الأفراد هم من يحدث التغيير وليس انتخاب سياسيين جدد

الجمعة 2017/05/26

ثمة تكريس لعدم اليقين واللااستقرار أصبح ملموسا ومشهودا في عالم القرن الحادي والعشرين الشديد التعقيد، لكن تبدو الحكومات في الكثير من دول العالم، عاجزة عن التكيف مع ما يماثل هذه الأزمات التي يواجهها العالم، أو محاولة إدارة توجهاتها بطريقة ناجعة، خاصة باعتمادها النمط السياسي القديم. فالتظاهر بأن السلطات الحكومية قادرة على فهم ما يحدث في العالم والاضطلاع بدور مسؤول في التعامل مع قضاياه الشديدة التعقيد، عدا أحداث أخرى يتعذر التنبؤ بموعدها، لم يعد سوى ادعاء.

كما تبدو الحكومات في دول العالم غير قادرة على تطبيق قواسم مشتركة للحد مما يهدد العالم سواء تعلق الأمر بالتغيير المناخي أو تفشي ظاهرة الإرهاب أو توالد الحروب المتواصلة أو الهشاشة الاقتصادية، على الرغم من حصول مفاوضات واستعدادات واجتماعات بشأنها استمرت سنوات طويلة.

في النداء الذي وجهته عشية الانتخابات الرئاسية الفرنسية مجموعة من المفكرين والباحثين الفرنسيين ومن ضمنهم عالم الاجتماع ادغار موران، إلى أيمانويل ماكرون، للمطالبة بتقديم ضمانات لتحقيق ما وصفوه “انبعاث سياسي” كانت ثمة دعوة انطوى عليها ذلك النداء، متمثلة في ما أسموه “سياسات عمومية قادرة على التغيير”.

تقوم هذه السياسات على تطوير مبادرات متعددة تعتمد على “مشاركة أكبر للمواطنين في وضع التشريعات” و”التعاون بين منظمات المجتمع المدني والمنتخبين” وتقاسم المسؤولية السياسية عبر العمل الممكن مع مبادرات المواطنين وتطوير المشاركة الفعالة معهم من طرف السياسيين، لغرض التصدي للتحديات التي يواجهها الجميع.

إنها ذات الرؤية التي ينادي بها العديد من المفكرين ومنظمات دولية غير حكومية ونشطاء المجتمع المدني في الكثير من دول العالم. العودة إلى مبادئ الديمقراطية الحقة وذلك بافتراض معايير تستوعب جميع أفراد المجتمع والسماح بمشاركتهم في صناعة قرارات تتعلق بشؤونهم، وجعل هذه الرؤية تدبيرا عمليا في الفعل السياسي.

الأشخاص والأفراد، هم قوى محركة للتغيير وأصحاب التأثير الأكثر في أحداثه، وليس السياسيون والعاملون في المؤسسات، وحدهم، المؤهلين لتغيير الواقع وأوضاعه وخلق آثار إيجابية عنه. فالأصوات الجديدة الآن لا تطالب بسياسيين جدد، ربما يكونون غير موثوق بهم، أو إصدار قوانين جديدة، وإنما السعي إلى المطالبة بالمشاركة والتعاون في صناعة القرار السياسي واعتماد تغييرات كثيرة لاجتراح عالم أفضل.

وبات البحث عن صيغة جديدة للتعايش ما بين السياسي والمجتمعي والاقتصادي ضرورة عالمية ومطلبا ملحا وعبر صناعة قرارات تعتمد على النقاش المشترك بين الحكومات والأفراد ووفق أفكار قابلة أن تتجسد من خلال الممارسة العملية. والتعاطي مع الآخرين بوصفهم هم أداة التغيير الذي يرجونه. فالفعل الذي يتشارك فيه الجميع هو ما يحدث الفرق وليس الاكتفاء بوعود سياسيين اعتادوا أن يطلقوا الكثير منها، ولكنهم هم أنفسهم لا يصدقونها.

في كتابه “الثورة بلا قيادات”، يفترض المؤلف كارن روس، الدبلوماسي البريطاني السابق أسبابا للدعوة ولمشاركة القاعدة في صناعة مواقف تتخذ في قمة الهرم السياسي. يجملها الكاتب في أربع أفكار، هي بمثابة مقترحات حول التحرك والفعل كي تشكل مجتمعة مقاربة مختلفة لإدارة الشأن العام.

تتمثل الفكرة الأولى في أنه في القرن الواحد والعشرين، باستطاعة فرد أو جماعة صغيرة أن تؤثر في مجمل النظام السياسي وبسرعة فائقة، والقدرة على تحرك سلمي من قبل مجموعة صغيرة قابلة أن تؤدي إلى حركة تغيرية شاملة. وفي عالم أثيري وافتراضي ومترابط يمكن خلق إمكانية للتفاعل والتواصل بين أفراد يعدون بمئات الألوف. ويمكن تحقيق استجابة حيوية من قبل هؤلاء الأفراد والمجموعات، والتي لا بد من أن تخلق إماكانيات تفاعل يمكن أن تحدث تحولا سياسيا واجتماعيا؛ ضمن فكرة تتجاوز أسطورة الفرد العاجز عن إحداث التغيير.

ويؤكد كارن في فكرته المفتاحية الثانية أن الأفعال هي المقنعة. أفعال الأفراد هي الأقوى من خطط حكومات وحتى رأي الخبراء. إن ممارسة فعل معين، قائم على روح المبادرة بدافعية التجديد والنمو، يتم تنظيمه وفق خدمة هدف محدد، لابد أن تؤدي إلى استيعاب المشكلة وحلها. إن المبدأ هنا يتخطى سياسة التجهيل التي تنتهجها السلطات بادعاء أن الناس الاعتياديين عاجزون عن اتخاذ قرارات ناجحة بشأن مشاكلهم. وهو ما يكرس طريقة مختلفة للقيام بالأشياء وفق خيارات حرة.

وتعزز الفكرة الثالثة أهمية الحوار والنقاش لصنع قرارات بين أناس هم الأكثر تأثرا من قوانين يعدونها سياسيون منتخبون من قبلهم. فباستطاعة حشد من الناس أن يتخذوا صيغا وإجراءات تبعث على نتائج مختلفة لافتة، وعبر سياسة تأخذ جميع المصالح بالحسبان. حيث يصبح القرار أكثر شفافية وأقل عرضة للفساد. ويحمل فعل كهذا الجميع المسؤولية الفعلية لصناعة القرار، ما يدعو إلى استخدام للسلطة قائم على الحكمة والهدوء.

وتدعو الفكرة الرابعة إلى استعادة الكفالة والوكالة اللتين تم فقدانهما في الديمقراطيات التمثيلية بجعل سياسيين منتخبين يتولون التفاوض وعقد مساومات ضرورية لتحقيق الإجماع. وهو الأمر الذي يتحقق بطرح مبادرات وخيارات حرة قائمة على قناعة تتمثل بكون الآخرين هم مبدأ التغيير الذي يرجونه لأنفسهم.

تؤكد أفكار كهذه أن التحول الأساسي والعميق ممكن. وهي دعوة لا تدعي تحديد هدف معين بل نظام يوازي منهجا وتشكيل أفق أرحب لإمكانات مجتمعية قائمة على التضامن ووحدة الهدف وقبول الاختلاف.

كاتب عراقي

6