الأقباط بديلا عن الإخوان

الاثنين 2017/01/09

الأنظمة المتعاقبة في مصر درجت على توظيف التيار الإسلامي واستخدامه سياسيا، ولم تحلْ الصدامات التي وقعت على مراحل متقطعة، بين مهادنة قطاع لضرب قطاعات أخرى، لكن ما يجري الآن من تصورات وتصرفات حيال السلفيين، يشي بالاتجاه نحو قطيعة طويلة مع هذا التيار عموما.

الحاصل أن شهر العسل بين الدولة والسلفيين، والذي بدأت تظهر ملامحه مع اندلاع ثورة 30 يونيو 2013، آخذ في الزوال عقب انتهاء دورهم السياسي وعدم قدرتهم على الخروج من الخندق الذي حشروا أنفسهم بداخله منذ فترة، كما أن اقترابهم من السلطة، بصورة غير مباشرة، أرسل انطباعات كبيرة بأنهم أصحاب حظوة وباستطاعتهم التمدد عبر المنابر الدينية، وهو ما عجّل باتخاذ سلسلة من الإجراءات لوقف زحفهم سياسيا.

الإجراءات أو السياسات الإقصائية التي اتُخذت، تبدو شبيهة بما جرى مع جماعة الإخوان، التي نجحت أجهزة الدولة في قصقصة غالبية أجنحتها الاقتصادية والاجتماعية وأذرعها السياسية طوال الفترة الماضية، وانتهت (تقريبا) لعبة التوظيف المتبادل التي كانت دائرة خلال العقود الماضية، سواء في فترة الهدوء أو التوتر.

فالطريقة التقليدية التي كانت تدار بها فقدت بريقها، وأصبحت كلفتها السياسية والأمنية باهظة، ولم تعد تنطلي على الكثيرين، لذلك لم يدم طويلا شهر العسل بين الدولة والسلفيين، ولم تنتظر الأولى سنوات طويلة، كما حدث مع الإخوان، لتستفيق على كابوس جديد، يمكن أن ينغّص حياة قطاع كبير من المواطنين.

في المقابل، بدأت مؤسسات الدولة المصرية، عملية “تدليل سياسي منظم” مع الأقباط، ظهرت معالمها خلال الأيام الماضية، في الحفاوة التي أبداها الرئيس عبدالفتاح السيسي في الأعياد، والغضب الذي بدا عليه في الأحزان، الأمر الذي يمكن تفسيره بأن النظام المصري حريص على الاحتفاظ بالسبيكة المسيحية إلى جواره، باعتبارها قاعدة شعبية كبيرة ومتماسكة، وقفت إلى جانبه، وحريصة على استمرار وقوفها إلى جواره، في وقت بدأت سبائك أخرى تنفضُّ من حوله.

الرعاية الظاهرة في تصرفات دوائر رسمية كثيرة لها دوافعها المتعددة، فالأقباط مواطنون مصريون، يشعر أغلبهم منذ فترة بالغبن، ويريدون تطمينات تزيل عنهم هذا الهاجس المؤلم، كما أن دورهم الفاعل في الاقتصاد، بحكم امتلاك عدد كبير من رجال الأعمال المسيحيين نسبة مرتفعة من الثروة في مصر، يجعلهم محل تقدير، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية حادة.

لكن الزاوية التي تشغل بال النظام المصري، هي الخوف من أن تتحول الميزة الشعبية للأقباط، كإضافة إيجابية، إلى عنصر سلبي يخصم من رصيده، في ظل الاستهداف المتعمد من قبل المتشددين والإرهابيين للمواطنين المسيحيين وكنائسهم، وما لم تكن هناك ترضيات معنوية مناسبة من رئيس الدولة، سوف ينفلت العقال، وتتزايد عمليات الاستهداف، ومردودياتها على المستوى الداخلي والخارجي.

على الصعيد الأول، يمكن أن يتسع نطاق المواجهات الفردية، بين مسلمين وأقباط، ويأخذ اتجاها جماعيا، ما لم تكن أجهزة الدولة قابضة على زمام الأمور بصورة جيدة، ولديها من الإجراءات ما يكفل لردع من تسوّل له نفسه الاعتداء على قبطي، فضلا عن عدم التهاون في الحفاظ على حقوقهم التي تصوروا أنها مهضومة، لذلك سمحت الحكومة بتمرير قانون بناء الكنائس، الذي تعطلت الموافقة عليه سنوات طويلة، وهو ما أصبح دليلا قاطعا على حُسن نية النظام الحاكم تجاه الأقباط.

على الصعيد الخارجي (الثاني)، يحاول النظام المبالغة في رعاية الأقباط، خوفا من أن يتم استثمار بعض الأحداث وتضخيمها، ومنحها بُعدا دوليا، في زمن تعاني فيه الدولة المصرية من مشكلات كبيرة، وتحاول بعض الجهات تصيّد الأخطاء لها، لزيادة الضغوط الواقعة على النظام، بالتالي ما يوصف بـ“التدليل السياسي” قد يكون مفهوما في هذا السياق.

لأن تسرب الشعور بعدم الثقة لدى المواطنين الأقباط وقيادتهم الكنسية، يمكن أن يوجد لغضبهم ملاذا سهلا في الخارج، خاصة أن هناك جناحا مسيحيا يعمل على الإيحاء بأن أقباط مصر جزء من مسيحيي العالم، وتحق لهم الرعاية، وربما الوصاية عليهم، لذلك لا يريد الرئيس السيسي الوصول إلى هذه النقطة، ويسعى بكل الطرق إلى سد المنافذ، عبر الاستجابة لمطالب الأقباط، حتى لو تمت المبالغة في بعضها.

الأمر بهذه الصورة أيضا لا يخلو من مآرب سياسية، فالدور الاجتماعي الذي كانت جماعة الإخوان تقوم به، يمكن أن يقوم به الأقباط المقتدرون ماديا بطريقة أكثر سلاسة، ويخرج نطاق اهتمامهم بالمواطنين المسيحيين إلى عموم المصريين، وتجنب تجربة التيار الإسلامي بفروعه المختلفة ومراراتها الاجتماعية.

وهنا يمكن أن تكون المواطنة معيارا أصيلا في تقديم المساعدات والمعونات، وعدم اقتصارها على فئة بعينها، درءا للفتن الطائفية، التي تتغذى على بعض الاحتقانات التقليدية، ولا أدري، هل هذا الاعتبار يدور في ذهن أصحاب القرار في مصر أم لا؟

في كل الحالات يمكن أن يكون الأقباط بديلا جيدا للإخوان، وسد الفجوات والثغرات القاتمة التي كانت تنفذ منها الجماعة، أو رديفا لها، بمعنى تكرار للمأساة السياسية، فيتحول هؤلاء إلى مشكلة قد تكون عصية على الحل مستقبلا.

إذا استوعب الأقباط فكرة المواطنة بمفهومها الشامل وخرجوا من إطار التحيّز الطائفي، يمكن أن يتحول دورهم من مفعول به إلى فاعل مؤثر، ويدركوا أن المساندة والتعاطف الرسمي يجب وضعهما في إطارهما الوطني، بحسبانهما محاولة للتصحيح وليسا استجابة للضغوط، ولا يتم التعامل معهما على أنهما ابتزاز تنجم عنه سلسلة أخرى قد تؤدي تلبيتها إلى مشكلات ربما تُدخل الدولة في دوامة يخسر فيها المجتمع برمته.

وفي هذه الحالة، سوف يجد المتشددون في التيار الإسلامي فرصتهم للمزايدة على النظام المصري، بذريعة اتهامه بنصرة الأقباط على حساب المسلمين، ما يضاعف من صعوبة خياراته، وبالتالي ففكرة الأقباط بديلا للإخوان سوف تصبح محفوفة بالمخاطر، والأجدى أن يتم اتخاذ جملة من السياسات التي ترفع من شأن المواطنة، ليكون المصريون جميعا (مسلمون ومسيحيون) بديلا للإخوان.

كاتب مصري

8