الأفعى وعشبة كلكامش

السبت 2017/11/11

قرأت أخيرا رواية ” في مديح الحب الأول” للروائي العراقي علي خيون، التي تمثلت في أحداثها ومسارات أشخاصها، ما جرى وما يجري في العراق منذ غزوه واحتلاله في العام 2003.

وتكاد الرواية في جميع فصولها، تؤكد أن الواقع في العراق يشير إلى تراجع الحياة أمام سطوة الموت، وكما خطفت الأفعى عشبة كلكامش أو عشبة الحياة، التي رحل من أجلها كلكامش وعرف في رحلته هذه، أشد الأهوال، فإن الروائي علي خيون بما يتوفر عليه من خبرة وتجربة، ينطلق من إشارة عابرة إلى حكاية الأفعى وعشبة الحياة التي وردت في ملحمة كلكامش، وهي الأخرى، تتجلى في إيحاء رمزي، ذلك أن الموت، كان من أكثر الحالات التي واجهها إنسان الحضارات الأولى، وواجهها بالحيرة في البحث عما يوفر له مقومات الخلود، وليس الخلود في تلك العصور إلاّ استمرار الحياة، حيث يقول على لسان سامي وهو من شخصيات رواية “في مديح الحب الأول”، “نلت رتبة مرموقة، لكنني نلتها في تلك اللحظة المشؤومة التي التهمت فيها الأفعى عشبة كلكامش”، أي أن الموت ممثلا بالأفعى، اختطف كل ما يراه جميلا على الصعيدين الذاتي والوطني. أي أن هذا الاختطاف في سياق الرواية يشمل الخاص والعام في آن، لأن الاحتلال وما اقترن به وما أنتج من إرهاب متعدد الرؤوس والمصادر في العراق، استهدف الوطن كما استهدف المواطن.

وما ميّز هذه الرواية، هو تداخل أزمنتها الذي أعطاها حيوية جمالية، بالإضافة إلى تعدد مستويات السرد فيها، ولأن النص الروائي هو محاولة سامي الشخصية الروائية، لكتابة رواية، فالنص الذي بين أيدينا يواصل تشكله على امتداد الصفحات وتوالي الأحداث، لينتهي إلى رواية “في مديح الحب الأول”، وهذا ما منح الروائي علي خيون مساحة مفتوحة من الحرية الجمالية، في الإفادة من الواقع والمتخيل، وفي الجمع بين أكثر من أسلوب قي السرد.

غير أن المواجهة بين الحياة والموت التي ظلت تتمثل رمزية الأفعى وعشبة الحياة، حتى من دون أن يشار إليها إشارة مباشرة، هي الثيمة الأساسية في الرواية، حيث يسأل حبيبته الأولى مجدولين وهو يعيش لحظة وهم استعادتها، حين التقيا وهما يغادران الوطن إلى المجهول، وكل منهما يغادر مضطرا، فيفارق بيته وطفولته وأصدقاءه وذكرياته؛

كيف حصل ما حصل يا مجدولين؟

فتجيبه: أتسأل عني أم عن بغداد؟

وقد نجح الروائي في أن يوحد في شخصية مجدولين بين المرأة والرمز، وبينها وبين بغداد، فحين اختطفت بغداد، اختطفت مجدولين من قبل شرير انتهازي، وحين ذبحت بغداد من قبل المحتلين وأعوانهم، قتلت مجدولين برصاص الحقد والفساد “امرأة عراقية تقتل في وضح النهار، لم يحصل هذا من قبل، كان القتل الذي ألفه البغداديون يطال الأطباء وأساتذة الجامعات والعلماء ومن كان يعمل في دوائر الدولة في الأعوام التي سبقت العام 2003، سواء في الجيش أو الأجهزة الأمنية، أو كبار المسؤولين، أما أن تتوقف سيارة سوداء مضللة لتغتال امرأة عزلاء، فقلما حصل من قبل”.

وما ينبغي أن نقف عنده ونحن نحاول قراءة هذه الرواية قراءة نقدية، فهو التكنيك السردي المتميز، بعد أن توقفنا عند بعدها الرمزي، وهذا التكنيك أبعدها عن التسطيح والمباشرة، ووضعها في مجال جمالي يستجيب للحداثة الروائية، ولا يفرط بها ويبعدها عن يسر التلقي، ويدفع بها إلى مغالق العتمة وافتعال التعقيد، وهي في نهاية الأمر رواية تنفتح بنا على التلقي الواعي، لا تتكئ على ما تطرح من موضوعات وتتبنى من أفكار، بل تدخل الموضوعات والأفكار في فضاء جمالي متوازن وإيجابي.

كاتب عراقي

15