الأعمى الرائي

السبت 2017/06/24

أحيانا تأتي بعض التيمات لتهيمن على المشهد الشعري العربي الحالي، فتجدها حاضرة بقوة في العديد من دواوين الشعراء. كل يتناولها طبعا من زاويته الخاصة، وإن كان هذا الأمر لا يمنع من تأثر اللاحق بالسابق منهم إذا افترضنا أن الشعراء العرب يقرأون لبعضهم البعض، ويعلنون عن ذلك. فعلى سبيل المثال استرعى انتباهي حديثهم المكثف عن تيمة ” العمى” وحضورها في دواوينهم بدءا من عناوينها نفسها وغوصا في متونها.

هكذا نجد أن أدونيس يعلن في كتابه الشهير “تنبأ أيها الأعمى” عن حضور هذه التيمة، كما نجد محمد بنطلحة يحتفي بها في عنوان ديوانه الجامع “ليتني أعمى”، وقل نفس الأمر عن سيف الرحبي في حواريته “نشيد الأعمى” ونبيل منصر في ديوانه “كتاب الأعمى”، ومحمد العناز في ديوانه “عين نحات أعمى”، ومحمد مقصدي في ديوانه “مرآة الأعمى” وغير هذه الدواوين.

إن حضور هذه التيمة في دواوين هؤلاء الشعراء وغيرهم، يمنح لها قوة تعبيرية عميقة ويجعلها محط التساؤل سواء الفكري منه أو الجمالي.

إن هذا الوقوف الشعري عند “العمى” واعتبار أن الشاعر لا يستطيع في العمق أن ينفلت من دائرته هو عمل مضاد لما كان يُظن ويُعتقد في السابق حيث كان الشاعر هو الرائي البعيد، الذي يتوقع حدوث ما لا يمكن لغيره أن يراه. إن “العمى” هنا يُشكل لحظة شعرية قوية تدفع بالذات الشاعرة إلى مساءلة ذاتها ونبذ مختلف قناعاتها الوهمية وإعادة تشكيل بنية تفكيرها من جديد.

وقد يكون الشاعر هنا حتى وهو مصاب بالعمى أو متمنيا أن يصاب به، يحمل صخرته على ظهره، كما هو سيزيف في الأساطير، منتظرا أن يكتب كتابه الخاص به، وأن ينحت صورته على شكل تمثال غير قابل للتكرار. وبما أن “العمى” قد يشكل مصيبة له، فإنما هو في وجه من وجوهه الأخرى، يدفع به إلى إعلان رأيه، والجهر به، وترك وصيته كي لا يمحوه النسيان.

إن تيمة “العمى” هنا هي تيمة رمزية. هي تيمة تدفع إلى التفكير في نظيرتها الأخرى “الرؤية”، كما تدفع إلى عملية تبئير للبصيرة، أو لنقل لتيمة “الرؤيا / الحلم” حيث تتضاعف، من جراء هذا “العمى” ذاته، وتصبح بديلا له في الحكم على الأشياء. وهو ما يجعل من حضور “المرآة”، كما هو الشأن في ديوان “مرآة الأعمى” لمحمد مقصدي في هذا الصدد، أمرا ضروريا. ذلك أن “المرآة” هنا، تمنح للرؤية الغائبة ظلالا وهمية، وتضاعف من متاهات الأحلام التي تُروى، وتجعلها قابلة للحكي وللتصديق معا. إن “المرآة” هنا هي رمز بورخيسي بامتياز لا سيما حين تقترن "بالعمى" فتصبح دالة عليه ومبرهنة على غيابه في ذات الآن .

إن الشاعر هنا يصبح “ربانا أعمى” بتعبير عبدالرحيم الخصار في قصيدته الحاملة لذات العنوان، “الربان الأعمى”، وهو يظل في إبحاره الدائم متشوقا للوصول إلى إيثاكاه الحقيقية أو المتوهمة على حد سواء. لكنه في إبحاره هذا يغرم في طريقه بالسيرينات، حوريات البحر الأسطوريات، اللواتي قد يحولنه إلى أعمى وأصم من فرط جمالهن الباهر وغنائهن البهي الذي لا يضاهى. وقد يحدث له ما حدث لبطل الأوديسا، ذلك البهي الذكي عوليس.

هكذا هو الشاعر، أعمى مبصر، أو أعمى يهدي المبصرين، كما هو حال بشار بن برد، ذلك الشاعر الموغل في الحداثة العابرة للزمن، كما هو أبوالعلاء المعري، الشاعر الرائي، وهو يكتب لزومياته التي لا تلزم أحدا بما ورد فيها سواه.

كاتب مغربي

15