الأعمال الكوميدية في مصر تفقد بوصلة الإضحاك لتعزز الابتذال

الاستعانة بالمشاهير ونجوم التواصل الاجتماعي لا يضمن النجاح، والكتابة الكوميدية تعاني من انعزالها عن السياق الاجتماعي والبعد عن قضايا الواقع.
الخميس 2020/01/09
"حشمت في البيت الأبيض" فكرة جيدة ضاعت في التفاصيل

تعاني الأعمال الكوميدية في المسلسلات من خلل واضح في مقومات صناعتها، خاصة كتّاب السيناريو الذين حوّلوها من قصة مسلية تعتمد على مفارقات المواقف المضحكة إلى “اسكتشات” مسرحية مليئة بالابتذال والسخرية من العيوب الجسدية، ولا تتضمن تطورا في الأحداث أو بناء الشخصيات.

يمثّل مسلسل “حشمت في البيت الأبيض” للفنان المصري بيومي فؤاد تجسيدا للأمراض المزمنة التي تمر بها الكوميديا المصرية، فرغم خصوبة الفكرة التي تدور عن وصول أول أميركي من أصل مصري إلى رئاسة الولايات المتحدة، إلاّ أنها ضاعت في خضم النكات السطحية والافتعال المبالغ فيه في أداء الشخصيات.

وكشف المسلسل الذي تعرضه منصة “واتش.إت” الرقمية حاليا، استمرار النظرة القاصرة للكوميديا وحصر هدفها الأساسي في اجترار الضحك، دون مراعاة طبيعتها كفن صعب يحتاج إلى جرّاح يراعي الشعرة الفاصلة بين الإضحاك والابتذال، فمن السهل إثارة عواطف الناس ودفعهم للبكاء، لكن يصعب رسم ابتسامة على وجوههم بمضمون خال من السخافة.

مأزق الكتابة

يدور العمل عن حشمت أبوبلابل (بيومي فؤاد) ابن نزلة السمان التابعة لمحافظة الجيزة القريبة من القاهرة، والذي رفض الاستمرار في إدارة مقهى والدته حدوتة (أنعام سالوسة)، وهاجر بحثا عن الفرص ليرشحه الديمقراطيون في انتخابات الرئاسة، ويفوز بها بعد مناظرة شديدة السذاجة مع نظيره الجمهوري، هدّده خلالها بتسريب مقاطع مصوّرة مع عشيقاته بينهنّ واحدة أنجب منها أبناء.

يحاول السيناريو انتزاع الضحكات بتصوير حشمت كشخصية خاوية لا يهمها سوى التحرّش بمساعدته الشقراء، ويعجز عن الوصول إلى حلول للمشكلات المتراكمة، فيستعين بوالدته التي تمتلك خبرة في إدارة شؤون المنزل والمقهى في أوقات المواسم كمباريات كأس العالم.

ويعتمد كتّاب السيناريو الأربعة، محمود حجاج وأيرين يوسف ونادر بكر ورامي علي، على تصوّر يجعل مصر أفضل من أميركا فيستغرقون في ترديد عبارات تظهر عظمة المواطنين بوصفهم الوحيدين الذين يتصوّرون “سيلفي” مع القنابل، ويعيدون ملء قدحهم بقيمة تعادل سعرها الحقيقي مراعاة للعشرة (بكسر العين).

موهبة الممثل غير كافية لنجاح العمل من دون وجود بناء يجعل الأحداث تتطور باستمرار، وتخلق حالة من الشغف والترقب للحلقات التالية

وتقول الناقدة الفنية ماجدة خيرالله، لـ”العرب”، إن مشكلة الكتابة الكوميدية في الاعتماد بشكل رئيسي على النكات اللفظية دون افتقار لحس الدعابة أو خلق مواقف تظهر قدرات تمثيلية أثناء تأديتها، فبعض الكتّاب يشترون النكات لتوظيفها في أعمالهم ووضعها على لسان ممثلين يمتلكون جماهيرية.

ولجأ “حشمت في البيت الأبيض” إلى النكتة بشكل أساسي، فجهود الرئيس الجديد لمحاربة العنصرية لا تتعدّى تغيير اسم محال “العبد” المتخصصة في الحلويات إلى “السيد العبد”، وإلغاء مسمى اللب الأبيض والأسود وبيعهما باسم واحد تحاشيا للتفرقة على أساس اللون، ورؤيته لتطوير البنية التحتية لا تخرج عن تجربته السابقة في النوم على الأرصفة.

أصبح كتاب الكوميديا أسرى لتجربة فرقة “مسرح مصر” التي أسّسها الفنان أشرف عبدالباقي القائمة على الارتجال، وإلقاء الممثلين الشباب مجموعة من النكات دون الالتزام بالنص الأصلي، وإعادة استنساخها في المسلسلات بنفس الأداء والطريقة، رغم الاختلاف الكبير في الشكل والمضمون بين المسرح والتلفزيون.

وتوضح خيرالله، لـ”العرب”، أن الكتابة الكوميدية في مأزق مع تزايد الاعتماد على الورش التي تتبنّى وصفات ثابتة لا تخرج عن السخرية من عيوب الآخرين والفهلوة في أداء الممثلين، عكس الطريقة القديمة المعتمدة على سيناريو محكم قادر على تحويل أي فنان إلى “كوميديان” مثل رشدي أباظة في فيلم “نص ساعة جواز” وشادية في فيلم “مراتي مدير عام”، وفاتن حمامة في فيلم “الأستاذة فاطمة”.

ويرتكز الإنتاج الجديد من المسلسلات الكوميدية على شعبية الممثلين ورصيدهم السابق لدى الجمهور، فالفنان بيومي فؤاد أصبح كالملح لا يخلو منه أي عمل، وتصل حجم مشاركاته في الموسم الواحد إلى ما يزيد على ستة أعمال، بجانب مشاركات مشابهة في السينما والمسرح.

حاول صناع المسلسل “حشمت في البيت الأبيض” استغلال مشاهير التواصل الاجتماعي في جذب الجمهور إليهم وتحقيق نسبة مشاهدات مرتفعة بتوظيف إعلامي مثل أحمد رأفت، الشهير بمذيع الشارع، والزجّ به لأداء دور الناطق الرسمي باسم الرئيس الأميركي ليكتفي في غالبية مشاهده كلها بالضحك دون المشاركة في الحوار.

وظف مسلسل “حشمت في البيت الأبيض” النكتة عبر بوابة التلميحات الجنسية ومحاولة الإضحاك بالتلاعب بالألفاظ الملتبسة التي تتضمن معنيين مختلفين، حتى في أسماء أبطاله فجاء مدير المراسم باسم “حانك لولو” ومدير الحرس الرئاسي “حانوتي”، ورئيس وفد الكونغرس الفنان سامي مغاوري، وظهر باسمه وشخصيته الحقيقية.

ويشير البعض من النقاد إلى أن موهبة الممثل غير كافية لنجاح العمل من دون وجود بناء يجعل الأحداث تتطور باستمرار، وتخلق حالة من الشغف والترقب للحلقات التالية، فالأساليب الجسدية والألفاظ الخارجة والحركات المبتذلة لن تضحك الجمهور سوى مرة واحدة.

كتاب الكوميديا باتوا أسرى لتجربة فرقة "مسرح مصر" التي أسّسها الفنان أشرف عبدالباقي القائمة على الارتجال فقط
كتاب الكوميديا باتوا أسرى لتجربة فرقة "مسرح مصر" التي أسّسها الفنان أشرف عبدالباقي وتستند إلى الارتجال فقط

ويدفع مخرجون حاليا بمجموعات ثابتة من الفنانين في غالبية الأعمال الكوميدية، فمع بيومي فؤاد تظهر تشكيلة شبه ثابتة تضم نماذج مثل، محمد ثروت ومحمد سلام، مع أن الواقع العملي يظهر أن خفة ظلهم ليست كفيلة بتحقيق النجاح. ففي مسلسل “خفة يد”، الذي تعيد بعض الفضائيات تقديمه يحكي عن ضابط يطارد مجموعة من النصابين لم يحقّق مشاهدات كبيرة.

شهد موسم الدراما الماضي سقوطا عنيفا لغالبية الأعمال الكوميدية التي بلغ عددها نحو 6 مسلسلات اعتمدت على الخلطة ذاتها، فجاءت أعمال “فكرة بمليون جنيه” للفنان علي ربيع، و”البرنسيسة بيسة” للفنانة مي عزالدين، و”سوبر ميرو” لإيمي سمير غانم، و”الواد سيد الشحات” لأحمد فهمي و”الزوجة 18” لحسن الرداد، ضمن أسوا الأعمال.

وأكد الناقد الفني أحمد عزيز، لـ”العرب”، أن “الكوميديان” كان فردا من المجتمع يحتك به ويناقش قضاياه، ويختلط مع الجمهور في المناطق الشعبية ويلتقط منهم سلوكا أو تعبيرات يوظفها في الأداء، أما حاليا عزل الفنان نفسه عن الاختلاط وتصوّر أنه “أيقونة متحركة” قادرة على الإضحاك عبر الخروج عن المألوف وإعادة تقديم ما يكتبه شباب “الكوميكس”.

انعزال اجتماعي

تعاني الكتابة الكوميدية من انعزالها عن السياق الاجتماعي والبعد عن قضايا الواقع، ربما لمحاذير سياسية أو تجاهل الكتّاب الكبار المعروفين بتحميل أعمالهم قدرات عالية من النقد، ما يجعلها شبيهة بوجبة سريعة لا تسد نهم الجمهور للضحك، وتفقد قدراتها على البقاء، وكانت تلك الإشكالية وراء اعتذار عديد من الممثلين عن أعمال كوميدية بحتة لعدم وجود القصة الجيدة المغرية للتجسيد.

وأضاف عزيز، لـ”العرب”، أن الآمال كانت معقودة على مجموعة من النجوم الشباب لإحداث تغيير في الكوميديا، لكنهم خسروا الرهان بعد تسرّعهم في اللهاث وراء البطولة والربح المالي، ووافق بعضهم على أعمال “ثقيلة الظل” لفظها الجمهور.

وتظهر المسلسلات الكوميدية قدرا كبيرا من الاستسهال يجعل الأفكار متشابهة، فمسلسل “حشمت في البيت الأبيض” اعتمد في معالجة أزمات أميركا المالية على جمع دولار من كل مواطن لسد عجز الموازنة ليشبه تماما مسلسل “فكرة بمليون جنيه” للفنان علي ربيع الذي فكّر في جمع جنيه من كل مصري لاستثمارها وتوزيع العائد على الجميع.

ويرى نقاد أن كتابة الكوميديا تحتاج إلى موهبة قادرة على توليد جمل حوارية ومواقف مؤثرة، والذين يملكونها لا يجدون الفرصة مع سطوة بطل العمل الذي يختار كاتبا خاصا يمنحه المساحات الأوسع من الحوار على حساب باقي الممثلين، ما يجعلها شبيها بالمونولوج الفردي.

ظلت الكوميديا وسيلة لمناقشة المشكلات الاجتماعية، فعبر بوابتها تمّت معالجة قضايا الفقر والبطالة والهجرة إلى الخارج والفساد، ليجد الجمهور نفسه في تنازع بين التضامن النفسي مع معاناة الأبطال والضحك على محاولاتهم المستمرة للمواجهة والخروج من دائرة الأزمات.

وتضمنت الكثير من الأعمال الكوميدية النكتة اللفظية السريعة كميراث ضارب بجذوره في التراث الشعبي والثقافي، لكن جرى توظيفها في إطار أكثر تعقيدا لتفجّر قضايا مرتبطة بسياق العمل ويدفع الجمهور للتفكير حول الجدليات الدينية والعادات المجتمعية.

16