الأفيونيات إدمان صامت يغزو الولايات المتحدة

ساهمت وفاة الفنان العالمي الشهير برنس نتيجة تناول جرعة زائدة من المخدرات العام الماضي في تسليط الضوء على خطورة الإدمان الذي يدمر حياة الملايين من الأميركيين ويزداد عدد ضحاياه بمرور الوقت.
الاثنين 2017/03/06
إدمان تحت غطاء الأدوية المسكنة يدمر المجتمع الأميركي

واشنطن- منذ فترة طويلة تعاني الولايات المتحدة من إدمان صامت يتجاهله المجتمع ولكن له عواقب وخيمة. ويعلق من يرضخون تحت وطأة الإدمان على مسكنات تحتوي على خلاصة المورفين أو مسكنات الأفيونيات التي تدمر الجهاز العصبي، في شعور زائف بالسعادة يصعب عليهم الخروج منه.

وسلطت وفاة العديد من المشاهير بسبب جرعة زائدة من المورفين في السنوات الأخيرة على “سرطان الإدمان” الذي ينخر المجتمع الأميركي في صمت. وأكد كاليب ألكسندر المدير المساعد لمركو جونز هوبكنز لأمن الأدوية “نقول كل عام إن الوضع لا يمكن أن يسوء أكثر من هذا. ولكن إلى أن نتمكن من تغيير التوجه، سيظل الوضع هكذا لفترة طويلة”.

وتكشف الإحصاءات الرسمية أن مليوني أميركي كانوا مدمنين في عام 2014 على أشباه الأفيونيات والأدوية المسكنة التي ينبغي تناولها فقط في حالة الآلام الشديدة. ونظرا إلى تركيبة هذه الأدوية الكيميائية فإنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالهروين إذ أن طريقة عملهما متشابهة حيث يدمن عليهما الإنسان بسرعة.

في عام 2014 سقط نحو 600 ألف شخص في براثن الهروين. كما أن دراسة أجريت في عام 2012 كشفت أن 205 ملايين شخص يتناولون الأدوية المسكنة لفترات أطول من تلك التي حددها الأطباء في وصفاتهم.

بحث عن سعادة مزيفة

وفي هذه الحالة لا يكون عادة الحد واضحا بين الإدمان والعادات السيئة. كما أن العواقب الناجمة عن هذا المشهد مروعة فقد لقي نحو 19 ألف شخص حتفهم في عام 2014 جراء تناول جرعة زائدة من هذا النوع من الأدوية المسكنة وفقا لما كشفت عنه إحصاءات مراكز التحكم في الأمراض والوقاية منها. ووقعت غالبية تلك الحالات في مناطق ريفية وتلك التي يسكنها ذوو البشرة البيضاء في الولايات المتحدة.

يضاف إلى هذه الحصيلة عشرة آلاف شخص لقوا حتفهم بسبب الهروين.

وفي الكثير من الحالات يكون وصف الأطباء لأدوية مسكنة دون أن تستدعي حالة المريض ذلك، على سبيل المثال بعد عملية لقلع ضروس العقل، الخطوة الأولى نحو هذا النوع من الإدمان. وفور تناولها لا يتمكن البعض من الاستغناء عن هذا الشعور الزائف بالسعادة وحالة اللامبالاة التي تولدها تلك الأدوية.

وفي تسعينات القرن الماضي كان الأطباء يفرطون في وصف المسكنات القوية ما أدى إلى تضخم حجم المشكلة إذ أن عددا متزايدا من الأشخاص يعاني في الغالب من عدم الاستقرار وبدأ في البحث عن هذا الشعور بالسعادة. لقد احتاج الأطباء سنوات كي يدركوا باب الشرور الذي فتحوه.

وبالنسبة إلى جانب من المدمنين فإن الهروين يأتي في المرتبة الثانية بعد أشباه الأفيونيات إذ أن هذا النوع من المخدرات غير القانوني في العادة يكون أرخص من الأدوية والتي لا توصف إلا بأمر من الطبيب.

كذلك هناك أشباه الأفيونيات المصنعة مثل الفنتالين وهو مخدر أقوى 50 مرة من الهروين وقد تسبب في وفاة برنس. وفي الغالب تصنع هذه المادة المخدرة في المكسيك أو الصين وتهرّب إلى الولايات المتحدة ويتم الحصول عليها عبر الإنترنت.

ويصل الأمر ببعض المدمنين إلى درجة تناول الأدوية التي عادة ما تستخدم لتخدير الفيلة. وكذلك مادة كارفينتانيل المخدرة وهي أقوى 100 مرة من الفنتالين ويقدم الكثيرون في ولاية أوهايو على تناول جرعة زائدة من هذه المادة المخدرة.

ويروي الشرطي توم سينان من المنطقة الأكثر تضررا في أوهايو “بدلا من 4 أو 5 حالات لتعاطي جرعات زائدة يوميا لدينا 20 أو 30 أو 40 وأحيانا تصل إلى خمسين حالة”.

كما تم الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية في ولاية فيرجينيا لنفس السبب. ويحاول مدمنون آخرون الحصول على وصفات طبية وحبوب بأي طريقة كانت وفي حالة الضرورة يستعينون بالأقارب.

أدوية مسكنة بنفس مفعول الهيروين

وتبرز من بين التدابير التي تم اتخاذها مؤخرا لمكافحة هذا الوباء إجراءات توعية المرضى والأطباء والمزيد من البرامج التي تمكن الولايات من التحكم إلكترونيا في التاريخ المرضي للحالات والوصفات الطبية الخاصة بكل منها.

ونشرت مراكز التحكم في الأمراض والوقاية منها تعليمات صارمة خاصة بوصف الأطباء لهذا النوع من الأدوية. وتصنيف أشباه الأفيونيات باعتبارها مواد “خطيرة” ونصح الأطباء بعدم وصفها كمسكن للأمراض المزمنة باستثناء المصابين بالسرطان.

وشدد كاليب ألكسندر من مركز جون هوبكنز لأمن الأدوية قائلا “كما خفف من حدة الأزمة سن قانون رغم الخلافات بين الأحزاب يعتبر الإدمان على أشباه الأفيونيات مرضا ولا يجرمه بصورة آلية”.

وكان من المقرر أن تخصص إدارة الرئيس باراك أوباما مليار دولار لمكافحة هذا الإدمان ولكن الكونغرس أقر 181 مليونا فقط وأرجأ القرار بشأن 500 مليون أخرى للميزانيات التالية. يضاف إلى ذلك أن صناعة الأدوية تستثمر أموالا طائلة من خلال مجموعات ضغط قوية في واشنطن تقوم بالترويج للمسكنات. ويؤكد المصنعون أن 40 بالمئة من الأميركيين يعانون من آلام مزمنة تحتاج إلى العلاج. كما تواجه السلطات المعنية بالصحة العامة ومكافحة المنشطات ووزارة العدل تهما بالإهمال.

وكشف تحقيق أجرته صحيفة “واشنطن بوست” أن عملاء وكالة مكافحة المخدرات حجبوا دراسات منتقدة للصيدليات المقامة على مساحات كبيرة. وتحوم شكوك حول المعايير التي تتبعها بعض تلك المخازن والأسواق التجارية الكبرى التي تضم صيدليات، بخصوص بيع الأدوية.

ويقول ألكسندر في ما يتعلق بحالة عدم اليقين التي تصاحب الحكومة الجديدة “سحب تراخيص تلك الأماكن المقامة على مساحة كبيرة والتي تبيع الأدوية سيكون أمرا سلبيا”.

وانتقد فيفي مورثي مدير خدمات الصحة العامة بأميركا في أحدث تقاريره أن واحدا فقط من كل 10 مدمنين يتلقى مساعدة في الوقت الحالي. وتساءل “حققنا تقدما ولكن كيف لنا أن نستمر؟ إن أحد أهم الأمور هو الحرص على أن يكون للأشخاص تأمين صحي”.

20