الأعمال المشتركة مدخل السينما الجزائرية للانطلاق

السينما الجزائرية نجحت في تحقيق جماهيريتها في أوروبا وأميركا اللاتينية، لكنها أخفقت في محيط الوطن العربي.
السبت 2018/03/17
"أسوار القلاع السبعة".. جديد أحمد راشدي

أسوان (جنوب مصر)- يثبت المخرج الجزائري أحمد راشدي صاحب التجربة السينمائية التي تخطت الخمسين عاما، أن العطاء والوصول إلى الآخر لا تقف أمامهما عوائق اللغة، أو بالأحرى اللهجة، بعد تزايد الاتهامات الموجهة إلى السينما الجزائرية وصعوبة انطلاقها خارج الحدود، وكثيرا ما يحتفي صناع السينما بتجربة راشدي، لأنه لا يزال مصرّا على عبور الفن الجزائري إلى المشاهد العربي.

ومشاهد الاحتفاء بالمخرج المخضرم كانت واضحة أثناء حضوره في مهرجان أسوان الدولي لسينما المرأة المنتهية فعالياته أخيرا، والذي رأس فيه لجنة التحكيم الدولية لمسابقة الأفلام الروائية، والتقته “العرب” على هامش المهرجان، فأكّد أن السينما في بلاده نجحت في تحقيق جماهيرية لها في أوروبا وأميركا اللاتينية، لكنها أخفقت كثيرا في محيط الوطن العربي.

وقال إن هناك محاولات كثيرة من قبل صناع السينما لتجاوز حاجز اللهجة وتحدثوا عن إمكانية توصيل رسائل أفلامهم باللغة التي تريدها الدول الأخرى، لكنهم لم يتمكنوا من النجاح بشكل جيد، لافتا إلى أن الوصول إلى نتيجة في هذا الشأن، يأتي من رحم تقديم أعمال مشتركة بين الدول العربية، لأنه من الممكن توظيف فنانين وقضايا تهم المنطقة.

ورأى راشدي أن تجربته في فيلم “طاحونة السيد فابر” نموذجية، لأنه تجاوز فيها مشكلة اللهجة وقدّم خلالها فنانين، مثل المصري الراحل عبدالمنعم مدبولي والفنان عزت العلايلي، وهو ما يفتح سوقا كبيرا ومجالا للتعاون والاستفادة من الطاقات العربية الموجودة.

وأشار إلى عدم وجود ما يسمّى بمصطلح “السينما العربية” بحق، بل توجد فقط تصنيفات للأفلام بحسب دولها، مثل القول بفيلم عراقي وسوري ومصري، مرجعا أزمة السينما في الدول العربية إلى التمويل بشكل رئيسي.

 

رغم كثرة القضايا المعاصرة التي تناقشها السينما الجزائرية ومشاركتها في العديد من المهرجانات الدولية، إلاّ أنها لا تزال بعيدة عن المشهد السينمائي العربي، لأن إشكالية اللهجة تمثل عائقا أحبط محاولات وصولها إلى المشاهد العربي. لكن المخرج الجزائري أحمد راشدي نجح نسبيا في تجاوز هذه المسألة لامتلاكه وصفة مختلفة عن غيره من مخرجي بلده، ما جعله يحتفظ بمكانة خاصة في وجدان المواطن العربي الذي أقبل على أفلامه

وعن حال السينما الجزائرية، قال راشدي لـ”العرب” “تدعم الحكومة الجزائرية السينما وأفلامها بصورة مادية، لكن لا يزال الحضور محصورا في الداخل، ولا بد من وجود إرادة كبيرة كي نتخطى الأزمة”.

دعم حكومي للسينما

نوّه أحمد راشدي إلى أن أوروبا قامت بحل أزمة التوزيع وسط طغيان الفيلم الأميركي على المشهد، وأصدر الاتحاد الأوروبي ما يسمى بـ”الاستثناء الثقافي” الذي ألزم كل تلفزيونات أوروبا بتخصيص 40 بالمئة من عروضها لدعم السينما الأوروبية، وهو ما أدى إلى زيادة إنتاج السينما الفرنسية مثلا من 35 فيلما في العام إلى 200 فيلم، وأصبح السوق واسعا.

وأضاف “نحن لدينا كعرب ما يزيد عن ألف قناة، وطالبنا بأن يخصصوا 1 بالمئة منها للأفلام العربية، وهذا يكفي لازدهار السينما العربية بشكل عام، ويضاعف الإنتاج ليصل إلى 500 فيلم بدلا من 150 فقط الآن على مستوى الدول العربية، وهي طريقة تُثمر توفير فرص أعظم لتشغيل الإنتاج ولوازمه والفنانين، وبالفعل تمّت مخاطبة جامعة الدول العربية في هذا الشأن لإصدار قرار مشابه للقرار الأوروبي، لكن لم نتلق ردا عمليا”.

وساهم استقلال الجزائر في العام 1962 في نهضة كبيرة في صناعة السينما ونجحت الدولة في تأسيس عدد كبير من قاعات دور العرض السينمائي، وأسّست المركز الوطني للسينما والمعهد الوطني والسينماتيك “أرشيف يحتفظ بالأفلام” 1964، وتوالى بعد ذلك تأسيس الديوان الوطني للتجارة والتوزيع السينمائي، المسؤول عن استيراد وتوزيع الأفلام، لكن هذه النهضة تراجعت في السنوات الأخيرة.

وفسّر راشدي هذا التراجع بصعود التيار الإسلامي مطلع التسعينات من القرن الماضي الذي خرّب العديد من دور العرض السينمائي، ويصل الإجمالي الآن إلى نحو 60 قاعة فقط، وهو عدد ضئيل بالنسبة لسكان الجزائر، متمنيا العودة للتوسّع في إنشاء دور العرض وفتح المجال للقطاع الخاص للاستثمار في هذا السوق.

وأكد راشدي، الذي سبق له إنتاج الكثير من الأفلام، أن هناك ضعفا كبيرا في الإنتاج الجزائري الذي لا يتعدى 20 فيلما في العام، وهو رقم ضئيل مقارنة بعدد الأعمال التلفزيونية الضخمة التي أصبحت مسيطرة، وهي سمة أصبحت سائدة في الكثير من الدول العربية.

رحلة التأريخ

انشغل عدد كبير من المخرجين الجزائريين بالتأريخ لثورة بلدهم والنضال ضد الاستعمار الفرنسي، وكان أحمد راشدي واحدا من المهمومين بهذه القضية وحتى هذه اللحظة التي انتهى فيها من تصوير فيلمه الجديد “أسوار القلاع السبعة”، والذي يناقش فيه جانبا من القضايا الخاصة بالاستعمار.

وعلى مدار رحلة راشدي السينمائية قدّم عددا من الأفلام التي تؤرخ لهذا الحدث، مثل “مسيرة شعب”، “فجر المعذبون”، “تحيا الجزائر”، و”انتهت الحرب” و”كريم بلقاسمي”، وحول هذه القضية يقول “أنا مهتم بالذكرى”، وهكذا يفسر اهتمامه بالثورة في أعماله، مضيفا “هناك ما يقرب من خمسة أو ستة أجيال تمّ محوها من الذاكرة، وحاول الاستعمار الفرنسي مسح كل الجوانب التي تدل على هويتنا وثقافتنا العربية، كمنع اللغة حتى أصبحنا نتحدث الفرنسية”.

أحمد راشدي: هناك سينما مصرية وسورية وعراقية ولا توجد سينما عربية
أحمد راشدي: هناك سينما مصرية وسورية وعراقية ولا توجد سينما عربية

وأوضح “واجبي الربط بين الأجيال، خصوصا تلك التي حرّرت الجزائر، فلا بد أن يعرف الشباب معنى التضحية وليس معنى الاستقلال، ويكون لدينا حس مقاوم حتى نزيح كل محاولات مسح الهوية”.

وطالب راشدي بضرورة أن يكون الفنان حرا، لأن السينما عكس ما يقال ليست مهمتها كتابة التاريخ، بل هي تقليد الواقع، ولا بد أن يكون المجال مفتوحا للخروج بنوعيات مختلفة من الأفلام العاطفية والسياسية وغيرها، وهو ما يبني المجتمع ويجعله متناسقا، ومن واجبه العمل على الذاكرة حتى يعرف الشباب تاريخ بلدهم، وكيف تصدى الآباء والأجداد لرابع قوة عسكرية على مستوى العالم؟

وأثمرت الأعوام الأخيرة في السينما الجزائرية الكثير من التجارب النسائية الناجحة، ووصل بعضها إلى مرتبة متوازية مع مخرجين رجال، ووصف راشدي حركة المخرجات الجزائريات بأنها عملية جيدة، وتمنح فرصة أكبر للاهتمام بقضايا المرأة، وتعبّر عن نوايا حسنة قد تصعد بالمرأة إلى جميع جوانب العمل السينمائي، وتتصدّر المرأة المشهد أمام وخلف الكاميرا من خلال العمل كمديرة صوت وإنتاج وتصوير.

ولفت المخرج الجزائري إلى أن غالبية مديري الإنتاج في أوروبا حاليا من السيدات، بل إن مشاركة المخرجات هناك تصل إلى 35 بالمئة، وهو ما يبشر بالخير، وثمة فرصة أمام المرأة العربية لتشارك أيضا في كل مناحي الإنتاج، أمام ووراء الكاميرا، ما يعكس صورتها التي كانت تظهر عليها في الأفلام العربية وانتقصت منها واكتفت بحصرها في الظهور بالمنزل أو في رقصة أو أغنية ما.

وعندما سألت “العرب” المخرج أحمد راشدي عما تحتاجه صناعة الفيلم المرشح للأوسكار من مواصفات معينة، وهل يخطط صانعه لذلك خلال عمله عليه، بصفته منتج الفيلم العربي الوحيد الحاصل على جائزة أوسكار عن فيلم “زِد” عام 1969؟

وفي معرض رده قال “ليس بالضرورة أن يكون ذلك في خطة عمل المخرج، لكن لا بد أن تكون هناك أصالة في هوية العمل الذي يقدّمه، ويعبّر عن قضايا محلية وإنسانية بصيغة مقبولة وقابلة للمنافسة مع غيرها من الأفلام، وأحيانا يكون أوسكار الجمهور أكبر من معنى الجائزة ذاتها، وهو ما يهمني أنا كمخرج عربي وأشعر بالفخر حين يثني أي شخص على أعمالي”.

13