الأفلام العربية "الأجنبية"

الأربعاء 2016/02/10

قد يبدو هذا العنوان غريبا بعض الشيء، فكيف يمكن أن تكون الأفلام العربية أجنبية؟.

والحقيقة أن من يتابع عن كثب تطور الأفلام التي يخرجها مخرجون ينتمون إلى العالم العربي سيجد نفسه أمام مفارقة غريبة كل الغرابة، هي أن أفضل تلك الأفلام ليست من الإنتاج العربي بشكل خالص، ولا أقصد بالإنتاج هنا التمويل فقط، فمن الممكن أن يحصل المخرج السينمائي على تمويل من 14 شركة مختلفة في 14 دولة، فالإنتاج المشترك أصبح سمة العصر السينمائي الحالي.

ويصرّ البعض على نسبة الإنتاج -بشكل مضلل- إلى الدول، كأن يقولوا لك إن فيلما ما اشتركت في إنتاجه فرنسا والجزائر، بينما صحيح القول إنه “فيلم جزائري فرنسي”، فنسبة الفيلم إلى الدولتين في هذه الحالة، يوحي بأن الجزائر وفرنسا اشتركتا معا في إنتاجه، وهو غير صحيح بالطبع.

فالدول لم تعد تنتج الأفلام، بل عادة ما يكون المقصود شركات الإنتاج السينمائية الخاصة التي تعمل في هذه الدول، وأحيانا تكون هذه الشركات أيضا مملوكة من قبل الأجانب، كما كان الحال في ثمانينات القرن الماضي مع شركة كانون الأميركية التي أسسها، وكان يملكها ويديرها المخرج والمنتج الإسرائيلي مناخيم غولان مع يورام غلوبوس.

أما ما نقصـده بالفيلـم العـربـي الأجنبي، فهـو كـون العمليات الفنيـة الأسـاسية التي تشكل الصـورة الفنيـة السينمائية لأي فيلـم تكـون عـادة مـن صنع أيـاد أجنبية.

لدينا مثلا فيلم “وجدة” للمخرجة السعودية هيفاء المنصور، هذا الفيلم عرض في العالم كله منذ عرضه في مهرجان فينيسيا عام 2012، باعتباره فيلما سعوديا، في حين أنه من إنتاج وتمويل 17 شركة، الغالبية العظمى منها شركات ألمانية، مع مساهمة من شركة روتانا (ومقرها الرياض) ودعم مباشر من مؤسسات مثل مهرجان صندانس الأميركي، وصندوق الدعم في مهرجان روتردام، وصندوق دعم السينما في دبي “إنجاز”.

وكلها جهات أصيلة في إنتاج الفيلم، وقد نسب الفيلم إلى السعودية لكونه يتناول قصة تدور أحداثها في السعودية ومخرجته سعودية والممثلون الذين اشتركوا فيه سعوديون.

ويبلغ عدد المنتجين الذين تولوا تنفيذ الفيلم 9 منتجين منفذين، جميعهم من الألمان باستثناء عنصر واحد فقط سعودي.

ومع ذلك، سنكتشف أن مدير التصوير والمونتير ومؤلف الموسيقى ومهندس الديكور ومصمم المناظر والمؤثرات البصرية، جميعهم من الألمان.

وإذا ما عرفنا كيف تُصنع هذه الأفلام المشتركة تحت إشراف الطرف الإنتاجي الأقوى، وهو الطرف الألماني في هذه الحالة، لا بدّ أن ندرك أن هناك الكثير من المساعدين والمشرفين على الإنتاج الذين يتدخلون ويوجهون المخرج خصوصا إذا كان من المبتدئين.

أما فيلم “ذيب” الذي يمثل العرب كما يقال، في مسابقة الأوسكار، فصحيح أنه من إخراج الأردني هاني أبونوار، لكن مدير تصويره هـو النمسوي ولفغانغ ثالر، والمونتير هو البريطاني روبرت لويد، ومصممة المناظر هـي البـريطانية أنا لافيل، ومؤلف الموسيقى التصويرية المصاحبة هو البريطاني جيري لين، وهكذا.

وقد تلقى أبونوار مساعدة ملموسة يعترف هو نفسه بها، من جانب مستشاري السيناريو الأوروبيين أثناء كتابة السيناريو.

هذه الحقائق تدفعنا إلى التساؤل عن مدى وصف أفلام من هذا النوع بأنها عربية؟ وإلى أيّ حدّ تعكس المستوى السينمائي العربي، وتعبر عن الفكر السينمائي العربي، وتعرض المهارة التقنية السينمائية العربية؟

لقد أصبحت هذه القضية خلافيّة حقا، فالكثير من النقاد لا يعتبر تلك الأفلام أفلاما عربية، أنتجت في نفس الظروف وبموجب نفس الإمكانيات الموضوعية التي تتاح لغيرها من الأفلام العربية، التي تعتمد على جهود العرب وحدهم. والأمثلة في هذا المجال كثيرة لمن يريد أن يدرس تلك الظاهرة، التي أرى أنها تستحق الدراسة بلا شك.

ناقد وكاتب من مصر مقيم في لندن

16