الأفكار الجيدة التي تستحق الكتابة تتشكل في مكان خفي

رواية "أمطار صيفية" لأحمد القرملاوي والتي توجت بجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع أدب الشباب، هي العمل الرابع للكاتب المصري بعد مجموعة قصصية وروايتين.
الجمعة 2018/04/27
الروحانيات إضاءة على المجهول

تحمل جائزة الشيخ زايد خاصة في فرع أدب الشباب، اعترافا وانتصارا لجيل من الأدباء الشباب تواجه كتاباتهم بنظرة نمطية تغفل الاعتراف بقيمتها أو أهميتها، فيتم تنميطهم في قوالب أدب “أكثر مبيعا” والنظر إلى كتاباتهم باعتبارها أدب “درجة ثانية” يغازل الجماهير ولا يراهن على فنيّة أو تميز أدبي حقيقي.

تجربة الكتابة

يؤكد أحمد القرملاوي في حديثه لـ”العرب” على صحة هذه الفكرة قائلا “بالفعل توجد فكرة نمطية سائدة يُنظر بها إلى أبناء جيلي من الكُتّاب باعتبارنا ‘كُتّابًا خفيفين’، نُقدِّم أدبا لا يهدف لما هو أبعد من التسلية العابرة، وقد تحُول هذه الفكرة النمطية دون قراءة المنتج الأدبي لأبناء جيلي ممن يهتمون بالأدب الجاد، اعتقادا من البعض أن منتجنا الأدبي يصطبغ بصبغة وحيدة هي السطحية والاستسهال، وهذا ليس صحيحا بشكل مطلق. ليس هذا تقليلا من شأن عناصر التسلية والتشويق في الكتابة الأدبية، بل إن الأدب الجيّد يجمع بين الجذب والإمتاع من ناحية، وبين إثارة التساؤلات والأفكار التي تدفع القارئ إلى تأمل حياته الإنسانية من زاوية جديدة من ناحية أخرى”.

يلفت القرملاوي إلى أنه لا يغرّد منفردا بين جيل من غير المجيدين، بل على العكس، هناك العديد من الأقلام الجادة المجيدة بين أبناء جيله، يتشاورون معا في ما يكتبون ويستفيدون من تجاربهم المتباينة، الأسماء عديدة والأعمال قيّمة وتستحق القراءة والاهتمام النقديّ، وما يأمله الكتاب هو أن تساهم هذه الجائزة العالمية المرموقة في تسليط الضوء عليهم.

 

رغم كل التحفظات التي تحيط بالجوائز الأدبية ومعاييرها، إلا أنه لا يمكن إنكار دورها الهام في الترويج لأعمال أدبية جيّدة خاصة مع الكم الكبير من الأعمال الروائية التي تُنشر كل عام في الدول العربية كافة، في أحيان أخرى، قد تحمل الجائزة اعترافا ليس فقط بأهمية العمل أو موهبة الكاتب وإنما بالإشارة إلى جيل بأكمله لا يُعترف بقيمة وأهمية ما يكتب. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الروائي المصري أحمد القرملاوي عقب فوزه بجائزة الشيخ زايد فرع أدب الشباب عن راويته “أمطار صيفية”.

الرحلة التي قطعها القرملاوي في عالم الكتابة حديثة لم تتجاوز خمس سنوات، ورغم أن مجال دراسته كان الهندسة، التي هي مجال عمله أيضا في الوقت الحالي، إلا أنه لا يرى تعارضا بينه وبين الكتابة، فكلاهما فن يهدف إلى إعادة صياغة العالم في صورة أجمل. من جهة أخرى، كان الدافع وراء الكتابة بالنسبة إليه مضمرا بصفة عامة في الوجدان الإنساني، “كلنا حكّاؤون بشكل أو بآخر بالفطرة، أما من يملك شغف الكتابة فهو من شُغِف بالحكي بدرجة أكبر من غيره، وامتلك مع شغفه أدوات للتعبير عن طريق الكتابة من محبة السرد والخيال والتأمل واللغة، هذا ما وجدته مزروعا بداخلي منذ الطفولة، واستمر ينمو مع كثرة القراءة والإمعان في تأمل العالم”، هكذا يحلّل القرملاوي بداية انجذابه نحو عالم الكتابة الرحب.

يتابع ضيفنا “بدأت في كتابة القصة في مرحلة التعليم الجامعي، واخترت هذا الشكل آنذاك لاهتزاز ثقتي في حجم موهبتي، ما جعلني لا أتصور قدرتي على كتابة رواية بأكملها. ثم مع الوقت والتجربة، اكتسبتُ ثقة أكبر وتجرّأت على خوض تجربة الكتابة الروائية، ومعها صرتُ أكثر وعيا وإدراكا لقيمة القصة القصيرة، كيف أنها فن قائم بذاته لا يقل قيمة عن فن كتابة الرواية، لذا عدتُ إلى كتابة القصة بوعي أعمق من
سابقه”.

هشاشة الإنسان

رواية “أمطار صيفية”، التي توجت بجائزة الشيخ زايد مؤخرا، هي العمل الرابع للكاتب بعد مجموعة قصصية وروايتين.. يظن القرملاوي أن ثمة هاجسا يسيطر عليه في كل ما يكتب من أعمال وإن لم يتعمّده أثناء الكتابة، فليس ممن خططوا لمشاريعهم الأدبية قبل الشروع في تأسيسها، بل إن معالم هذا المشروع تكشَّفت له مع توالي الأعمال، والآن حين ينظر إلى الوراء ويتأمّل في نصوصه السابقة، يراها تتمحور حول فكرة الحقيقة والمعتقد، كيف يتكوّن ما يعتقده البشر حقيقة مطلقة، كيف ينزرع في وعيهم ويسيطر على رؤيتهم للعالم، كما يشغله أيضا هاجس هشاشة الإنسان إزاء العالم الذي وجد نفسه مرغما على العيش فيه والتعامل مع معطياته. هذه هواجس وتساؤلات تعيد استنساخ نفسها في نصوصه بصورة مغايرة كل مرة.

في “أمطار صيفية” يظهر اهتمام القرملاوي بالموسيقى وولعه بعزف العود والمقامات الموسيقية.. وهو ولع حقيقي يسيطر عليه أكثر الوقت، بحسب ما يشير في حديثه معنا، ومن ثم كان حتما أن يظهر في أحد نصوصه ذات يوم. ورغم ذلك لم يخطط لذلك أبدا قبل أن تُداهمه الفكرة من حيث لا يعلم، ويوضح الكاتب “هذا ما يحدث دائما مع الأفكار الجيدة التي تستحق الكتابة، فهي تتشكل في مكان خفيّ خارج الإدراك المباشر، حتى تكتمل وتولد كجنين لم تطّلع عليه الموجات فوق الصوتية قبل لحظة الولادة، هذا بخصوص الفكرة، أما الأحاسيس فهي تتولّد أثناء الكتابة وتكوين الشخصيات، وتصير أكثر عمقا كلما اندمج الكاتب مع عالمه الروائي، وأمسك بزمام شخصياته واستشعر أعمق أعماقها، هنا تولد الكتابة الحقيقية المفعمة بصدق التجربة الإنسانية، ولذلك أعدتُ كتابة ‘أمطار صيفية’ عدة مرات، بقبضة تشتد قوتها كل مرة في الإمساك بالشخصيات وبتفاصيل العالم الروائي”.

رواية "أمطار صيفية" تتقصى عوالم الموسيقى والعلاقة بين الشرق والغرب، وتحديدا المقابلة ما بين الروحانية والمادية
رواية "أمطار صيفية" تتقصى عوالم الموسيقى والعلاقة بين الشرق والغرب، وتحديدا المقابلة ما بين الروحانية والمادية

الكتابة عن الموسيقى تتطلب وعيا عميقا وتجربة ذاتية، فلا أتصوّر أن يستطيعها من لم يؤالف آلة موسيقية حتى يستنطقها ويتوحّد معها، خاصة حين نتناول الموسيقى الشرقية ذات الخصوصية المتفردة، التي تنتج المقامات المختلفة من أرباع التونات الموسيقية، وهي فوارق دقيقة في ترددات الصوت لا يمكن استشعارها ولا التأثر بها بغير تجربة حقيقية متعمقة. كما أنني احتجتُ لقراءة مراجع هامة بعضها مترجم عن الموسيقى الشرقية، كي أعي المزيد عن هذا العالم قبل الشروع في الكتابة، ما أفادني كثيرا واستكمل تجربتي.

ثمة بُعد في رواية “أمطار صيفية” يستقصي فكرة العلاقة بين الشرق والغرب وتحديدا المقابلة ما بين الروحانية والمادية، وفي “دستينو” ملمح عن العلاقة مع الغرب وتأثير النظام الرأسمالي. يُبيّن القرملاوي أن هذه الأبعاد قد تكون موجودة بالفعل؛ لكنها جزء من أبعاد شتى وثنائيات عديدة. مع ذلك يظن أننا لو عقدنا ارتباطا بين الشرق وفكرة الموروث الروحي، أو بين الغرب ومفهوم المادية وتنحية الانشغال بالروح جانبا، فإننا نرتكب حماقة شديدة نحن في غنى تام عنها، فللغرب روحانياته كما للشرق روحانياته، وللغرب والشرق تاريخ مشترك في تأسيس المفاهيم المادية والاستعمارية والتوسُّعية عبر العصور.

يستطرد ضيفنا “ما يشغلني هو الإنسان، الذي يجد نفسه في قبضة عالم مادي يعتصره ويشتّت روحه عن اتصالها مع المطلق، ومن قبيل المصادفة أنني وُلدتُ في عالم يملك فيه الغرب سيطرة أكبر على المقدّرات، وبالتالي هيمنة استعمارية تسويقية أكثر تأثيرا، وكان جائزا أن أولَد منذ عدة قرون فأجد العكس، وأتساءل نفس الأسئلة مع اللاعبين العكسيين. فشغلي الشاغل في هذا الصدد لا ينصبّ على الشرق والغرب، بل على الإنسان، ومن الطبيعي أني أطرح أسئلتي ورؤيتي دون امتلاك إجابة قاطعة، ولا زاوية يقينية أدرك من خلالها العالم”.

في رواية “أمطار صيفية” قد تحمل النهاية فكرة انتصار الرواية لسيطرة البعد المادي على الروحي وتفوقه في مقابل عجز الآخر عن إثبات صحته أو أهميته.. وردا على سؤالنا له: إلى أي مدى كان ذلك مقصودا؟ يجيب القرملاوي “إلى مدى بعيد، لا بد أن أعترف، مع توضيح هام وهو أن سلبية بعض الشخصيات وتشككها في مواقفها إزاء شخصيات أخرى يقابلانها في هذا الصراع، هو ما أدى بطبيعة الحال إلى هذه النهايات. فطبيعة الشخصيات وتطورها أثناء الكتابة هما ما فرضا عليّ مصائرها، والكاتب لا يملك أن يلوي عنق الأحداث طبقا لأهوائه، بل يؤسس شخصياته بالتراكيب التي تمنحه النهاية التي يراها منطقية”.

15