الأفروإيرانيون.. أقلية منسية جنوبي بلاد فارس

لفترة طويلة من الزمن لم تكن هناك سوى معلومات قليلة حول أقلية الإيرانيين الأفارقة في بلاد فارس في الجزء الجنوبي من إيران. وقد قام المصوِّر الألماني الإيراني، مهدي إحسائي، بتوثيق حياتها في صور، أصدرها في كتاب مصوّر يحمل عنوان “الإيرانيون الأفارقة”.
الأربعاء 2016/08/24
أقلية لا يعرفها حتى الإيرانيون أنفسهم

طهران - معروف أن إيران تعتبر من أكثر المجتمعات التي تحوي أقليات وجماعات عرقية، لكن أغلب الاهتمام انصب على أقليات معروفة مثل الأكراد والبلوش والأحوازيين، ونادرا ما تم الحديث عن أقلية عرقية أخرى منتشرة في جنوب إيران على مساحة تبلغ أربعة أضعاف ونصف الضعف مساحة ألمانيا وهي جالية الإيرانيين الأفارقة.

وتعد المعلومات المتوفرة عن المهاجرين الأفارقة في إيران ضئيلة للغاية؛ وقد أخرجتها مؤخرا إلى دائرة الضوء مجموعة من الصور التقطها المصور مهدي إحسائي أثناء سفره لمقابلة الجالية غير المعروفة والتي يمتد تاريخها في إيران إلى القرن التاسع عشر وتنتشر في الساحل الجنوب غربي من إيران على الخليج في مقاطعة سيستان وبلوشستان ومدن بندر عباس وعبدان.

وينقسم الأفروإيرانيون إلى نوكر أي خادم وهم العبيد ودرزاده أي أبناء الدرر وهم البحارة، وتبدو التفرقة بين قبائل أحفاد العبيد وأحفاد البحارة قاسية إلى درجة تمنع حتى التزاوج بينهم.

ويقول المصور إنه عثر على موضوع قليل من الإيرانيين أنفسهم يعرفونه وبدأ العمل على مشروعه بهدف إظهار وجوه الجالية غير المألوفة للمهاجرين الذين وصلوا إيران عن طريق المحيط الهندي. وقد جمع إحسائي صوره في كتاب حمل عنوان “الإيرانيون الأفارقة“، صدر عن دار نشر كيرير فرلاغ باللغة الألمانية وباللغتين الإنكليزية والفارسية.

ويشير ماريان بريمر، الصحافي والكاتب بموقع قنطرة الألماني في عرضه للكتاب، إلى أن الإيرانيين ذوي الأصل الأفريقي ينحدرون في الغالب من أبناء العبيد، الذين كان يتم استخدامهم في بلاد فارس على مدى قرون من الزمن، وينحدرون أيضا من البحَّارة والحرفيين. واليوم يحملون أسماء إيرانية ويعيشون في كلّ من محافظة هرمزكان وسيستان وبلوشستان وخوزستان وكذلك في مدينتي بندر عباس وعبادان الساحليتين، والبعض منهم مختلطون مع غيرهم من سكَّان الخليج، وكذلك يعيش بعضهم ضمن مجتمعاتهم الخاصة.

التقى المصوّر الألماني الإيراني، مهدي إحسائي، للمرة الأولى بإيرانيين من أصل أفريقي في مدينة شيراز، مسقط رأس والده، وفي مباراة لكرة القدم بين نادي “برق شيراز” ونادي “آلومينيوم هرمزگان” قام بتصوير مجموعة من المشجِّعين، الذين كانوا يهتفون بحماس لفريقهم الكروي على مزيج من قرع الطبول الإيرانية والأفريقية، وقد أثار ذلك فضوله.

ويعرض إحسائي في صوره الفوتوغرافية هؤلاء الإيرانيين الأفارقة البندريين في بيئاتهم المباشرة؛ في الأسواق وأمام سيَّاراتهم وفي طريقهم إلى المدرسة. وموضوعاته تصوِّر أشخاصا من جميع الفئات العمرية: من ربَّات البيوت والأطفال الرُضَّع وكذلك من الصغار والكبار.

ويلاحظ ماريان بريمر في صور مهدي إحسائي أن هذا المصوِّر قد تمكّن من بناء علاقة ثقة مع الناس المُصوَّرين.

أحفاد المهاجرين الأفارقة في إيران شكلوا مجتمعات خاصة مازالت تحتفظ بأسلوب الحياة الأفريقي

ولا تبدو صور مهدي إحسائي مصطنعة أو أنها ملتقطة كي تظهر غريبة؛ بينما تبدو الآثار الأفريقية عند هؤلاء الأشخاص ضئيلة للغاية. وفي الحقيقة إنّ عيون الأطفال ووضعيات الأشخاص المُصَوَّرين بحدِّ ذاتها تتميّز بشيء إيراني لا يمكن إغفاله، مثلما يكتب مؤسِّس ورئيس تحرير المجلة الإلكترونية “ري أورينت”، جوبين بخراد في مقدِّمته لكتاب “الإيرانون الأفارقة”، قائلا إن صور مهدي إحسائي تعتبر ببساطة صورا شخصية لأشخاص إيرانيين.

ويمتد تاريخ العبيد في بلاد فارس إلى زمن ما قبل وصول الإسلام هناك. ولكن مع ذلك فقد حصلت تجارة العبيد على بُعْد اقتصادي مهم فقط منذ القرن السادس عشر، وذلك بعدما ازدادت النشاطات التجارية الأوروبية زيادة كبيرة هناك. ومع إنشاء الطرق البحرية الجديدة تحوَّلت مدينة بندر عباس إلى ميناء مهم. وقد أدَّت زيادة حجم التداول التجاري بدورها إلى ارتفاع الطلب على اليدّ العاملة والعبيد. وقد وصل معظم العبيد بلاد فارس في عهد القاجاريين في القرن التاسع عشر. وفي بلاد فارس اعتنق العبيد الإسلام وتحوَّلوا بسرعة إلى جزء من السكَّان المحليين. وفي عهد القاجاريين كان العبيد يعملون في جميع أنحاء الدولة؛ في مواقع البناء وفي القصور أو كخدم في المنازل.

وفي الصور الفوتوغرافية التي تعود لهذه الحقبة يظهرون في كلِّ مكان، وكثيرا ما يظهرون في شكل أتباع مطيعين، مثلا كخدم يعملون في منزل أسرة إيرانية نبيلة.

وتقرر إلغاء الرق والعبودية في إيران مع الثورة الدستورية في عام 1906، ولكن تم تنفيذ هذا القرار فقط في عام 1928 في عهد الأسرة البهلويية. ولا يكاد يعرف الكثير من الإيرانيين تاريخ الإيرانيين الأفارقة. وفي التأريخ الإيراني ككلّ يحتل الإيرانيون الأفارقة مكانا هامشيا.

ومصطلح الإيرانيين الأفارقة لا يكاد يذكر في وسائل الإعلام الإيرانية، ولا يوجد كذلك سوى القليل من نقاط الاتصال بين غالبية الإيرانيين والإيرانيين الأفارقة، بصرف النظر عن موسيقى البندريين الشعبية، التي تختلط فيها الإيقاعات الأفريقية مع الألحان والأنغام الفارسية. وفي المقابل نادرا ما يشاهد الإيرانيون الأفارقة في الأفلام السينمائية. وكان أشهر الأعمال التي تحدثت عن الجالية هو فيلم باشو الغريب الصغير الذي عرض في 1989.

12