الأقارب والمعارف في عمل أدبي

مع انتشار ظاهرة الروايات المستوحاة من السير الذاتية، تكاثرت الإحالات إلى حياة شخصيات من أقارب ومعارف هذا المؤلف أو ذاك.
الخميس 2018/04/19
قصص أقارب ومعارف

يشير ريتشارد إيلمان مؤلف أفضل سيرة لجيمس جويس إلى أن رواية هذا الأخير “أوليسيس” أثارت سخط وغضب البعض من أهالي دبلن بسبب تلميحها لهم في البعض من فصولها حتى أنهم هددوا بـ”تأديب” صاحبها الذي كان يعيش آنذاك في زيوريخ. وقد أخذ جيمس جويس هذا التهديد مأخذ الجد. لذلك قرر نهائيا عدم العودة إلى مسقط رأسه خشية “أن يهشم أحدهم رأسه”. وظل متمسكا بهذا القرار إلى أن توفي في مطلع عام 1941.

ويقال إن نصف سكان باريس تعرفوا على أنفسهم من خلال شخصيات “البحث عن الزمن المفقود” لمارسيل بروست. وأحدهم، وهو الكونت دو مونتسكيو، الذي قد يكون جسّد شخصية البارون شارلوس في الرواية المذكورة، هدد بمقاضاة المؤلف، ولم يتراجع عن ذلك إلا عقب مساع حميدة من قبل البعض من المقربين منه.

وكان فلوبير يقول إن “مدام بوفاري هي أنا” إلا أن المؤكد أنه استوحى موضوع روايته الشهيرة من مأساة امرأة تعرف عليها في منطقة “النورماندي” حيث ولد، وحيث أمضى شطرا من مراهقته وشبابه.

ولم يكن تولستوي يخفي أن انتحار امرأة تحت عجلات قطار في ضواحي موسكو هو الذي دفعه إلى كتابة رائعته “أنا كاريننا”.

وأغلب النساء الجميلات المتمتعات بالنفوذ والقوة في جل روائع ستاندال كنّ عشيقاته، سواء من الفرنسيات أو من الإيطاليات.

ومن المؤكد أن جل شخصيات نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة كما في جل رواياته الأخرى مستوحاة من رجال ونساء عرفهم في فترات مختلفة من حياته. لذلك ظلّ دائم الحرص على ارتياد المقاهي الشعبية، وعلى حضور مجالس أسبوعية تؤمها شخصيات من مراتب اجتماعية متنوعة. ولم يكن المغربي محمد شكري ينكر أن أغلب الشخصيّات التي تحفل بها سيرته الذاتية وأيضا قصصه القصيرة تحيل إلى نساء ورجال عرفهم في طنجة، وتعرف عليهم في الحانات وفي الشوارع الخلفية حيث يعيش المشردون والنشالون والمنحرفون ونساء الليل.

وكشف الكاتب التونسي البشير خريف أن شخصية خليفة الأقرع في قصته الشهيرة التي تحولت إلى فيلم، تحيل إلى شخصية تعرف عليها في أحياء تونس العتيقة. كما أن جل شخصيات روايته “الدقلة في عراجينها” لا تختلف كثيرا عن رجال ونساء كانت تربطه بهم علاقة قرابة في مسقط رأسه نفطه التي غادرها وهو صبي في الثالثة من عمره.

وقبل سنوات هاجم جامعي تونسي معروف أخاه بتهمة أنه جعل من أفراد عائلته شخصيات في رواية له.

ومع انتشار ظاهرة الروايات المستوحاة من السير الذاتية، تكاثرت الإحالات إلى حياة شخصيات من أقارب ومعارف هذا المؤلف أو ذاك. وقد رفع الفيلسوف الفرنسي الكبير بول ريكور دعوى قضائية ضد كرستوفر دونير الذي أقام عنده فترة من الزمن ليكون شخصية في روايته التي حملت عنوان”روح الانتقام”. ورغم أن الرواية لم تكن مسيئة لسمعته فإن المحكمة حكمت لصالحه اعتمادا على الفصل القانوني الذي أقرته الدولة الفرنسية عام 1970 لحماية “الحياة الشخصية”.

ويقول فرنسوا بوران مدير دار نشر جوليار الفرنسية المعروفة إن القوانين كانت تستند في الماضي إلى السياسة والدين لمنع أعمال فنية أو أدبية أو فكرية، أما الآن فإن هذه القوانين تستند إلى المس من الحياة الشخصية لمحاكمة كاتب أو فنان. ويحدث هذا حتى في البلدان الأكثر انفتاحا وتحررا. وخشية التعرض للمحاكمة اضطر عدد من الكتاب إلى حذف فصول من أعمالهم تحيل إلى أقارب ومعارف.

14