الأفق، حقيقة أم خيال

الخميس 2015/06/04

عادة ما تجري على ألسنة الناس عبارة “الأفق” دون أن يجمعهم حولها رأي، فالبؤساء يتحدثون عن “أفق مسدود” ويقصدون بذلك وضعا حرجا وغدا غير رحيم قد لا يجدون فيه طعام ليلتهم، والساسة يبشرون بفجر جديد “يلوح في الأفق” ويعنون أن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية محلولة لا محالة بفضل “سياستهم الرشيدة”.

والأدباء يستشرفون “آفاقا مستقبلية واعدة” أي أنهم يحاولون التكهنَ بما سوف يكون عليه المستقبل، واستباقَه ورسمَ خطوطه الكبرى،

ولكن لا أحد من أولئك جميعا يمكن أن يقدّم تعريفا للأفق عدا كونه خطا وهميا، يخيل إلى الناظر أنه يصل الأرض بالسماء، وأنه الحدّ الذي يدركه البصر، سواء بالعين المجردة أو بمنظار أو مرقب، ولا أن يجيبك بالضبط ماذا يوجد وراء تلك النقطة.

وإن حـاول فأجوبته محض تخمينات لا تنفذ إلى ما وراء الأفق. العـلماء يقولون إن مرمى أبصـارنا هو الذي يحدّد الأفق، ورغم ذلك يظل خارج إدراكنا، لا نعلم بحق ما إذا كـان ذاتيا أم موضـوعيا، مقترنا بالعـالم المادي أم بوعينا.

المفارقة أننا من ناحية لا يمكننا إنكار وجوده، ولكننا من ناحية أخرى لا نستطيع لمسه، ونكتفي بالقول إنه موجود في مكان ما، ونعجز عن الذهاب إلى حيث يوجد.

كيف يمكن إذن الإمساك بنقطة كلما دنونا منها نأت، والعمل على تقريبها وهي لا تلوح إلا من مسافة بعيدة، ولا تتشكل إلا عبر إدراكنا الخارجي، دون أن نميز أكان ذلك الإدراك ذاتيا أم موضوعيا؟ ثم هل الأفق حقيقة أم خيال، واقع أم متخيل؟ وهل يصلح أن يكون مبحثا فلسفيا؟ نعم، تجيب الفرنسية سيلين فليشو. في كتاب لها بعنوان “الأفق”.

تتناول فليشو هذه التيمة وتحلل مفهومها ومختلف أوجهها وتبين أن الأفق واقع بين الفيزيقا والمتيتافيزيقا، بين الحسي وما فوق الحسي، بين الإدراك والتمثل، وأنه شغل الفنانين التشكيليين والشعراء والفلاسفة من ألبرت أينشتاين إلى الفينومينولوجيا، ومن ألبرتي إلى هنري ميشو دون أن يقرّ لهم حوله قرار.

ومن ثم انكبت على دراسته لتعالجه من زواياه المتعددة معالجة طريفة، تبدأ من لوحة “الموجة” لكوربيه التي أحدثت منذ عام 1869 ثورة في فهمنا للأفق، حيث ركز صاحبها على خط أفقي يفصل عناصر المستوى الأول بعضها عن بعض بدل أن ينسقها في ما بينها، فشكل بذلك تحولا في تمثل المشهد. وتبقى الإشكالية مطروحة عمن يحدّثنا عن الأفق وهو يعلم أنه نقطة وهمية، وغاية لا تدرك.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15