الأقربون أولى

الأحد 2017/10/01

حديث في ألمانيا اليوم إلاّ عن إقالة الإيطالي كارلو أنشيلوتي من تدريب بايرن ميونيخ، فهذا القرار طغى على كل الأخبار الأخرى، إذ بات الحديث عن تلك الخسارة الموجعة ضد الفريق الباريسي بثلاثية كاملة مسألة ثانوية، بل إن أغلب متابعي الكرة في ألمانيا لا يفكّرون البتة في أن منتخب بلادهم سيضمن تأهله للمونديال الروسي بقدر تفكيرهم وانشغالهم بأحوال الفريق البافاري الذي اتخذ مسؤولوه قرارا تاريخيا بعد إبعاد أنشيلوتي، إذ ليس من تقاليد البايرن وشيمه أن يقيل مدربا في بداية الموسم أو منتصفه، لكن هذا الأمر حدث مع أحد المدربين الخبيرين بدوري أبطال أوروبا.

الحديث عن هذا القرار البافاري ربما يستوجب العودة قليلا إلى الوراء فقبل فترة قليلة وتحديدا قبيل انطلاق الموسم الرياضي في ألمانيا قلنا إن مصير أنشيلوتي مرتبط أساسا بالنجاح في المسابقة الأوروبية وربطنا بقاءه بالحصول على اللقب الأوروبي الغالي إذ لم تعد التتويجات المحلية مصدر إغراء لمسؤولي البايرن وعشاقه.

غير أن ما حدث مع أنشيلوتي في بداية الموسم جعله يدفع الثمن غاليا ويغادر أسرع ممّا كان متوقّعا ليكون قرار إقالته متوقعا لدى العارفين بخبايا الأمور في الفريق، فالجميع يدرك أن البايرن قادر على النهوض من جديد محليا رغم عثراته التي أبعدته سريعا عن الصدارة، لكن الجميع أدرك أيضا أن حبل الود انقطع نهائيا مع الفني الإيطالي الذي بات لدى العديد من المقربين والمؤثرين في الفريق “العدوّ” الأول والحلقة الأضعف في “الفسيفساء” البافارية الحالية، فكان لا بد من التعجيل في استصدار قرار الإقالة قبل أن تعبث “عواصف” المغامرة الأوروبية أكثر بسفينة الفريق. أنشيلوتي غادر غير مأسوف عليه خاصة وأن إدارة النادي تفطنت منذ الموسم الماضي أنها أخطأت التقدير بتعاقدها مع هذا المدرب رغم تتويجاته السابقة مع عدة فرق قوية في أوروبا، وخرج الفريق البافاري بحصيلة هزيلة في أعقاب الموسم الذي اكتفى خلاله الفريق بلقب الدوري المحلي فقط، ولم ينجح في تحقيق الهدف المنشود ألا وهو الحصول على لقب دوري الأبطال.

لقد تفطنت إدارة النادي إلى أنها أخطأت التقدير لأن أسلوب أنشيلوتي وفكره التكتيكي لا يتماشى مع خصوصيات الفريق، لكن الأكثر من ذلك أنه قطع حبل الود والتواصل مع عدد من أبرز لاعبي البايرن، فأنشيلوتي لم يحسن استثمار موهبة توماس مولر قبل أن يتجاهل أبرز ثنائي في الفريق ونعني بذلك روبن وريبيري.

فضلا عن ذلك فإن عددا آخر من اللاعبين تذمّروا من طريقة تعامل أنشيلوتي معهم، فكان القرار المحتوم هو إبعاد أنشيلوتي والتضحية به عوض التضحية بعدد كبير من اللاعبين الذين كانوا في وقت قريب، وتحديدا مع المدرب السابق بيب غوارديولا، من الأركان الأساسية التي لا يمكن المساس بها في تركيبة الفريق.

بيد أن السؤال الذي يطرح حاليا هو من يأتي بعد أنشيلوتي؟ ومن هو الأقدر على إعادة قاطرة الفريق البافاري إلى المسار الصحيح؟

اليوم يمكن التأكيد على وجود قناعة تامة لدى مسؤولي البايرن بضرورة الاستنجاد بمدرّب ألماني، فتجربة ابن البلد يوب هانكس ما زالت عالقة في الأذهان، خاصة وأنه قاد الفريق للتتويج بآخر لقب في المسابقة الأوروبية المجيدة وتحديدا سنة 2013 على حساب مواطنه بوروسيا دورتموند، والمنطق يفرض اليوم العودة للتعامل مع المدرسة المحلية بعد فشل الإسباني غوارديولا والإيطالي أنشيلوتي في تحقيق المراد.

يمكن القول أيضا إن إدارة النادي أدركت أن النجاح الأوروبي لا يتحقــق إلاّ من خلال التعاقد مع مدرب ألماني، وباتت مقتنعة بأن فكرة التعامل مع مدرب من مدرسة مختلفة عن واقع الكرة الألمانية لا يرجى منها أيّ خير، والدليل على ذلك أن أغلب الكؤوس التي حصدها البايرن أوروبيا كانت من صنع مدربين ألمان، وهو ما حصل مع هانكس وقبله هيتسفيلد سنة 2001.

والأكثر من ذلك أن الكرة الألمانية لا تنجح إلاّ مع مدربين من أبناء البلد، فمنتخب “المانشافت” توّج باللقب العالمي الأخير بفضل الألماني يواكيم لوف، والمنتخب ذاته توّج بكأس العالم سنة 1990 بإشراف القيصر الألماني فرانز بيكنباور، ولأن التاريخ لا يخدع بل يقدم دروسا وحكما فإن الضرورة تقتضي إعادة النظر في مسألة التعامل مستقبلا مع مدربين أجانب.

وبما أن هدف النادي الأسمى هو العودة بقوة في منافسات دوري الأبطال والمراهنة على لقبها، فإن المنطق يقتضي التعامل مع مدرب ألماني، وفعليا انطلقت المفاوضات مع عدد من المدربين الألمان وربما تجد إدارة النادي الحلّ مرة أخرى لدى بوروسيا دورتموند، خاصة وأن هذا الفريق كثيرا ما كان أحد أهم الممولين للنادي البافاري باللاعبين الموهوبين مثل الهداف البولندي ليفاندوفسكي والمدافع مات هوميلس حاليا، وماريو غوتس على سبيل المثال سابقا وكذلك بالمدربين الموهوبين وتجربة هيتسفيلد في بداية الألفية تؤكد ذلك.

ربما جاء الدور اليوم على المدرب توماس توخيل مدرب بوروسيا دورتموند في المواسم الأخيرة، فعدد من الأطراف المؤثرة في البايرن تعتقد جازمة أن هذا الفني لديه من القدرة والكفاءة والحنكة ما يسمح له بمنح الفريق ما افتقده مع أنشيلوتي، والثابت أن المعادلة البافارية التي تغيرت كليا إثر نهاية حقبة المدرب الإيطالي سترتكز من هنا فصاعدا على قاعدة “الأقربون أولى..”.

كاتب صحافي تونسي

23