الأغلبية الخائفة في العراق

الخميس 2015/06/04

فشل سياسيو الشيعة في إقامة دولة في العراق، دولة تكون بديلة لتلك التي حطمها الاحتلال الأميركي عام 2003. فهل منعهم أحد من القيام بذلك؟

لم يعترف أحد منهم بذلك الفشل، بل علقوا كل شيء على مشاجب الآخرين. ولكن هل كان في الإمكان أن تنهض دولة في ظل وباء الفساد الذي استفحل بعد أن نال رضا المرجعية الدينية التي تحكم الجزء الأعظم من المجتمع بوهم قوتها، وهو الوهم الذي صار يلوّح به أولئك السياسيون في كل مرة يشعرون بها بالحرج. وهو حرج غالبا ما يكون عابرا، لأن الأغلبية التي يمثلونها إنما تتألف من شرائح اجتماعية مخطوفة من قبل تلك المرجعية، بسبب انتشار الجهل والأمية والفقر والتعصب المذهبي وضعف الوعي الوطني بين صفوفها.

كانت مظلومية الشيعة هي الشعار الذي حرصت كل الأحزاب والجماعات الشيعية على أن ترفعه يوم كانت مستبعدة من السلطة، وهو شعار زائف لا يستقيم مع ما كان سائدا في العراق التاريخي منذ بدء تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي.

فلا في الحقبة الملكية، ولا في الحقبة الجمهورية، كان الشيعة قد تعرضوا للتمييز أو التهميش أو العزل أو الإقصاء. لم تكن هناك في العراق درجات في المواطنة، ولم تكن هناك طرق مسدودة أمام مواطن هي ذاتها مفتوحة أمام مواطن آخر.

صحيح أن نظام البعث كان قد أولى مسألة الولاء شيئا من اهتمامه، وهو ما تفعله كل الأنظمة العقائدية، غير أن ذلك السلوك لم يكن موجها ضد الشيعة وحدهم، بل شمل بسلبياته المجتمع العراقي كله.

الأهم من كل ذلك أن الشيعي في العراق لم يكن خائفا لأنه شيعي، فانتماؤه المذهبي لم يكن ليشكل تهمة. لم أسمع وأنا عشت جل سنوات حياتي في العراق أن أحدا قد طرد من جامعته أو فصل من وظيفته أو اقتيد إلى السجن أو حرم من حقوقه المدنية أو مُنع من ممارسة مهنته لأنه شيعي.

مظلومية الشيعة كانت كذبة تتداولها أوساط رجال الدين والأحزاب السرية التي كانت دائما مدعومة من إيران، الشاهنشاهية من قبل، وثم الخمينية في ما بعد.

الآن وبعد أن قررت سلطة الاحتلال الأميركي أن تعيد ترتيب البيت العراقي بما يحقق مشروعها في تمزيق العراق، صار الشيعة يحتكرون السلطة، بل قُدر للشيعة أن يكونوا رهائن لدى حزب الدعوة، وهو حزب طائفي استلهم في أدبياته فكر جماعة الإخوان المسلمين ليشيع الخوف في صفوف الشيعة من العدو السني.

لا يرى حزب الدعوة العالم إلا ملعبا يتقاسمه عدوّان: الشيعة والسنة.

من وجهة نظر حزب الدعوة، فإن إبادة السنة ستشكل بداية للطريق التي سيشعر فيها الشيعة بالطمأنينة والأمن. وما لم يتحقق ذلك الهدف فإن الطائفة الشيعية ستظل عاجزة عن التحرر من الخوف.

لقد عمل إعلام حزب الدعوة عبر التسع سنوات الماضية على خلق أغلبية خائفة، لم تكن تفكر في إقامة دولة بديلة عن تلك الدولة التي كانت تصون حقوقها في المواطنة. بل أن الماضي نفسه قد أعيد إنتاجه بما ينسجم مع ما يعيشه العراقيون اليوم من خوف من الآخر الذي صار عدوا.

لقد أنتجت المظلومية الشيعية، التي انتقلت بقوة الدعاية من إطارها الحزبي إلى إطار شعبي أكبر اتساعا، شعبا يائسا من نفسه، لا يفكر إلا بالاستعانة بإيران من أجل أن توفر له الحماية في مواجهة عدو وهمي.

إن فكرة الأغلبية الخائفة هي أسوأ فقرات المخطط الاستعماري التي تم تطبيقها في العراق بنجاح هائل. فمن خلالها يمكن أن يُرمى بالعراق في هاوية حرب أهلية لن تنتهي إلى يوم الدين.

كاتب عراقي

9