الأغنية العراقية من حزن الأسلاف إلى عنف الأحفاد

فن الغناء العراقي شهد مراحل متعددة من التطور عبر حقب تاريخية طويلة لكنه أخذ بالتراجع مع الأجيال الجديدة.
الخميس 2021/05/06
إلهام مدفعي مثال للموسيقي المجدد

عرف العراق على مر تاريخه حركات موسيقية رائدة ليس عربيا وحسب بل عالميا أيضا، فكان أرض الابتكار والخلق، ومنه سافرت أنماط من الموسيقى إلى الأندلس وأشعت على بقية الأقطار العربية، وفيه تطور الغناء والمقامات وعرفت الموسيقى مجدها. لكن كل ذلك مهدد اليوم بانتشار الأغاني المبتذلة وتراجع الموسيقى الأصيلة التي يعود تاريخها إلى العشرات من القرون.

عرف العراقيون الغناء والموسيقى منذ عصور تاريخية قديمة، ويؤكد المؤرخون أن الموسيقى في سومر هي أولى ركائز الموسيقى العالمية، وقد وُضعت أصولها في المعابد الدينية مرافقة للغناء والإنشاد والرقص، ثم صارت جزءا من طقوس الزراعة ودفن الموتى، والاحتفالات والأعياد، مثل عيد رأس السنة (أكيتو).

ومنذ الألف الثالث قبل الميلاد بدأت تنتشر الآلات الموسيقية من وترية ونفخ وإيقاع مثل القانون الأفقي والقانون العمودي والبزق والناي والأورغول المستقيم والمخروطي والطبل والأجراس. وعزفت المرأة على آلة الصنج وآلة “المسبع”، وهي صفارة مؤلفة من سبع قصبات مختلفة الأطوال.

تطور الموسيقى

 ازدهرت الموسيقى في بابل خلال عصر حمورابي وبلغت ذروة تطورها، واحتلت القيثارة الصدارة في ذلك العصر، تلتها الطبول بأنواعها، وكانت أطرافها ثبتت بمسامير مصنوعة من الذهب. وبرز العديد من الموسيقيين بمستوى مميز جدا، لا يقلون عن قيمة الأطباء والحرفيين والمفكرين والمشتغلين في مجالي الفلك والكيمياء.

وشهد فن الغناء العراقي مراحل متعددة من التطوّر عبر حقب تاريخية طويلة حتى تكاملت حلقاته، وأصبح يمثّل ظاهرة بارزة في العصر العباسي، الذي شهد الكثير من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكثرت فيه مجالس الأنس والطرب.

وبالرغم من تعرض العراق طوال تاريخه إلى غزوات وحروب، فإن الغناء لم يتراجع، بل بقي صوتا معبرا عن معاناة الناس وهمومهم وأشجانهم، ولهذا اتسمت الأغنية العراقية بالحزن العميق الذي أصبح سمة تميزه عن غناء البلدان العربية الأخرى، ويبدو أنه حزن ورثه العراقيون من أجدادهم السومريين، لاسيما سكان جنوبي العراق الذين تميزوا بالنواح والشجن، وكأن دماء أسلافهم القدامى ما تزال تجري في عروقهم إلى الآن.

أنواع الغناء

علي سرحان: جيل من المطربين الشباب أساؤوا إلى الأغنية العراقية بإسفاف

خضعت الأغنية العراقية لتقسيمات عديدة، تبعا لتعدد البيئات الجغرافية الحاضنة لها، تتمثل بالأغنية الريفية والأغنية الحضرية (أغنية المدينة) والأغنية البدوية. وسبق وأن عزا الناقد الموسيقي الراحل عادل الهاشمي القيمة الفنية للأغنية العراقية إلى كونها ذات لحن موسيقي متميز تتجلى فيه بوضوح الأوزان والإيقاعات المتبعة، إلى جانب الأغنية الشجية البسيطة ذات الطابع الفولكلوري التي ارتبطت بالأسماع عبر عقود طويلة من الزمن.

ويذهب المعنيون بالموسيقى إلى أنّ غناء المقامات العراقية من أبرز ضروب الغناء التراثي، وأوفرها تنوعا، ويعزون ذلك إلى خصائصه التي تجعله محط إعجاب الأوساط الشعبية كافة في الوقت الحاضر، كما كان في الماضي. ونظرا إلى صعوبة أدائه، فإن عددا قليلا من المغنين المعاصرين يجيده مثلما كان يجيده أساطينه رشيد القندرجي، محمد القبانجي، هاشم الرجب، ناظم الغزالي ويوسف عمر.

أما الأشكال الأخرى من الغناء التراثي والشعبي فقد أداها الكثيرون من المطربين العراقيين، وانفرد من بينهم إلهام المدفعي، بإحداث نقلة نوعية قبل نحو نصف قرن تمثلت بإدخال الآلات الغربية وطابع الفرح على الأغنيات التراثية، التي غالبا ما تطغى عليها مسحة الحزن، وأحيا أغنيات قديمة جميلة جدا لكنها غير معروفة، جاعلا الشباب يرقصون على أنغامها. كما نجح في إيصالها إلى بقاع مختلفة من العالم، فاشتهر بعض منها كثيرا مثل “جلجل عليّ الزمان”، و“مالي شغل بالسوق” و“فوق إلنا خل” و“زارع البزرنكوش” و“خطار”.

ويقول المدفعي إنه اختصر الأغنيات الطويلة، واختار الآلة التي ينبغي البدء بها، وبطريقة تساعد على بقاء الأغنية في آذان المستمعين بطريقة فيها فرح، وإن كل ما فعله هو تجديد الأغنية العراقية القديمة كي تبقى وتقاوم الزمن مثلما نرمم بناية قديمة لكي تبقى وتقاوم آثار الزمن، ما سبّب صدمة للمدافعين عن الموسيقى العربية الكلاسيكية الذين طالبوا بإيقافه عند حده.

انحدار مخيف

يلاحظ الكثيرون من نقاد االموسيقى والملحنين وجمهور غفير من محبي الغناء العراقي اليوم تراجعا وهبوطا في مستواه الفني الأدائي مقارنة بما كان عليه في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، إذ صار بعض المغنين يميلون إلى استخدام الكلمات البذيئة والمفردات الركيكة والألحان ذات الإيقاعات السريعة الراقصة، فضلا عن أسلوب الإثارة والإغراء الخادش للحياء.

كما اتسعت رقعة الأغاني التي تمجد أو تتغزل بالعنف، وكأنه صورة للجمال، في مزيج مخيف على المستويين العاطفي والمجتمعي، فصار الرصاص، حسبما يكتب أحد الكتّاب، رفيقا ملازما لمؤلفي الأغاني وملحنيها ومؤديها، وهرول أغلبهم إلى مفردات الموت والدم ليقطفوا منها ما يتخم أعمالهم بتمجيد القتال وأهله، فامتلأت خزانة الغناء العراقي الجديد بعبارات سوقية عنيفة، فمن يقول متباهيا “أول عيني متغمض.. تجيني بالحلم تركض.. أبوّس واحضن بكيفي.. أموتك غير إذا ترفض”، يقابله من يقول مفتخرا “ماخذ صورة أنا والموت”.

رقعة الأغاني التي تتغزل بالعنف اتسعت وكأنه صورة للجمال في مزيج مخيف على المستويين العاطفي والمجتمعي

ويُعزى هذا التراجع إلى شيوع الأمية الموسيقية، وغياب المسؤولية الفنية، وتقصير نقابة الفنانين، وقلة شعراء القصيدة المتميزين، إلى جانب عدم وجود لجان الاختبار لتقييم المطربين المتقدمين.

وحول ذلك يعلق الملحن العراقي علي سرحان بأن كثيرا من المطربين الشبّان اليوم أساؤوا للأغنية العراقية الأصيلة، وبعضهم غنوا بإسفاف، وهم معروفون، دون أن يمنع ذلك استمرارهم في الغناء. في حين يرى المطرب رضا الخياط أن الأغنية العراقية لم تنحدر، لكن يمكن القول إن الذائقة العامة تراجعت لدى المتلقي العراقي، بحيث صار لا ينفر من كم الإسفاف المطروح نصا ولحنا، ويعود السبب إلى غياب الرقابة، وكثرة الأستوديوهات الأهلية، وبرامج المسابقات الغنائية التلفزيونية، التي أخفقت في إبراز النجوم الذين لهم ثقلهم في الساحة الغنائية.

ولمواجهة هذا الانحدار يسعى بعض المطربين العراقيين اليوم، وخاصة الحريصين على مستقبل فن الغناء في بلدهم، إلى إعادة أغان من التراث، والحيلولة دون انحساره عربيا، بعد أن كان له حضور بارز في المشهد الغنائي العربي.

كما أخذت تنتشر في بغداد فرق موسيقية تعمل على إحياء التراث بصورة تحمل بين أنغامها صبغة العصر. لكن يبقى السؤال هل يستطيع هؤلاء المطربين وهذه الفرق إنقاذ الغناء العراقي من الابتذال والفجاجة اللذين يشكلان القاسم المشترك لما يُعرف بغناء الكباريهات القائم على إثارة الغرائز والصخب وهز الأجساد؟

15