي تطبق منذ لحظة ارتكاب الجرم إلى حين تنفيذ العقوبة)، من اتخاذ الإجراءات القانونية في حقهم في حال عدم استجابتهم لفحوى المراسلات.

نسبة مهمة من عائلات قرى المغرب تحكمها عادات تراكمت عبر سنين طويلة أثرت بشكل سلبي على تمدرس الفتيات

وقال باحثون في العلوم الاجتماعية إن الثقافة المحلية المحافظة والأعراف هما سبب قرار منع عائلات الفتيات من إتمام دراستهن خارج المنطقة التي يقطنون فيها، رغم أن التلميذات الممنوعات من استكمال الدراسة من المتفوقات ويتمتعن بمستوى دراسي جيد ولهن رغبة في استكمال الدراسة.

وأضافوا أن نسبة مهمة من عائلات قرى المغرب تحكمها سلوكيات وعادات تراكمت عبر سنين طويلة يؤثر بعضها بشكل سلبي في النظرة إلى تمدرس الفتيات، وتجعل مستقبلهن الدراسي يتوقف عندما يرتقين إلى مستويات أعلى من السلك الابتدائي والإعدادي.

وفي هذا الصدد لفت محسن كناوي، معلم التعليم الابتدائي، لـ”العرب” إلى أن الأسر الفقيرة لا تستطيع تحمل تكاليف انتقال التلميذات من البادية إلى المدينة أو أقرب مركز قروي إضافة إلى النظرة المجتمعية للفتاة خصوصا من المجتمع القروي ذي البنية المحافظة الذي يرى أن انتقال الفتاة والبعد عن المنزل قصد الدراسة سيؤديان بالفتاة حتما إلى سلك دروب الرذيلة والارتماء في أحضان الدعارة.

وبعد تدخل السلطات المحلية من المنتظر أن تلتحق  التلميذات المعنيات بالثانوية التأهيلية “الأرك” بإغرم، في نفس الإقليم، بعد أن قام أولياء الأمور بإعطاء الموافقة الكتابية تحت ضغط السلطة المحلية.

وقد أعادت هذه الخطوة من طرف السلطات المحلية موضوع عدم إكمال الفتيات دراستهن في المجال القروي إلى الأذهان، حيث تتداخل عدة عوامل تحول دون مواصلة التلميذات تعليمهن؛ ونذكر بشكل خاص الفوارق المجالية بين المدن والقرى، إذ تعاني القرى بشكل كبير من بعد المدارس وصعوبة الوصول إليها خلال فصل الشتاء، إلى جانب ظاهرة امتهان الأطفال الأعمال الزراعية.

واعتبر كناوي أنه يوجد هدر مدرسي كبير بحكم مزاولته لمهنة التدريس. وقال “لاحظت مؤخرا تراجعا كبيرا وتدنيا ملحوظا لتمدرس الفتيات؛ ذلك أنه من أصل 40 تلميذا في فصل السنة الأولى من التعليم الابتدائي توجد ست فتيات إلى سبع، وسنة بعد أخرى يعرف هذا الرقم تراجعا مهولا”.

وأكد كناوي أنه ما إن تبلغ التلميذة السنة الثالثة من التعليم الابتدائي حتى يتقدم شخص لخطبتها وعندما يسأل عن أحوالها يقال إنها توجد على ذمة شخص عبر زواج عرفي ودون عقد، وأخريات ينتهي زواجهن في الخطبة فقط دون عقد قران. وبعد مبادرات في محاولة لإرجاعهن إلى مزاولة الدراسة لا يستطعن العودة لإحساسهن بشيء من المهانة والاحتقار.

وأكد حقوقيون أنه يجب على الجهات المعنية توفير منح دراسية لهؤلاء لكي يتابعن دراستهن لأن الجانب المادي هو الذي أجبر الآباء على إيقافهن عن مزاولة الدراسة، حيث يرى الأب أن مصدر رزقه هو تلك البنت، ثم يقوم بتزويجها لكي تساعده في معيشته، مضيفين أنه يجب أولا إيجاد حلول قد تساعد على منع الهدر المدرسي وليس إعطاء أجوبة دون أسئلة.

الثقافة المحلية المحافظة والأعراف تنمنع الفتيات من إتمام دراستهن
الثقافة المحلية المحافظة والأعراف تمنع الفتيات من إتمام دراستهن 

وقال مصدر من وزارة التربية الوطنية إن الجهات المعنية وفرت النقل المدرسي والمبيتات الداخلية ودور الطالبات، وذلك لدعم وتيسير عملية محاربة الهدر المدرسي، مضيفا أنه حتى لا نكون سلبيين هناك مجهودات كبيرة وتطور ملموس في الدعم الاجتماعي المقدم من طرف الوزارة.

وقامت الوزارة بمبادرة جيدة حين عملت على إنشاء مدارس جماعية تحوي إلى جانب الفصول الدراسية مبيتات داخلية تضم مطاعم ومراقد للتلاميذ، إلا أن هذه المبادرة لم تعمم بجميع الأقاليم رغم ما لها وما عليها، خصوصا من الجانب النفسي بالنسبة إلى التلاميذ الصغار وبُعدهم عن أهاليهم، ورغم وجود الجمعيات التي توفر حافلات نقل بالنسبة إلى المتمدرسين يبقى الثمن مرتفعا ويثقل كاهل الأسر المعدمة أصلا.

وكشفت أرقام رسمية صادرة عن وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، الناطق الرسمي باسم الحكومة، أن 304 آلاف و545 تلميذا كانوا ضحايا الهدر المدرسي السنة الماضية، دون معرفة دقيقة بأسباب المشكلة الحاصلة.

وقالت النقابة الوطنية للتعليم التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل إن العدد المصرح به هو أقل رقم تقديري، لكن الحقيقة تكشف أن العدد أكبر، مبررة موقفها بإحصائيات رسمية سنة 2009 تتحدث عن 400 ألف.

ولهذا شدد رجل التعليم كناوي على ضرورة وجود استراتيجية ممنهجة للدولة وحلول استباقية مستعجلة، وذلك بتضافر جميع الجهود وبمشاركة الجميع خصوصا من طرف المدرسين لأنهم أدرى بجميع المشاكل التي يعاني منها قطاع التعليم.

وخلص كناوي إلى أن العامل الاقتصادي يبقى هو المحدد والرقم الأصعب في هذه المعادلة، بمعنى ارتفاع تكاليف المناهج الدراسية وغلاء ثمن كراء المنازل التي تتسوغها التلميذات في غياب مبيتات داخلية تؤويهن.

21