الأفران الطينية تعود بديلا للبوتاغاز في بيوت بسطاء مصر

نساء يعملن خبيرات في الطهي التقليدي الذي يظل الفرن البلدي أحد أبرز تجليات ملامحه، والريفيات من الأجيال الشابة يتعلمن تحضير الخبز على الحطب.
السبت 2019/02/09
تحضير الخبز مهمة جماعية

غلاء الأسعار في مصر لا يزعج الأغنياء بقدر ما يزعج الفقراء المطالبين دائما بإيجاد حلول لتوفير متطلبات عيش أسرهم، وأمام غلاء الوقود والغاز أصبحت الأسر البسيطة عاجزة عن شراء البوتاغاز، فتخلصت ربات العائلات من الأفران الحديثة واتجهن إلى الأفران الطينية التي شهدت ازدهارا بعد أن شارفت على الاندثار.

البحيرة (مصر) - اضطرت صابرين عيد، وهي أم مصرية لخمسة أبناء يقيمون في محافظة البحيرة، شمال القاهرة، إلى العودة مرة أخرى لما يعرف بـ”الفرن البلدي”، المصنوع من طوب اللبن، لاستخدامه في طهي الطعام وإعداد الخبز، كحل مثالي لمواجهة الارتفاع الجنوني لأسعار الوقود.

كانت عيد، قد استغنت عن هذا الفرن لسنوات، واتجهت للاعتماد على أسطوانات الغاز الطبيعي، مثل الكثير من ربات الأسر اللاتي لجأن إلى محاكاة التمدن واستخدام أفران حديثة تمتاز بالراحة والنظافة والسرعة في الإنجاز.

وأمام تراجع الظروف المعيشية للأسرة، واقتصار الإنفاق على السلع الضرورية لمواجهة الغلاء، قررت وجيرانها العودة إلى التراث الريفي القديم، الذي يظل الفرن البلدي أحد أبرز تجليات ملامحه وطقوسه.

تقول صابرين لـ”العرب”، وهي تستجمع قواها لتقطيع الأشجار الجافة إلى قطع صغيرة قبل إيقاد النار فيها تمهيدا لتسوية الخبز، “الموضوع بسيط للمرأة التي تربت داخل أسرة ريفية وكانت تستيقظ فجر كل يوم لإيقاد الفرن وإعداد الحطب والمكوث لساعات طويلة أمام النار للانتهاء من الخبز أو طهي الطعام، لكن الأمر صعب على الزوجة الحضرية، أو بمعنى أصح، فتيات هذا الجيل”.

ويسود اعتقاد راسخ عند الكثير من الفتيات اللاتي يعشن في قرى ريفية مصرية، بأن العائلة التي أصبحت تلجأ إلى الأفران الطينية مصابة بالرجعية وتعادي التمدن والتحضر، وبعضهن يرفضن استخدامها في بادئ الأمر، للحفاظ على الوجاهة الاجتماعية.

يتكلف بناء الفرن الطيني قرابة 300 جنيه (حوالي 15 دولارا)، وتكمن الأزمة في تمرد بعض الفتيات من أبناء الجيل المعاصر على استخدامه، ومع الوقت يصبحن مضطرات للقبول، حفاظا على استقرار علاقاتهن بأزواجهن.

صحيح أنهن يتزودن بأدوات طهي حديثة، لكن تصبح بلا قيمة داخل المنزل، إذا وصلت الظروف المادية لمرحلة الخطر، لأن البديل يكون باعتماد الحطب.

وتنظر الكثير من العائلات إلى استغناء الزوجة عن أفران الوقود، كدليل على أصالتها وحسن تربيتها، من خلال مشاركة زوجها في تحمل المسؤولية، والقبول بعادات وتقاليد وموروثات تجاوزها الزمن، بل إنها تقوم بمهمة صعبة، لا يتحملها السواد الأعظم من الرجال.

يتطلب تحضير الخبز مهارة وسرعة وقوة تحمل، وأي تقصير يتسبب في فشل المهمة برمتها

وتعيش المرأة أصعب لحظات أمام الفرن الطيني، عندما تقوم بإشعال الحطب تمهيدا للطهي، إذ تنبعث الأدخنة لتغطي المكان، وهناك خطورة على المصابات بأمراض الالتهاب الرئوي وضيق التنفس، حيث إنهن لا يحتملن الجلوس بضع دقائق في هذه الأجواء الصعبة.

التجول لساعات في محيط قرى مصرية، يكفي لاكتشاف حقيقة عودة أكثر الأسر إلى الماضي، وإحياء أحد معالم التراث القديم، ولم تعد المنازل الريفية تخلو من أفران الطوب اللبن، فهي لا تحتمل دفع فاتورة شهرية تقدر بنحو 500 جنيه (حوالي 25 دولارا) لشراء أسطوانات البوتاغاز.

صابرين وغيرها من السيدات، مرت عليهن سنوات لم يقمن فيها بإشعال الحطب أو يجلسن أمام فرن طيني، لكن الضرورة اقتضت استدعاء المهارة التي كان يتميز بها الأجداد، حيث يصعب على أيّ امرأة دون خبرة، التعامل مع الفرن القديم، فمثلا، تسوية الخبز تتطلب مهارة وحساسية وسرعة وصبرا وقوة تحمل، وأي تقصير في خطوة بعينها، أو تراخي في مرحلة ما، قد يتسبب ذلك في فشل المهمة برمتها.

تتطلب عودة الأسر الريفية إلى استخدام هذه النوعية من الأفران، أن يكون ضمن العائلة سيدة من الزمن القديم عايشت هذا التراث، لديها خبرة لقيادة فريق نسائي أمام الفرن، وتقوم بتعليم الفتيات طريقة الطهي وإعداد وتجهيز الخبز بالأساليب القديمة.

في بعض المناطق الريفية، يرفض الآباء عمل فتياتهن وأزواجهن بالحقول أو امتهان الحرف. ومنذ أن انتشرت ثقافة العودة إلى الأفران القديمة أصبحت النسوة الريفيات يقبلن بأن يشتغلن محترفات خبز عند جيرانهم من الأسر التي لا تجيد ذلك، بأجر رمزي يصل لعشرة جنيهات في الساعة الواحدة. وهو مبلغ لا يُقارن بشراء أسطوانة بوتاغاز.

ويستغرق بناء الفرن الطيني، يوما كاملا، وتكمن الصعوبة في أن عملية الإنشاء تكون على هيئة قبة دائرية، وهذه المهمة تحتاج إلى خبرة. ويتكون الفرن من فتحتين، إحداهما في الأسفل لوضع الحطب والأخشاب الجافة وقش الأرز بداخلها، والأخرى سطحية، عبارة عن فتحة واسعة تثبت بداخلها قطعة حديدية بشكل مربع، لوضع الخبز والمأكولات عليها.

يكون ارتفاع الفرن قرابة متر ونصف المتر، والعرض بالمثل، وتتم عملية البناء بطوب حجري أو بطين جاف، يلي ذلك طلاء جدرانه من الداخل والخارج بطبقة من الطين، حيث يتم خلط التراب الناعم بالماء وطمس الفرن بهذه المادة، لتتحمل ارتفاع درجات الحرارة.

ويتم إنشاء الفرن الطيني في زاوية مجاورة للمنزل، وبعض الأسر البسيطة للغاية تبنيه داخل إحدى غرف البيت لاستخدامه في التدفئة أثناء الشتاء، وهناك متخصصون في البناء كادوا ينسون المهنة، لكنهم عادوا إلى مزاولتها بعد زيادة الطلب عليها، وأكثر خبراء تشييد الأفران البلدية من النساء اللاتي مازلن يحملن جزءًا فريدا من تراث الماضي.

متعب تحضيره طيب مذاقه
متعب تحضيره طيب مذاقه

يصعب على سيدة واحدة، استخدام الفرن التقليدي إلا في حالة طهي الأطعمة التي تحتاج فقط لإشعال النار ووضع الأواني ومراقبة عملية التسوية على فترات متباعدة مثل الأرز أو اللحوم، أما إعداد الخبز، فالمهمة شاقة للغاية، وتحتاج إلى فريق متكامل، واحدة تعد العجين على طاولة خشبية، والثانية تقوم بتقطيع الحطب وتجهيزه فيما الثالثة تجلس أمام فتحة النار مباشرة، وتعمل على تغذية الفرن بالأخشاب ومتابعة تسوية الخبز.

وكلما كانت الأسرة تعيش في بيئة زراعية، فإن الاستغناء عن الأفران الآلية التي تعمل بالغاز تبدو مهمة سهلة، لأن الأمر لا يحتاج سوى توفر كميات من العشب الجاف، وفي نهاية موسم الحصاد تقوم الأسرة بتجميع قش الأرز والحطب بأنواعه المختلفة، وتخزينها بجوار المنزل لاستخدامها كوقود أساسي في الطهي.

تقول نعمات سيد، وهي سيدة قاربت الخمسين من العمر، وتعيش بقرية على أطراف محافظة البحيرة، إن “الأسر عادت للفرن البلدي لأسباب بعضها يتعلق بارتفاع أسعار الغاز، وأخرى ترتبط بالشغف لتناول أطعمة لها مذاق خاص بأقل تكلفة، إذ يتم تجهيزها على نيران الحطب.. وهذه مهمة صعبة، لكنها ممتعة”.

وتوضح حنان سعد، وهي أم أربعينية “كنت مضطرة إلى العودة إلى الفرن البلدي عندما عجزت عن شراء الوقود، وكان زوجي يلّح دائما على الاستغناء عن أسطوانة البوتاغاز، وكنت أمانع في القيام بذلك لأن الأمر مرهق للغاية وأنا تعودت على الراحة، وفي يوم لم يكن في منزلنا سوى بضعة جنيهات وواجه أبنائي شحا في الطعام، فاستجبت مضطرة”.

تستخدم حنان فرن إحدى جاراتها، وهذه ميزة أخرى للأفران التقليدية، إذ يمكن لأكثر من أسرة أن تتشارك في بناء فرن واحد، وتتبادل استخدامه على مدار اليوم، أو الأسبوع، أو تقوم السيدات بإعداد وتجهيز الخبر، واقتسامه في ما بينهن، بحيث تساعد كل واحدة منهن الأخرى، ما يضفي نوعا من المشاركة الاجتماعية والتلاحم.

وتلجأ بعض السيدات لبناء فرن بالطوب اللبن وتأجيره، كحل لزيادة الدخل الاقتصادي للأسرة، وهناك عائلات لا تجيد استخدام الأفران القديمة، ولا تستطيع توفير الحطب والأخشاب، وهي مضطرة للاستغناء عن الوقود، وهؤلاء يستعينون بامرأة لتقوم بإعداد الخبز لهم، بمقابل مادي بسيط، يتم احتسابه وفق عدد مقادير الدقيق.

وتظل القيمة الأهم للفرن البلدي حاضرة عند الأمهات البسيطات اللاتي لديهن أسر لا يستطعن الأنفاق عليهن، إذ يقمن بالعمل في المنازل كخبيرات في الطهي بالطرق التقليدية مقابل حصولهن على جزء من الطعام أو الخبز الذي قمن بإعداده، بحيث يكون ذلك “هو الأجر الذي يتحصلن عليه لإطعام أسرهن”، لأن العمل مقابل الطعام أفضل بكثير عندهن من بضعة جنيهات.

17