الأفارقة يحلمون بالذهب من صحراء الجزائر القاحلة

الحلم بالثراء السريع يراود الأغنياء والفقراء على حد السواء، لذلك اتجه أفارقة إلى الصحراء الجزائرية المتاخمة لحدود النيجر، في حين غير أفارقة آخرون قدموا إلى الجزائر، حلمهم بأوروبا بآخر يتعلق بالمعدن النفيس في الجنوب القاحل، الجزائريون أيضا حزموا أمتعتهم وانطلقوا نحو الصحراء في مغامرات ينتهي أغلبها بالفشل أو بالنزر القليل من حلم الثروة الكبير.
الأربعاء 2016/12/07
رحلة الثروة محفوفة بالمخاطر

الجزائر - في منطقة جبلية نائية ومقفرة في أقاصي الجنوب الجزائري على الحدود مع النيجر، تقع منطقة “تيريرين”، التي لم تستطع إلا قلة من البشر الوصول إليها، لكنها منذ 2013 تحولت إلى قبلة للآلاف من الأفارقة المنقبين عن الذهب.

الباحثون عن بريق الذهب أغراهم هذا الأمر إلى درجة أنهم لم يأبهوا لا بطول المسافات، ولا بنشاط الجماعات الإرهابية وقطاع الطرق الذين يجوبون الصحراء الكبرى شرقا وغربا، ولا بلهيب الحر الذي قضى على بعضهم عطشا، ولا بقوات الجيش الجزائري المرابطة بكثافة على الحدود. ففي 2015، ألقت قوات الجيش الجزائري على 1977 منقّبا عن الذهب، منهم 1274 ينحدرون من جنسيات أفريقية، والباقون جزائريون، كما قامت بحجز 1722 جهاز كشف عن المعادن، وعدد كبير من المولّدات الكهربائية ومطارق الضغط، و171 سيارة رباعية الدفع، وخرائط سرية وأسلحة.

ويشار إلى أنّ مصالح الأمن الجزائري أوقفت لوحدها في سنة 2014، 220 أجنبيا من جنسيات مالية وتشادية ونيجيرية، ينشطون ضمن شبكات مسلّحة مختصة في نهب الثروات المنجمية والذهبية، في مناطق تيريرين، غرسو وايليني الجبلية بولاية تمنراست وتهريبها إلى الخارج.

وتظهر الأرقام التي قدمتها وزارة الدفاع الجزائرية، تزايدا مقلقا في أعداد المنقبين القادمين من عدة دول وعلى رأسها السودان وتشاد، والذين أضحوا يستخدمون تجهيزات متطورة للتنقيب عن المعدن الأصفر. وأوضح مصدر أمني أن “منقبي الذهب الأفارقة يدخلون من النيجر إلى الجزائر، نظرا إلى أن الجنوب (الشرقي) الجزائري امتداد لمناجم الذهب في شمال النيجر”.

ليس في أميركا بل في الصحراء الأفريقية

وينتشر عشرات الآلاف من المنقبين عن الذهب الأفارقة خاصة من تشاد والسودان والنيجر ومالي، في منطقة “دجادو” في شمال النيجر، التي لا تبعد عن الحدود الجزائرية سوى 200 كلم (قريبة بمعايير الصحراء).

وتستعمل هذه الشبكات في عمليات التنقيب عن الذهب والألماس والمعادن الثمينة السيارات رباعية الدفع، وخرائط سرية بعضها تستخرج من مواقع إلكترونية بإضافة إحداثيات المواقع، وتستخدم أجهزة كشف متطوّرة تمكنها من الوصول إلى الذهب على أعماق بعيدة في باطن الأرض.

وكشفت تحقيقات أمنية أن بعض تلك العصابات تكون مزودة بأسلحة نارية خاصة من نوع كلاشنيكوف، وتقوم باختراق الحدود الجزائرية على متن سيارات رباعية الدفع، باتجاه مواقع قريبة من منجم الذهب في أمسماسة بولاية تمنراست للبحث عن المعادن الثمينة.

ولا يقتصر الأمر على الأفارقة والمهاجرين القادمين من أفريقيا الذين حولوا حلمهم بأوروبا إلى الحلم بالذهب في الجنوب الجزائري، بل طال هذا الهوس والبحث عن الثراء بعض السكان المحليين الذين أغرتهم المغامرة، بعدما سمعوا روايات عن أشخاص اكتشفوا كميات ضخمة من المعدن الأصفر، رغم أن أغلب تلك الروايات زائفة.

وراجت إشاعة سنة 2014 في أوساط العامة بالمناطق الحدودية الجنوبية للجزائر، مفادها وجود الذهب بكميات كبيرة على الحدود الجزائرية مع النيجر.

ويؤكد لاجئ نيجيري في الجزائر العاصمة، أن الكثير من الأفارقة الذين قدموا أساسا للهجرة إلى أوروبا يستقرون الآن في تمنراست للبحث عن الذهب.

ويضيف أن “الكثير من الشبكات المنظمة تعتمد على السودانيين الذين يتمتعون بخبرة كبيرة في التنقيب، إضافة إلى التشاديين بحكم معرفتهم بطرق التنقيب والمسالك التي يمكن من خلالها الانتقال إلى الأماكن التي يفترض أنها تحتوي على كميات ضخمة من الذهب”.

ويؤكد عارفون بالمعطيات الجيولوجية في أقاصي جنوب الجزائر، أن توفر الذهب على سطح التربة الصحراوية بكميات كبيرة مستحيل.

الكثير من الشبكات المنظمة تعتمد على السودانيين الذين يتمتعون بخبرة كبيرة في التنقيب، إضافة إلى التشاديين بحكم معرفتهم بطرق التنقيب والمسالك الصحراوية

ويقول النيجيري، الذي رفض الكشف عن هويته لدواع أمنية، إنه “سمع بعض هذه الروايات التي تتحدث عن حصول أفراد على كميات كبيرة دفعة واحدة على شكل كتل كبيرة”.

وقال إن تلك الروايات وبحكم التجربة التي اكتسبها في التنقيب مبالغ فيها، إذ لم ير طيلة فترة اشتغاله بالبحث عن الذهب من حصل على كميات هامة تنسيه الفقر والمغامرة.

ويضيف المتحدث الذي كانت له تجربة في السابق مع نشاط التنقيب عن الذهب، أن تلك العصابات تستعين بأشخاص لديهم دراية بالدروب الوعرة في الصحراء أو من يسمون بمقتفيي الأثر مقابل حصة من الذهب.

ويقول أحد الباحثين الجزائريين عن الذهب، “إن الباحثين عن الذهب في أغلب الحالات لا يحصلون على أي شيء، إلا أنهم يجدون قطعا صغيرة من الذهب الخام”. مشيرا إلى أن العشرات من الباحثين عن الذهب يوجدون الآن في السجن بعد ضبطهم في الصحراء ومعهم آلات التنقيب عن المعادن المهربة.

خرائط مسروقة

تبدأ عملية التنقيب باختيار المكان المناسب بالاعتماد على تقنيات وخرائط يمكن الحصول عليها عبر طرق مختلفة، ويتحدث جزائريون في الجنوب عن خرائط سرية مسروقة من خزائن وزارة الطاقة وشركة سوناطراك، والتي تشير إلى المناطق التي يحتمل وجود الذهب فيها.

ويقول أحد المغامرين الجزائريين “توجد ثلاث خرائط تباع بأسعار خيالية؛ الأولى تشير إلى المواقع التي قررت وزارة الطاقة التنقيب فيها عن الذهب والألماس، لكن وجود الذهب فيها غير مؤكد، والخارطة الثانية تشير إلى المناطق التي قررت شركة ‘إينور’ العمومية استغلال الذهب بها، أما الخارطة الثالثة، فتخص المواقع التي يوجد بها الذهب بشكل مؤكد”.

الذهب الوفير؟

ويقول المهندس الجيولوجي عثماني عبدالإله، “في علم الجيولوجيا لا توجد خارطة دقيقة تشير إلى مكان وجود الذهب، والموقع الذي تؤكد الدراسات أنه منجم ذهب يوضع تحت المراقبة، أو تفرض عليه حراسة”، ويضيف أن “الكثير من الناس هنا وقعوا ضحايا لمحتالين أذكياء”.

وينطلق المغامرون الراغبون في الغنى والثروة السريعة إلى جبال “تاسيلي أزجر” وإلى قارة الجنون بولاية إليزي ومناطق غرسو وايليني الجبلية بولاية تمنراست، والمواقع القريبة من منجم الذهب في أمسماسة للبحث عن الذهب.

وتبدأ أعمال التنقيب في غالب الأحيان ليلا أو قبل طلوع الفجر، حيث يبدأ المنقبون بتشغيل أجهزة كشف المعادن وسماع أجراس التنبيه المنبعثة منها.

وبعدها يتدخل آخرون ويشرعون في الحفر بوسائل تقليدية لبعض سنتيمترات تحت الأرض، ويستخرجون طبقات التراب من الأرض وبعدها يوضع جهاز التنقيب مجددا في مكان الحفر.

وإذا صدر عنه صوت مرة أخرى يكون ذلك إشارة إلى وجود الذهب، وتتواصل عملية حفر طبقات الأرض بحثا عن المعدن الثمين يدويا إذا كان الأمر ممكنا أو باستعمال المطارق الكهربائية.

وتتكون المجموعة من ثلاثة أو أربعة أشخاص وفي أحيان أخرى قد يصل العدد إلى 10 أو أكثر، وذلك بحسب المنطقة والتضاريس والمناخ والوضع الأمني.

وسمحت سلطات النيجر للمنقبين (هواة) بالبحث عن الذهب في صحرائها، مقابل أن يدفع لها كل شخص بضعة دولارات يوميا؛ سواء وجد الذهب أو لم يجده، على أن يأخذ بعدها كل الذهب الذي يجده دون أن يدفع رسوما إضافية.

ونظرا لأن الجنوب الجزائري (خاصة منطقة جبال “الهقار”، بولايتي تمنراست وإيليزي) يحتوي على مناجم ذهب وألماس ومعادن نفيسة إضافة إلى اليورانيوم، فإن هذه المنطقة أصبحت محل أطماع المنقبين عن الذهب الأفارقة.

الطريق إلى الثروة!

الأغنياء والثروة السهلة

أعلنت مصادر إعلامية جزائرية أن التحقيقات الأمنية تفيد بأن المتورطين في البحث عن الذهب ليسوا من الشباب الفقراء الذين يبحثون عن الثروة، بل هناك رجال مال وأعمال متورطون في نقل رعايا أفارقة إلى الصحراء الجزائرية المتاخمة للنيجر بطريقة غير شرعية، من أجل استغلالهم في عملية التنقيب عن الذهب في تلك المناطق.

واعتقلت مصالح الأمن الجزائري في تمنراست، في الأيام الأخيرة، 14 تشاديا، وصادرت 4 مركبات رباعية الدفع، كانت محمّلة بآلات التنقيب عن مادة الذهب وبراميل ماء صالحة للشرب وثلاثة مخططات لمواقع التنقيب بصحراء الجزائر الكبرى المتاخمة لدولتي مالي والنيجر، على غرار مناطق سيلت، توين، تين زاوتيـن وضواحي عين أمقل.

وأثناء التحقيقات، كشف الموقوفون أنه تمّ تكليفهم من طرف سبعة رجال مال وأعمال جزائريين موجودين في حالة فرار بدول غانا والطوغو والغابون، بتهمة التهرّب الضريبي.

وجرى الحديث عن مسؤول سابق في وزارة الطاقة يقوم بالبحث عن الذهب، مستغلا بياناتها وشركة مقاولات وهمية أقامها للتغطية على نشاطه الحقيقي. وتتواجد مناجم الذهب في الجنوب الشرقي، كما تم اكتشاف مناجم أخرى للذهب في منطقة تيندوف بالجنوب الغربي.

وأعلنت المديرية العامة للمناجم في ولاية تيندوف الجزائرية في نوفمبر الماضي، أن عدة شركات دولية مختصة في البحث عن الذهب خاصة من جنوب أفريقيا والبرازيل وكوريا الجنوبية، تبدي رغبة في استغلال هذه المناجم.

وبلغ احتياطي الجزائر من الذهب حسب المجلس العالمي للذهب 173 طنا، وتحتل المرتبة الثالثة عربيا بعد السعودية ولبنان، والمرتبة 24 عالميا.

أما الاحتياطي الخام فقدره وزير الطاقة والمناجم الجزائري السابق يوسف يوسفي، في سنة 2014، بأنه 100 مليون طن، قابلة للزيادة في حال تعزيز جهود عمليات التنقيب عن الذهب.

20