الأقباط وضرورة وجود الدولة الضامنة لحرية المعتقد

لا شك أنّ الأقباط مكوّن أساسي من مكونات المجتمع المصري، ولا يمكن قيام أي حراك سياسي أو اجتماعي دون أخذهم في الحسبان، لكنّ تغوّل الإسلام السياسي يضعهم في كل مرّة في موضع إعادة التفكير والنظر في تموقعهم من جهة الخوف على كنائسهم وحرياتهم الدينية أو حتى الانصياع لتطمينات تريد أن تعاملهم كأقلية مستضعفة. وتبقى قوة الدولة هي الضامن الوحيد والمظلّة التي يجب أن تكون الأعلى والأوسع من الجميع، بدل الحلول المجزأة والمرتبكة في التشريعات والأعراف.
الاثنين 2016/05/23
لا أحد يحمي الأقباط غير قوة الدولة

القاهرة - تتعدد التيارات الإسلامية في مصر من حيث توجهاتها من الوسطيّة إلى الراديكالية، ونظرتها إلى الآخر، وشكل الدولة ومعاملتها للمرأة وتقييمها للديمقراطية، ولعلّ أبرز القوى الإسلامية التي برزت في مصر بعد 25 يناير 2011، تمثّلت في جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين.

ولعبت جماعة الإخوان دورا محدودا خلال أحداث يناير، بينما عارض المنتمون للتيار السلفي الثورة في بداياتها، بل حرّموا الخروج على الحاكم حتى وإن كان ظالما.

وعلى الرغم من تطمينات الإسلاميين للأقباط، فإنه لا يمكن الفصل بين الصعود المتنامي للإسلاميين وطبيعة الأحداث الطائفية في مصر بعد الثورة، خاصة في ظل التزامن بين الحدثين، وفي ضوء بعض التصريحات التي تثير مخاوف الأقباط وتدفع بهم إلى العزلة، فالاعتداءات على دور العبادة المسيحية وعلى ممتلكات الأقباط وقطع أذن قبطي وغيرها، كلها حوادث لها دلالة خاصة بعد تتبع موقف القوى الإسلامية على المستويين السياسي والشعبي. وخوف الأقباط في ضوء صعود التيار الإسلامي دفع بهم إلى العودة إلى أسوار الكنيسة والعزلة من جديد، وذلك رفضا لفكرة الحاجة إلى الإخوان المسلمين بقصد ضمان سلامة الأقباط، لأنها الفكرة التي تكرس أن المجتمع لا يزال يريد إبعاد المسيحيين وعزلهم عن مسار التطور السياسي والاجتماعي في مصر خاصة أنهم لا يمثلون جماعة سياسية أو حزبا، ممّا قد يعرضّهم لخطر المساومة، وذلك لعدم التكافؤ أمام قوة وتنظيم جماعة الإخوان المسلمين.

وكرّس صعود القوى الإسلامية في ضوء تراخي قوة الدولة وتراجع النظام عن تبني ذات السياسات التي كان يتبناها نظام مبارك، الاحتماء بالدين من قبل المسلم والمسيحي، وحلّت الجلسات العرفية محل الحوارات الوطنية، وجاءت الحلول التصالحيّة بديلة للإرادة السياسية الحقيقيّة للحفاظ على قيم الثورة وبعض شعاراتها التي تحولت من “ارفع رأسك أنت مصري” إلى “ارفع رأسك أنت مسلم”.

وشهدت انتخابات برلمان 2011 إقبالا جماهيريا شعبيا غير مسبوق من قبل الشرائح والفئات المجتمعية كافة، سواء المسيّسة أو غير ذلك، وحشد التيار الإسلامي بمختلف تفريعاته وتنويعاته عددا ضخما من المرشحين في مواجهة التيارات الليبرالية والعلمانية والمستقلين، فما كان لهذا الاستقطاب السياسي ذي التأطير الديني، إلاّ أن واجهه استقطاب سياسي وديني مماثل.

على الرغم من اتساع القاعدة التصويتية للأقباط خلال الانتخابات البرلمانية، فإنه على مستوى الفائزين من المرشحين الأقباط، لم ينجح سوى ستة

وارتأت الكنيسة فرصة كي تستعيد سلطتها وسطوتها السياسية على تابعيها في تزامن مع شعور شعب الكنيسة بأنها باتت الملاذ وأنّ شعار “الوطن قبل الكنيسة” بات محالا معايشته في ظل الاستقطاب الديني والمناخ الطائفي المشحون وفقا للأحداث المتواترة، وحاولت الكنيسة دعم عدد من المرشحين المستقلين فرادى من الأقباط والمسلمين، مع دعم قائمة الكتلة المصرية باعتبارها ائتلافا لعدد من الأحزاب الليبرالية لمواجهة الاستقطاب الإسلامي المقابل، وذلك بالمشاركة مع عدد من النشطاء المسلمين والمسيحيين، كمحاولة لتقنين القوائم والأسماء الكثيرة لمساعدة المواطنين في إطار المشاركة المجتمعية “من دون إلزام المواطن باختيار القوائم المطروحة من قبل أي جهة”، ولكن كنوع من التسهيل والتحديد خاصة أن الكنيسة يتوقف دورها على التوعية والحث على النزول إلى الانتخابات من دون تأييد شخص بعينه، لأنّ من اختاروا كانوا نشطاء وعلمانيين وليسوا رجال دين.

وعلى الرغم من اتساع القاعدة التصويتية للأقباط خلال الانتخابات البرلمانية، فإنه على مستوى الفائزين من المرشحين الأقباط، لم ينجح سوى ستة أقباط جميعهم جاؤوا على رأس قوائم بنسبة 1 بالمئة من إجمالي النواب المنتخبين، بالإضافة إلى خمسة نواب من المعيّنين، ليكون مجموع النواب الأقباط في البرلمان 11 نائبا.

وفي إطار تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور والانقسام الذي حدث حول دستورية تشكيلها، أصدرت الكنيسة بيانا رسميا من المجمع المقدس وهيئة الأوقاف القبطية في مارس 2012، أبدت فيه ملاحظاتها حول صياغة الدستور، وجاء فيه “إنّ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بصفتها مؤسسة مصرية وطنية، ومن منطلق حرصها على أن يكون الدستور المصري معبّرا عن رغبات جميع القوى السياسية وأطياف الشعب بمختلف انتماءاته وتوجهاته، واحتراما من الكنيسة لما هو منصوص عليه في المواثيق والمعاهدات الدولية، وحفاظا على تراث مصر التاريخي الإنساني العريق، تؤكّد على ضرورة مراعاة حقوق الإنسان المستلهمة من الشرائع الدينية والمعايير الدستورية الصحيحة عند وضع الدساتير”.

ولعل هذا القرار قد خرج بطريقة تستحق الإشادة، لأن القرار صدر عن “المجلس الملّي” وليس “مجمع الأساقفة”، وذلك في إشارة إلى الخروج عن أسلوب البابا “شنودة” في إدارة الشؤون السياسية، بعد طلب باخوميوس، القائم مقام انعقاد المجلس الملّي، وتوضيح رؤيته واتخاذ قراره الذي يراه بشأن ممثلي الكنيسة في اللجنة التأسيسية بعيدا عن سلطة أو تدخل رجال الدين.

13