الأعمال المنزلية توتر العلاقات بين الأمهات وبناتهن

اهتمام الفتيات بالتحصيل العلمي طغى على إتقانهن لمهارات العمل المنزلي.
الاثنين 2020/12/21
الأعمال المنزلية أصبحت عبئا يثقل كاهل الأمهات مع خروجهن إلى العمل

تتزايد شكوى الأمهات من عدم مساعدة بناتهن في أعمال المنزل التي تثقل كاهلهن، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتجاوزه إلى الاعتماد عليهن في تنظيم غرفهن وكل مستلزماتهن الخاصة، مما يثير غضب الأمهات ويدخلهن في صراع متواصل مع بناتهن.

أكدت الكثير من الأمهات اللاتي تربين على مساعدة أمهاتهن في جميع الأعمال المنزلية في الماضي، أن بناتهن لا يبدين اهتماما كبيرا بتنظيم المنزل وبالقيام بهذه الأعمال التي تجهد الأمهات العاملات خاصة، وأصبحن يفضلن قضاء أوقاتهن في الدراسة أو الجلوس يتصفحن شاشات هواتفهن الذكية أو يشاهدن التلفزيون.

وقالت عائشة بن محمود إن صراع الأمهات على المهام المنزلية قديم، مشيرة إلى أن أمها كانت ترغمها على القيام بجميع أعمال المنزل وكان هذا الأمر سببا في الخلافات بينها وبين أمها التي تتذمر دائما من قلة مساهمة بناتها في هذه الأعمال التي لا تنتهي.

وأفادت أنها كانت تتذمر كثيرا من سلوكيات أمها التي تتسم في أغلب الأحيان بالعنف اللفظي، متوعدة بأنها عندما تتزوج وتنجب لن تجبر ابنتها على القيام بالأعمال المنزلية التي ترى أنها كانت هاجس أمها الذي لا ينتهي والذي تسبب في برود العلاقة بينهما.

وأضافت عائشة أنها بعد سنوات من الزواج وبلوغ ابنتها الكبرى سن المراهقة، وجدت نفسها تطالبها بمساعدتها في أعمال المنزل التي تجهدها، وأدركت أن أمها كانت محقة في مطالبتها هي وشقيقاتها بالمساعدة في هذه الأعمال، وأن هذا حق من حقوقها معتبرة أن مساهمة كافة أفراد الأسرة في إنجاز المهام المنزلية تضفي التوافق والهدوء على حياتهم وتؤدي إلى علاقات أسرية لا يشوبها التوتر والمشاحنات.

وأشار خبراء العلاقات الأسرية إلى أن غالبية الفتيات أصبحن يتخذن موقفا سلبيا من المشاركة في أعمال المنزل، خاصة إذا تعلق الأمر بالأشقاء الذكور، لأنها من وجهة نظرهن تعتبر نوعا من أنواع الخضوع الذي لا يتقبلنه، وتخلق هذه السلبية أجواء يملؤها التوتر والشجار بين الأم وابنتها.

وأفادوا أن حاجة الأسر إلى تكاتف وتعاون أفرادها للقيام بأعمال المنزل التي لا تنتهي والتي تثقل غالبا كاهل الأمهات تزايدت مع خروج الأمهات إلى العمل، إلا أن أغلب الفتيات في عمر المراهقة يتجنبن القيام بهذه الأعمال، وفي كثير من الأحيان يقمن بها على مضض وتجنبا للصدام مع أمهاتهن.

غالبية الفتيات أصبحن يتخذن موقفا سلبيا من المشاركة في أعمال المنزل، لأنها من وجهة نظرهن تعتبر نوعا من أنواع الخضوع الذي لا يتقبلنه

وأكدت المختصة النفسية، نوارة السـيد، أن الأعمال المنزلية قد تحدث الكثير من الخلافات بين الأمهات وبناتهن خاصة، حيث تقوم بعض الأسر بإلقاء الأعباء المنزلية على الفتاة دون الولد مما يشعر الفتيات بالتفرقة والتمييز في المعاملة بينهن وبين الذكور.

وقالت السيد لـ”العرب”، إن مرور الفتيات بتغيرات هرمونية في سن المراهقة يجعلهن يرفضن القيام بالأعمال المنزلية مع العصبية الزائدة، فيقابل الأهل ذلك بأنه خروج عن طاعتهم مما يجعلهم يلجأون إلى الضرب والإهانة.

ونصحت المختصة المصرية الآباء بمحاولة مراعاة الظروف التي تمر بها بناتهم لأنهن ربما يكنّ متعبات أو لا يرغبن في القيام بتلك الأمور إما لانشغالهن بأمور أخرى أو شعورهن بعدم الرغبة في القيام بهذه الأعمال نظرا لما تسببه من إجهاد، مضيفة “أطلبوا منهن ذلك بصيغة الطلب وليس الأمر وقسموا المهام بالتساوي على كافة أفراد الأسرة دون تمييز”.

ونبه استشاريو العلاقات الأسرية إلى أن الاهتمام بالتحصيل العلمي للفتيات اليوم أصبح يطغى على تعلم أي حرفة أو مهارة إضافية كالخياطة أو الحرف اليدوية أو عزف الموسيقى أو حتى أبسط شؤون المنزل من تنظيف وطبخ وغيرها من أبجديات العمل المنزلي.

وأفادوا أن الكثير من الفتيات يجدن أن تعلم هذه المهارات أمر يدعو إلى الملل، متذرعات بضيق الوقت إلى جانب عدم اهتمام الأمهات بتدريب بناتهن على مهارات سيجدن أنفسهن بحاجة إليها عندما يكبرن ويتزوجن، على الرغم من الإجهاد الذي يعشنه بسبب هذه الأعمال وحاجتهن الملحة للمساعدة.

وقالت المدربة والمرشدة في العلاقات الأسرية فتيحة سـبط “تعتبر إدارة أعمال المنزل من المهام الشاقة التي تتكفل بها الأمهات في الأسرة عامة. ومن الطبيعي أن تستعين الأمهات ببناتهن وأبنائهن أحيانا لأداء هذا الدور. لكن للأسف في كثير من الأحوال يصعب على الأمهات إقناعهم بضرورة القيام بهذه المهمة إلا في حالات نادرة”.

وأضافت سبط موضحة لـ”العرب”، أنه من الطبيعي أن يكون رد فعل الفتاة تجاه هذه الأعمال الرفض في الكثير من الأحيان. إذا طلب منها أن تغادر غرفتها أو أنشطتها الخاصة التي اعتادت على مزاولتها لتقوم بعمل لا قيمة له بالنسبة إليها.

وبينت أن هذا الحاجز يترسخ في ذهن الفتاة من خلال الإعلام والتربية داخل المؤسسات التعليمية والمجتمع بصفة عامة، حيث ينظر إلى السيدة التي تقوم بالأعمال المنزلية على أنها مجرد خادمة بيوت. فتتكون صورة في ذهنها تصور لها ذلك الدور الذي تعيّر به في المدرسة من طرف زملائها الذكور كلما حاولت إثبات ذاتها. بحيث ينعتها الذكر أن مكانها الحقيقي هو المطبخ.

انطواء الفتاة في غرفتها يعد رفض للانصياع
انطواء الفتاة في غرفتها يعد رفض للانصياع

وأكدت أن “هذه المعتقدات رغم أننا لا نعيرها اهتماما، إلا أنها ترسخ في ذهن الأنثى أن أعمال المطبخ والمنزل كافة هي أعمال ناقصة، ومحاولة الأمهات تحميل بناتهن مسؤولية المساعدة في أعمال البيت توقظ لديهن هذا الشعور بالدونية دون أن تعلم لأن البرمجة التي تلقتها لم تكن برمجة داعمة”.

وأضافت “من جهة ثانية، يرتكز الأمر على أساليب التواصل بين الأمهات والبنات، فحين تكون العلاقة مبنية على الأوامر والنواهي والاستعلاء والزجر أو العكس على الدلال الزائد وتنفيذ الطلبات دون مقابل، في كلتا الحالتين ينشأ لدينا جيل ثائر من الفتيات والفتيان يكره تنفيذ الأوامر ويتربى على العصيان، أما حين تكون التربية مبنية على أساس الحوار والإقناع والإشراك في الآراء منذ سن الخامسة فإن الأبناء يتربون على أداء الواجبات واحترام الرأي والمساهمة بقدر الإمكان في تسيير شؤون البيت”.

وترى السبط أن أفضل طريقة لتفادي هذا التوتر هي الحوار والتبيين لكل فرد من الأسرة ما له وما عليه، وتقسيم الأدوار من كنس وطبخ وغسل للملابس والأواني، فليس هناك أحد داخل الأسرة إلا ومن واجبه أن يدلي برأيه ويساهم في خدمة البيت مادام يستفيد من خدمات الآخرين.

وقال المختصون إن المراهقات في العصر الحالي لسن قادرات على تعلم مهارات الحياة، ولم يعد في مقدورهن طهي الطعام، أو تنظيف المنزل وترتيبه في حال غياب الأم.

وأشاروا إلى أن الكثير من الأمهات لا يطالبن بناتهن بالمساهمة في الأعمال المنزلية حتى عمر المراهقة، لكن هذا الأمر يجعل المهمة أكثر صعوبة، وخلال هذه المرحلة العمرية ترفض الفتاة الخضوع لأي سلطة، وبالتالي ستتم مقاومة هذه الأوامر الجديدة، لذلك من الأفضل البدء مبكرا حتى تتمكن من السيطرة على الأمر، مبينين أنه من المفيد أن تعترف الأم والأسرة بمجهود الفتاة وتقدرها، وتشكرها من وقت إلى آخر على مساهمتها في الأعمال المنزلية، مما يعزز فكرة المسؤولية المتبادلة.

ولفت الخبراء إلى أن التشارك في القيام بالأعمال المنزلية يعود بالكثير من الفوائد الهامة ليس فقط على الأم بالتخلص من بعض الأعباء المنزلية، ولكن على الابنة أيضا حيث أن ذلك يساعدها على اكتساب بعض المهارات التي سوف تحتاج لها مستقبلا، مثل تنظيف المنزل وترتيبه وإعداد الطعام، وكذلك يمنحها مهارات اجتماعية مثل التواصل والتعاون والعمل كفريق واحد لإنجاز بعض الأمور.

21