الأقبية ملاذ إجباري تستحيل فيه الحياة لسكان غوطة دمشق

أهالي منطقة الغوطة في دمشق يجبرون على الحياة في الأقبية تحت الأرض  ليظلوا محاصرين  فيها غير قادرين على الخروج بسبب القصف المحيط بهم.
الجمعة 2018/02/23
حياة الأقبية لا تختلف عن حياة الزنازين

مديرا (سوريا)- تنهمك أم جمال في الأعمال المنزلية من طبخ وتنظيف أوان وغسيل ثياب في قبو بارد مفروش بالحصى حولته إلى منزل لعائلتها الصغيرة بعدما طال قصف قوات النظام منزلها في بلدة مديرا في الغوطة الشرقية المحاصرة قرب دمشق.

وعلى غرار أم جمال، انتقل الكثيرون من سكان مدن وبلدات الغوطة الشرقية، إلى الأقبية غير المجهزة بعدما دمرت غارات ومدافع قوات النظام منازلهم، بينما يتخذ آخرون منها ملجأ مؤقتا لتفادي القصف الذي يستهدف أحياءهم وأسواقهم. وانتقلت أم جمال (56 عاماً)، وابنها الشاب وابنتها من ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى القبو قبل أكثر من شهر ونصف الشهر خلال إحدى حملات التصعيد في القصف على الغوطة الشرقية.

وتقول المرأة السمراء بعباءة سوداء اللون وحجاب محكم حول وجهها “لم نصعد إلى البيت ولو مرة واحدة، نحن هنا ليلا ونهارا”، مضيفة “قُصف منزلنا فهربنا وأتينا إلى هنا، ثم ضرب مجددا أثناء وجودنا هنا فانهار تماماً ولم يعد صالحا للسكن”. ووضعت أم جمال وابنها ألواحاً من الزنك في وسط القبو ليأخذ شكل غرفة صغيرة. وتتابع “عندما تبدأ الطائرة بالتحليق، يأتي جيراني إلى هنا أيضا. وحين يهدأ القصف، يعودون إلى بيوتهم، وأبقى أنا وولداي هنا في القبو”.

وتخرج أم جمال من القبو بين الحين والآخر وتقصد منزلها المدمر لجلب الأخشاب والمياه، تقطع الحطب بفأس صغير، ثم تأتي ببعض العبوات الفارغة لتملأها بالمياه، قبل أن تعود مجدداً إلى ملجئها. وتقول أم جمال “نعيش بالصقيع والبرد تحت الأرض”، وتشير إلى حائط خلفها تتسرب منه مياه الصرف الصحي للمبنى فوق القبو.

أمام خيمة صفراء صغيرة ومتسخة، تقطع أم جمال الأخشاب وتضعها تحت موقد صنعته بنفسها من عبوة حديدية، تغلي عليه القهوة قبل أن تبدأ بجلي الأطباق، ثم رفع الغسيل على حبال طويلة.

حياة معدومة
حياة معدومة

وتشير أم جمال إلى الخيمة خلفها وتقول “ننام كلنا في الخيمة محشورين، لا تتسع لنا”. ولم يبق لأهالي الغوطة سوى الأقبية تحت الأرض ملاذاً لهم، لكنهم يجدون أنفسهم محاصرين فيها غير قادرين على الخروج على وقع الغارات والقذائف المحيطة بهم.

وخلال الحملة الأخيرة خلت منازل كثيرة في دوما من أصحابها بعدما لجأوا إلى الأقبية، ويستغل هؤلاء لحظات قليلة من الهدوء للبحث عن متجر يشترون منه البعض من المؤن أو ليتفقدوا منازلهم.

وصباح الخميس خرج البعض من الملاجئ مستغلين غياب الطائرات نتيجة الأمطار، وتجمع البعض في حمورية أمام متجر وحيد فتح أبوابه، ولكن سرعان ما تفرق الجمع إثر سقوط قذائف عند أطراف الشارع. في قبو آخر بمنطقة مديرا تجتمع نساء متشحات بالسواد وأطفال في غرفة صغيرة على وقع تحليق الطائرات.

وللفرار من القصف الذي اعتادوا عليه، أنشأ سكان الغوطة الشرقية مدارس وملاهي للأطفال تحت الأرض ليتيحوا للأطفال التعلم واللعب دون خوف، كما أنهم ينظمون العديد من فعالياتهم (اجتماعات، موائد إفطار خلال شهر رمضان…) في الأقبية.

في مدينة عربين التي تطغى عليها مشاهد الدمار من أبنية باتت ركاما وأخرى سقطت جدرانها، اتخذت عدة عائلات من مدرسة تحت الأرض ملجأ لها. ويتألف قبو مدرسة “دار السلام” من عدة قاعات تدريس طليت جدرانها بالألوان الفاتحة ورُسمت عليها الورود، فضلا عن ساحة في الوسط تُستخدم عادة لاستراحة الطلاب.

ولكن تغير المشهد اليوم، وباتت المدرسة بمثابة منزل جماعي تنتشر فيه الفرش والأغطية ومواقد الطبخ، وتحولت ألعاب الأطفال إلى حبال لنشر الغسيل. وانتقلت أم عبدو (53 عاما) إلى المدرسة منذ نحو شهر ونصف الشهر بعدما دُمّر منزلها. تقول “نحن مقيمون حاليا في غرفة عرضها متران ونصف المتر، تعيش فيها 14 امرأة وطفلا ولا توجد فيها حمامات للاستحمام”.

ليس أمام أم عبدو حاليا خيار آخر، وتكتفي بالقول “بيتي دُمّر، الحمد لله نحن صابرون صبراً فوق صبر”. في غرفة صغيرة تكومت في زاويتها الأغطية، تجتمع أم عبدو ونساء أخريات للطهي فوق مدفأة لعدم توفر موقد، يضعن عشبة الخبيزة في مياه مغلية على مدفأة، وتستطرد إحداهنّ “نسلقها، لأن ليس لدينا زيت، حتى الخبز لم نتمكن من تأمينه”. وفي غرفة أخرى، يتكدس العشرات من الأطفال في غرفة، حيث يستمعون لدرس في الرياضات.

وتغرورق عينا يسرى علي (46 عاما) بالدموع وهي تتحدث عن معاناتها مما تصفه بـ”حياة الأقبية”. وتقول المرأة التي تعاني من أحد أمراض القلب وخضعت في السابق لعملية جراحية، “لا أجد الدواء (…) لا شمس ولا هواء، نشعر بأن أنفاسنا انقطعت، حياتنا هنا معدومة”.

20