الأعمال الفنية ناقصة دائما لكي تحقق خلودها

الفن عالم تناسخي غير قابل للفناء والرغبة في الاسترسال ثاوية في عمقه.
الأربعاء 2019/05/08
الأعمال الفنية أشبه ما تكون بلوحة منبثقة من أثر قديم ذوى

في الفن التشكيلي كما في فنون أخرى مرئية، وفي الكتابة كما في إبداعات أخرى مسموعة، هناك رغبة دفينة في عمق كل مبدع، هي رغبة عدم الاكتمال، إنه ذاك النقصان المنشود، الذي يمنح العمل الإبداعي حياته التي تهزم الموت بما هو اكتمال وانتهاء التجربة، نقصان يعطي مجالات أخرى للعمل الفني للتأويل وإعادة التشكل والانبعاث من جديد، واستئناف دورة حياة أخرى.

حين انتهى النحات عاصم الباشا من عمله عن أبي العلاء في مشغله بغرناطة، كان مثلما ينقل تكوينا معدنيا صلبا لملامح تستعصي على الصلابة، لم يكن في انهمار الغضون والتجاويف والعنفوان المنطفئ شيء آخر إلا الشبيه المنصهر لوجه النحات، ما كان عاصم يفشي سرا، وإنما ينقل أثرا، وتشوفا لمطالعة مكابدة الفهم، والتعلق والعيش داخل تجاويف معدن بارد.

وفي لحظات انتقال التمثال من قوالبه إلى اليد إلى الحوامل المتعددة كانت ثمة دوما أسرار تفشى، وأخرى تدارى لحين، لحسن الحظ كانت الصور التي يطلعنا عاصم عليها، شيئا فشيئا، تعلمنا معنى تطلع الإبداع دوما إلى الاستئناف بعد استكانات مؤقتة.

نبذ الوصول

يد الفنان تتطلع دوما إلى تكرار التعرية (منحوتة أبوالعلاء المعري لعاصم الباشا)
يد الفنان تتطلع دوما إلى تكرار التعرية (منحوتة أبوالعلاء المعري لعاصم الباشا)

لجأ عدد كبير من الفنانين التشكيليين إلى تصوير تحولات أعمالهم، لحظات نهايات بدت في مراحل عابرة أنها نهائية، قبل أن تضحي مجرد محطة عبور؛ في النهاية يتجلى السند شبيها بأديم يتغير ظاهره بحسب الفصول.

هنا أستحضر حديث فواز طرابلسي عن لوحات مروان قصاب باشي حين وصفها بقوله “تكمن كل عبقرية التصوير عند مروان في تمييزه بين سطح اللوحة واللوحة. السطح هو القشرة سطح أرض منقوبة، كما يصفها، بقيت عليها آثار الكدح من تراب ورمل وجذور. والتشبيه قاصر دوما، كما لا يخفى. وعملية النقب والحفر تتكرر الآلاف من المرات وتنتج الآلاف من السطوح… ليست القشرة هي اللوحة. المخفي أعظم”. لذلك تتطلع يد الرسام والنحات دوما إلى تكرار التعرية لعل المحصول يكون أوفر والمعنى أخصب.

في القاعة 206 من الجناح السادس بمتحف الملكة صوفيا بمدريد، تقابل لوحة “لاغيرنيكا” مجموعة صور فوتوغرافية التقطت لتحولاتها في مرسم بيكاسو الباريسي، قبل أن تستقر في حالتها النهائية، حيث باتت الكتل أبعد ما تكون عن هيئاتها الطبيعية، طبعا في كل صورة كان ثمة وهم بالاكتمال المؤقت، قبل أن تثبت القشرة على وضع مستقر. وسيلجأ عدد كبير من الفنانين بعد ذلك إلى توثيق حال الاسترسال التوليدي ذاك عبر أفلام فيديو، بدلا من الصور الفوتوغرافية، أفلام صارت بذاتها أعمالا فنية، ترصد البذرة قبل أن تتحول إلى شجرة.

لكن يجب، في كثير من الأحيان، أن نميز بين جمالية النقصان، التي لا تعني نهاية العمل في وعي الرسام، وجمالية الأثر العابر، حين تتجلى اللوحة في لحظة ما بوصفها مولودا مكتملا، قبل أن يتفطن الرسام إلى أنه خديج ولد قبل أوانه، ومن ثم وجب وضعه في الرحم من جديد.

وفي تعبير شديد الدلالة للفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد تحدث عن الفن من حيث هو عالم تناسخي “غير قابل للفناء”، وأزليته تلك هي ما تجعل الرغبة في الاسترسال ثاوية في عمقه، ينهض ليمضي قبل التوقف النهائي، المرشح للترميم والصيانة، وإعادة تبيين الملامح كلما طالها الشحوب أو التآكل. هل يتعلق الأمر، إلى حد ما،  بأسرار متمنعة، أو بثمار عصية على النضج؟ أو برغبة في مقاومة السكينة ونبذ الوصول، قرين الموت؟ ربما كل تلك الأشياء مجتمعة، وفوقها الرغبة في تمثل العمل من حيث هو عمر داخل عمر، وجسد داخل جسد.

النظر في النهاية

رواية عن عوالم فنية ومشاغل ومعارض
رواية عن عوالم فنية ومشاغل ومعارض

في رواية “الزوجة المكسيكية” للكاتب المصري إيمان يحيى، نقف على عمل شبيه باسترسال الرسام في تقليب سطح القشرة، هي رواية عن عوالم فنية، ومشاغل ومعارض، وعائلة رسام، هو ديغو ريقيرا وابنته روث.

 تعيد الرواية تركيب رواية يوسف إدريس المعروفة “البيضاء”، وتمضي بها إلى آماد جديدة. يمكن وصفها بأنها “رواية عن رواية”، لكنها أيضا استئناف لها، واشتغال على ما انطلقت منه من سطح.

 كتبت رواية “الزوجة المكسيكية” بتقنية سردية طريفة وشديدة التركيز  في الآن ذاته، حيث نكتشف الأحداث والشخصيات عبر عمل نقدي تنجزه باحثة في الماجستير، عن رواية يوسف إدريس.

وسرعان ما تأخذنا الرواية في ما يشبه تحقيقا، لإعادة اكتشاف هوية بطلها يحيى، وبطلتها روث ريفيرا، وعبر تواتر الأحداث والتحقيقات، والأبحاث المنجزة من قبل الطالبة “سامنثا”، نعيد اكتشاف الحكاية التي جمعت البطلين من زاوية نظر جديدة، تفترض أن يحيى بطل “البيضاء” ليس شخصا آخر إلا يوسف إدريس نفسه، الذي جمعته علاقة حب وارتباط عابرة في خمسينات القرن الماضي بالفنانة والباحثة روث ابنة أشهر فناني الجداريات في أميركا اللاتينية، دييغو ريفييرا.

ومن خلال إعادة نسج تفاصيل الحكاية نتعرف على أحداث مفصلية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، من المؤتمر العالمي للسلام المنعقد في فيينا، الذي شاركت فيه روث ويحيى، إلى ثورة يوليو إلى تحولات المشهد الثقافي والفني في قاهرة النصف الثاني من القرن الماضي.

تقدم لنا الرواية الوثائقية عددا كبيرا من التفاصيل المدهشة عن وسط أدبي وفني ذكرت بعض شخصياته بأسمائها الحقيقية، لكنها تقدم أيضا محكية سائغة عن تحولات المجتمع والمدن والطبائع والقيم في مشرق عربي بات ماضيه أقرب ما يكون من مستقبل مفقود بعد تواتر الخيبات والانكسارات. لتمثل للنظر، في النهاية، أشبه ما تكون بلوحة منبثقة من أثر قديم ذوى، أو من لوحة غير مكتملة، منذورة للاستئناف.

16