الأفلام والمثقفون ومؤسسة الأزهر

الأربعاء 2014/10/29

تجرأ الدكتور جابر عصفور بعد أن جاء على رأس وزارة الثقافة المصرية مباشرة، وأصدر تصريحات ينتقد فيها تدخل مؤسسة الأزهر في منع الأفلام، بل وفي الحياة الثقافية والمدنية بشكل عام.

وكانت تلك التصريحات في ضوء موقف الأزهر المؤيّد لعدم عرض فيلم سينمائي أجنبي وهو فيلم “نوح”، بدعوى أن تجسيد الأنبياء محظور في السينما.

وكان مما قاله عصفور أنه يرفض أي تدخل في شؤون وزارته من أيّة مؤسسة “حتى لو كانت مؤسسة الأزهر”. وبطبيعة الحال نشبت معركة حامية الوطيس بين عصفور والقائمين على الأزهر، الذين يصفون كل من يريد أن يجعل دور الأزهر قاصرا على النواحي الدينية، بأنه علماني منحرف يناهض تطبيق الشريعة، ويروّج للفكر الغربي، وأنه بحكم تكوينه، يحمل عداء مضمرا للإسلام.

والغريب أن ردّ الأزهر على عصفور، أخذ يفند كل ما قاله عن “عقلانية” ما دعاهم بـ”الأزهريين التنويريين” أمثال رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني ومحمد حسين هيكل ومحمد البهي وطه حسين، والفقيه الدستوري عبدالرزاق السنهوري.

وقال الأزهر في ردّه إن كل كتابات هؤلاء “تتحدث بوضوح عن أن الإسلام دين ودولة، شعائر وشرائع، وأنه لا يمكن فصل هذه عن تلك”!

والملاحظ أن عصفور تراجع عن خوض المعركة كما كان يجدر به، سيرا على درب من سبقوه من المثقفين المصريين، مثلما حدث من طه حسين والشيخ علي عبدالرازق في عشرينات القرن الماضي.

وهي ظاهرة واضحة في الثقافة المصرية، حيث يرتدّ المثقفون من دعاة التنوير فينكصون على أعقابهم، خشية اتهامهم بالمروق والإلحاد أمام مؤسسة ذات سطوة طاغية، أو ينتهون كما انتهى الدكتور نصر حامد أبو زيد، إلى الموت المجهول في المنفى!

والأمر الأكثر غرابة أن المثقفين المصريين يتركون عادة، وحدهم في مواجهة طغيان الأزهر ودفاعه المستميت عن فكرة الربط بين الدين والسياسة، استنادا إلى فكرة أن الإسلام “دين ودنيا”.

وهي القاعدة التي استندت إليها كل مدارس التكفير والإرهاب والعنف التي تعربد اليوم في العالم العربي، وذلك دون أن ينبري أحد من المثقفين العرب أو مثقفي البلدان الإسلامية عموما، للتصدي لهذا الفكر رغم أن مؤسسة الأزهر تحتكر منذ قرون، الحديث باسم هؤلاء جميعا، وليست فقط مؤسسة مصرية، وبالتالي يمكن اعتبار ما تقوله “شأنا مصريا”، بل إنها تحولت في الواقع، إلى كيان “سياسي مؤدلج” على شاكلة الفاتيكان.

إننا في حاجة، ليس فقط إلى الدفاع عن حق عرض كل الأفلام، طالما أنها لا تحض على العنف والكراهية العنصرية وقتل طائفة من طوائف المجتمع، بل وإلى مراجعة وتجديد الخطاب الديني كله.

وهو ما لن يحدث إلاّ بمواجهة حقيقية يشترك فيها المثقفون المستنيرون في بلاد العالم الإسلامي كله، وليس فقط أفرادا من المثقفين المصريين يتركون وحدهم، تنهشهم الوحدة والخوف وتنال منهم أسلحة الترهيب!


ناقد سينمائي من مصر

16