"الأغباني".. تطريز دمشقي يزين الأجساد والبيوت

مطرزات الأغباني خرجت من دمشق إلى العالم بأيدي حرفييها السوريين ولم تزل دمشق تصدر منتجاتها إلى جميع أنحاء العالم.
السبت 2020/10/31
التكنولوجيا لا تلغي إبداع الأنامل

دمشق ـ الأغباني حرفة أبدعتها أنامل السوريين رجالا ونساء، حيث كانوا يطرّزون القماش بإحساسهم الفني المهني الذي أبدعوا من خلاله أجمل المطرّزات التي كانوا يزركشون بها العباءات الشرقية وأغطية الطاولات وستائر النوافذ إضافة إلى بعض المفروشات القديمة منذ أكثر من 500عام، ورغم قلة حرفيي الأغباني فإنهم ما زالوا يحافظون على طابعه الشرقي مع مواكبته للعصر.

قال محمود حوراني أحد حرفيي تطريز الأغباني، إن الدمشقيين القدامى كانوا يطرّزون المفارش والعمائم ولباس العريس ولفة المولود حديثا، إضافة إلى الستائر ومفارش الطاولات والأسرّة، والعباءات والعمائم، وغيرها من بقية مطرّزات الأغباني.

وكان الأغباني يُصنع قديما من الحرير الطبيعي الموجود بكثرة في سوريا، وفق زخرفات ورسوم مدهشة، ولكن مع الزمن أصبح الحرفيّ يستخدم القماش القطني السوري عالي الجودة والمطرّز بخيط من الحرير، وبعد حياكته يُطرّزه بخيوط ذهبية وفضية.

وكان الصنّاع الدمشقيون ينسجون القماش على الأنوال اليدوية على شكل أثواب يسمى الواحد منها “سلك أغباني”، وكانوا يجعلون فاصلا كل 150 سم وعرض هذا الفاصل 8 سم.

وعندما ينتهي الثوب يقصّون هذه القطع، وترسل القطعة إلى الرسم، وتتألف الرسوم من أشكال نباتية وزخارف عربية، وتكثر الورود والأزهار والأغصان حيث تكون هذه الرسوم محفورة على قطع خشبية يُدفع بها على القماش المراد شغله بالأغباني.

وبعدها يشدون القطعة على “طارة” خشبية دائرية، وهنا يبدأ التطريز، وتقوم به النسوة في بيوتهن حيث يعمدن إلى شغل الرسوم بخيطان حريرية وإبر خاصة يمررنها من وجه القماش إلى العكس، وتكون خيوط التطريز بألوان عديدة، منها الذهبي والأخضر والأزرق والبيج والعسلي.

بعض الحرفيين المهرة كانوا يقومون بالتطريز مباشرة دون وضع رسوم على القماش باستخدام القالب الخشبي الصغير

هشام النقطة شيخ كار (عميد) حرفة الأغباني وأحد القلائل الذين ما زالوا يملكون ورشة لتصنيعه وعرضه في محلات سوق مدحت باشا يقول، إن “الأغباني حرفة يدوية بالكامل تصنع من خيوط الحرير الطبيعي والذهب والقصب وتطرّز بالإبرة تطريزات نافرة عن القماش بخيوط مختلفة الألوان، وهذا ما يميز الأغباني عن الأقمشة الدمشقية الأخرى كالبروكار ومصنوعات الحرير بأنواعها”.

ويتميز الأغباني حسب النقطة بألوانه السبعة وأسماء رسوماته حيث لكل تطريزة أغباني اسم مثل “سقف القاعة” و”دقة الليرة” و”السلطان” و”الضامة” و”اللوزة” و”رسمة لام ألف” التي كانت تطرز على العمائم ليلبسها وجهاء دمشق والعلماء، لافتا إلى أن القطعة تحتاج نحو الشهر لإنجازها، لذلك كانت العائلات الدمشقية تحجز الجهاز لعروسها قبل فترة طويلة من موعد العرس حتى يكون الجهاز كاملا من الملابس ومجموعة الأسرة والمفارش وهي عادة دمشقية قديمة تعود إلى مئات السنين.

وتقول مدربة التطريز غادة جراد، “إن تلك الرسومات تطبع على القماش باستخدام قالب خشبي صغير يمرر على القماش عدة مرات إلا أن بعض الحرفيين المهرة كانوا يطرّزون مباشرة على القماش دون وضع رسوم”.

وبيّن شيخ الكار النقطة لوكالة الأنباء السورية، أنه ورث الحرفة عن أجداده حيث يقوم بتصميم الرسوم والنقوش على القماش الذي يكون إما من الحرير وإما من القطن ويتم تفصيله على نول عربي يدعى “روزا” ثم تحاك أطرافه، لتبدأ مرحلة طبع الرسم على قوالب من خشب، ويوضع الصمغ العربي مع النيلة على قوالب الخشب فيطبع على القماش، إثرها تبدأ مرحلة التطريز بخيوط الحرير والقصب التي تقوم بها عاملات مختصات، ثم تأتي مرحلة الغسيل والكيّ بآلة “المنغنا” اليدوية حتى تصبح القطعة جاهزة.

رغم أن حرفة الأغباني تطوّرت كثيرا في السنوات الأخيرة، فإن هذا التطور لم يستطع أن يلغي دَوْر اليد العاملة أو التطريز اليدوي

وواكب حرفيو الأغباني القلائل العصر حيث أدخلوا مطرّزات حرفتهم على الجلديات مثل الحقائب والأحذية والمعاطف الجلدية ما ساعد في المحافظة على المهنة، لتصبح اليوم قائمة الهدايا التي يحملها السوريون إلى أقربائهم في بلاد المهجر، الذين يحنون إلى دمشق ويتباهون بأي هدية تحمل البصمة السورية ويفضلونها على غيرها، لأنها تحمل عبق وأصالة دمشق.

قال محمود حوراني، أحد حرفيي تطريز الأغباني، “طوّر السوريون آلة تطريز الأغباني التي كانت في بداية الحرفة يدوية تعمل من خلال ذراع يدوية، ثم أضافوا إليها “السير”، ومحركا كهربائيا حتى أصبحت أخيرا آلة كهربائية”.

من المؤكد أن مطرزات الأغباني خرجت من دمشق إلى العالم بأيدي حرفييها السوريين ولم تزل دمشق تصدر منتجات الأغباني إلى جميع أنحاء العالم، ويشيد حوراني بدور المعارض التي تقام في الخارج والتي ساهمت في التعريف بهذه الحرفة الدمشقية بامتياز.

وأثنى وسيم دبانة أحد حرفيي الأغباني على دور الحرفيين من أبناء الكار الذين أضافوا مطرزاتهم الجميلة إلى حمالات الهواتف النقالة وهذه رسالة تدل على مواكبة هذه الحرفة للعصر.

ورغم أن حرفة الأغباني تطوّرت كثيرا في السنوات الأخيرة، وأصبحت تستخدم أجهزة الكمبيوتر، وتعتمد على الآلات الحديثة ومصنفات الصور الجديدة (الكاتالوغات)، فإن هذا التطور لم يستطع أن يلغي دَوْر اليد العاملة أو التطريز اليدوي.

17