الأقباط والسيسي.. مساندة صريحة تشوبها تحفظات غير معلنة

الأقباط في مصر يؤكدون على تصويتهم للرئيس عبدالفتاح السيسي في انتخابات الاثنين المقبل رغم بعض الانتقادات التي غالبا ما لا يفصحون عنها بشكل علني.
الخميس 2018/03/22
المودة تسمح ببعض العتاب والتحفظات

القاهرة - الانتخابات الرئاسية المصرية على بعد أيام قليلة، والنتيجة محسومة لصالح الرئيس المنتهية ولايته، ومن هنا يتأتى منطق أولوية الأخذ بآراء المساندين قبل المعارضين، خصوصا إذا كانوا ينتمون إلى مكوّن اجتماعي طالما استهدفه الإرهابيون تحت ذرائع تكفيرية عديدة وظالمة، من بينها مساندتهم لخصمهم السياسي اللدود عبدالفتاح السيسي، وهو ما يثير السؤال الأصعب: ما هي حدود المساندة كفئة أو كيان من حدود الحرية في المعارضة كمواطنة وحقوق يكفلها الدستور؟

حي شبرا المعروف في القاهرة يزدحم باللافتات المؤيدة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في انتخابات الاثنين المقبل. وسواء وضعت على هذه اللافتات صورة الرئيس بمفرده أو إلى جوار صورة البابا تواضروس الثاني، فإنها تملأ شوارع شبرا الحي المشهور بكثرة قاطنيه من المسيحيين، وهو حي مزدحم بالسكان مثل معظم أحياء القاهرة.

يؤكد الأقباط القاطنون هناك أنهم سيصوّتون للرئيس السيسي في انتخابات الاثنين المقبل رغم بعض الانتقادات التي غالبا ما لا يفصحون عنها بشكل علني في البلد الذي ما تزال تشتد فيها القبضة الأمنية بسبب شدّة الحذر والتأهب لعمليات إرهابية متوقعة.

 

الأقباط في مصر يؤيدون في أغلبهم الرئيس عبدالفتاح السيسي، دون الدخول في مشقة التحليل والبحث عن الأسباب التي تبدو واضحة إذا ما نظرنا في المجازر التي نفذها الإسلاميون من خصوم السيسي ضد المسيحيين ومنشآتهم من ناحية، وكذلك إلى الاهتمام الواضح الذي أبداه السيسي تجاه الأقباط، من ناحية أخرى، لكن هذا كله لا ينفي وجود الكثير من التحفظات والاعتراضات التي يُبديها الكثير من الشباب على وجه الخصوص إزاء سياسة السيسي، والتي لا يكفي أن تتصدى للخطر الإرهابي وحده كي تكون صائبة.

الأسباب التي تدفع الأقباط للتصويت للسيسي، تبدو واضحة، وهي ضمان العيش في دولة توفر لهم الأمن والأمان وتجنبهم التهديدات الإرهابية التي يأتي على رأسها الإسلاميون بمختلف فصائلهم وتلويناتهم، لكن الإفصاح والتعبير عنها يأخذ أسلوبا تعميميا، ويأخذ طابعا شعبيا وعاطفيا مثل قول إدوارد توفيق (60 سنة) صاحب مقهى يتكون معظم روّاده من المسيحيين “السبب الأول الذي يدفعنا للتصويت للسيسي هو أنه لا يوجد رجل مثله في الوقت الراهن”.

وبالفعل وبصرف النظر عن هذه اللهجة الحماسية، فإن السيسي، ومنذ وصوله إلى السلطة عقب الإطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي عام 2013 إثر تظاهرات كبيرة طالبت برحيله، قد ضاعف بوادر العناية والانفتاح على المصريين الأقباط.

ولا يفوت الرئيس المصري الذي طالما دعا إلى تجديد الخطاب الديني الإسلامي، فرصة للظهور إلى جوار بابا الأقباط تواضروس الثاني. ويقول المتحدث باسم الكنيسة القبطية بولس حليم، في هذا الصدد “إن العلاقات بين الرجلين ممتازة”.

ويضيف حليم “نحن لا ندعو الناس إلى التصويت لشخص بعينه ولكن إلى المشاركة في الانتخابات”. ويشكّل احتمال العزوف عن المشاركة المشكلة الوحيدة في هذا الاقتراع الذي سيجرى ما بين 26 و28 مارس الجاري إذ لا يواجه السيسي أي منافس حقيقي وجاد.

ويؤكد الأب حليم أن غالبية الأقباط يدعمون السيسي، مشيرا إلى أهمية الإجراءات الأمنية القوية التي اتخذها عقب كل اعتداء استهدف الأقباط، وإلى مساندته وتشجيعه لبناء كنائس في المدن الجديدة.

ومن بين هذه الكنائس الجديدة، تم تشييد أكبر كاتدرائية في مصر في قلب العاصمة الإدارية الجديدة وسط الصحراء بشرق القاهرة. وتم افتتاح هذا المشروع الذي يعتز به السيسي مطلع العام الجاري في عيد الميلاد الذي يحتفل به الأقباط في السابع من يناير.

ويقدر عدد الأقباط بحوالي 10 بالمئة من 96 مليون مصري. ولا يصل الأقباط بسهولة إلى مناصب عليا في مصر ويشكو الكثير منهم من التهميش خاصة في محافظات الصعيد النائية.

وعاش الأقباط المصريون في خوف وترقّب في ظل حكم مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين بعد انتخابه في العام 2012 بسبب خشيتهم من ممارسات مناهضة للمسيحيين في ظل اتساع نفوذ السلفيين الذين تحالفوا سياسيا مع جماعة الإخوان.

غالبية الأقباط تدعم السيسي، ولكن يوجد جزء منهم ضده، وتؤكد أن الأقباط لا يصوتون ككتلة واحدة

وأيد الأقباط بقوة الرئيس السيسي، عند إطاحته بمرسي خصوصا أنه تعهد بإعادة الأمن إلى البلاد وهي مسألة أساسية بالنسبة لهم بعد تزايد الاعتداءات ضدهم في الأشهر الأخيرة.

وكان قد قتل أكثر من 100 شخص منذ ديسمبر 2016 في اعتداءات ضد المسيحيين تبنّتها عصابات الدولة الإسلامية. وهاجم التنظيم عدة كنائس وحافلة تقل أقباطا كانوا في طريقهم لزيارة أحد الأديرة، هذا بالإضافة إلى قوات الأمن التي عادة ما دأب على مهاجمتها.

ويشيد الأقباط بالردود الأمنية والعسكرية الحازمة التي قامت بها الدولة عقب هذه الهجمات ولكن خلال الجنازات التي تلت
هذه الاعتداءات كانوا يطلقون العنان لغضبهم، وهو ما يمكن تصنيفه في خانة العتاب واللوم وطلب المزيد من الرعاية والحماية.

وتقول أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة نيفين مسعد، إنه ومع عدم وجود استطلاعات رأي في مصر، يصعب معرفة حجم تأييد الأقباط للسيسي بدقة. وتضيف “صحيح أن غالبية الأقباط تدعم السيسي، ولكن يوجد جزء منهم ضده” وتؤكد أن الأقباط لا يصوتون ككتلة واحدة كما يتراءى للبعض.

وفي الأوساط الشبابية المُسيّسة على وجه الخصوص، تظهر بعض المواقف المعارضة لسياسة السيسي وموقف الكنيسة إزاء نظام الحكم، ولكن بنوع من الاستحياء.

ويقول الناشط بيشوي تمرى، عضو اتحاد شباب ماسبيرو وهي منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المواطنة للأقباط التي نشأت عقب ثورة 2011 إن “الكنيسة لا تمثّل كل المسيحيين”.

ويضيف “إننا نرفض استغلال الكنيسة لأغراض سياسية”. ويأسف لأنّ “كثيرا من منظمات المجتمع المدني، لم تعد تستطيع أن تعمل بنشاط بسبب التضييق الأمني” حسب رأيه.

كثيرون في شبرا، ذات الأغلبية المسيحية يشيدون بالرئيس عبدالفتاح السيسي، وذلك ليس بدافع الخوف والاحتياطات الأمنية وحدها كما يروّج المعارضون من الإسلاميين، ولكن لأنّ أسبابا منطقية وموضوعية كثيرة تبرر ذلك وسط مجتمع ينشد الأمن والاستقرار وأمام مؤشرات حقيقية تبيّن مدى التطورات وحالات النمو الاجتماعي والاقتصادي.

وفي هذا الصدد، تقول إنجي كيرولس، وهي أم شابة في الحادية والعشرين من عمرها “أتمنى أن يوفر السيسي الأمن للبسطاء والفقراء وأن يوفر لهم حياة كريمة”. ولا تجد إنجي إلا كلمات المديح والإطراء عند الحديث عن السيسي وتعتزم المشاركة في الانتخابات للتصويت له.

13