الأقزام.. مأساة أن تكون مختلفا في مجتمع النمط الواحد

قصار القامة مجبرون على عيش نصف حياة، واعتبار الأقزام من ذوي الاحتياجات الخاصة يمنحهم فرصة في وطنهم.
السبت 2018/03/24
القزامة لا تمنع النجومية

القاهرة - لا توجد إحصائيات رسمية عن الأقزام البالغين بغالبية الدول العربية، إلا أن الأمم المتحدة دقت ناقوس الخطر وحذرت من ارتفاع نسبة القزامة بصورة قياسية مستقبلا، ففي مناطق الحروب كاليمن يعاني ربع الأطفال البالغ عددهم 4.5 ملايين من التقزم، كذلك الحال بسوريا التي يعاني نحو 2.8 مليون طفل من سوء تغذية حاد في مناطق الاشتباكات.

وترتبط القزامة عالميا بالفقر، فآخر تقارير منظمة “اليونيسف” الصادر في 15 سبتمبر 2017، حذر من أن نحو 155 مليون طفل في العالم دون سن الخامسة يعانون من قصر القامة ينتشر معظمهم في الدول الفقيرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بسبب نقص وسوء التغذية في السنوات الثلاث الأولى من العمر.

 

لا نراهم كثيرا، لكنهم يعيشون بيننا معاناتهم على اختلاف جنسياتهم واحدة، النظرة واحدة والتهميش واحد.. إنهم الأقزام الذين يعانون في بعض المجتمعات العربية من إحساس بالظلم لعدم تقبلهم واستيعابهم كجزء من المجتمع، ويحمل هؤلاء في قلوبهم أملا بأن تتغير الصورة القاتمة وتتحسن أوضاعهم

من يكونون

في أحد شوارع القاهرة، قد تصادف مجموعة من الأقزام “حائرين” يعرفون الوجهة التي ينطلقون إليها، لكن لا يستطيعون الوصول، فلا توجد وسيلة مواصلات واحدة يمكنهم استقلالها بسهولة، حتى أرصفة الطرقات لا تناسب سيقانهم القصيرة لقطع العشرات من الأمتار من أجل العبور للجانب الآخر فقط.

ولدى قصار القامة إحساس “دفين” بأنهم جزء من المجتمع، يحاولون التمسك بذلك الإحساس في قلوبهم الصغيرة، أرجلهم ترفض الاقتناع حينما تطاردهم مجموعة من الصبية بالحجارة في المناطق الشعبية، أو يحرض شباب طائشون بعض حيواناتهم الأليفة لمطاردتهم للاستمتاع بعجزهم عن الجري والهروب.

الكثير من الأقزام، الذين يتراوح طول كل واحد منهم بين 70 و130 سنتيمترا بحثوا كثيرا عن فرص عمل، بعضهم تلقى ردودا مهذبة بالرفض، والبعض الآخر يتداوى نفسيا من الإهانة والاستهزاء في كل مرة يرغب فيها في التوظيف، لكنه لا ييأس ويظل يحاول.

ويرى هؤلاء أن الموروثات الشعبية الدارجة بالمجتمع تظلمهم بالعشرات من الأمثال الدارجة بداية من “اتق شر كل من اقترب من الأرض”، ومرورا بـ”الطول هيبة والقصر خيبة”، ونهاية بـ”كل قصير مكير (ماكر)”، في ارتدادة ثقافية تخالف تماما المصريين القدماء الذين كرموا قصار القامة ومنحوهم مناصب سياسية وصلت إلى درجة الكهنة.

والتمييز الذي يعاني منه قصار القامة بمصر ليس قاصرا عليهم، ويشاطرهم في الهم المعاقون وذوو القدرات العقلية الخاصة، لكنهم أقل تعاطفا من المجتمع الذي يرفض منحهم أبسط حقوقهم في العيش بكرامة والتنقل بحرية.

وبات من المتوقع أن يتغير نمط تعامل الحكومة مع الأقزام بعد أن تم اعتبارهم من ذوي الإعاقة، الأمر الذي يمنحهم فرصة للحصول على نسبة من وظائف المُعاقين بالمؤسسات الحكومية المُقدًّرة بنحو خمسة بالمئة.

ويلزم قانون ذوي الإعاقة وزارة التربية والتعليم بمحو أمية من فاتهم سن التعليم، والإعفاء الضريبي والجمركي لسياراتهم بجانب تخصيص خمسة في المئة من الوحدات السكنية، لكن تظل اللائحة التنفيذية للقانون التي يتم إعدادها حاليا هي المحك الرئيسي.

ولا يرى الأقزام فرصة عمل إلا بالقطاع الحكومي في مصر، فرغم توقيع جمعيتهم اتفاقا مع وزارة القوى العاملة التي تنشر نشرات دورية للوظائف المطلوبة بالقطاع الخاص، إلا أن الأخير يرفضهم بطريقة غير مباشرة، بتكليفهم بمهام لا تناسب طبيعتهم الجسمانية كالعمل في المخازن أو على ماكينات تتطلب طول الجسم ما يدفعهم لترك العمل خلال ساعات.

ويقول عصام شحاتة إن نظرة المجتمع مستفزة لقصار القامة، لا يستطيعون المضي في شارع دون تحرشات لفظية من شاكلة “انظروا لهذا الرجل الصغير ذي الشارب، أو شاهدوا تلك السيدة القصيرة التي تقترب من الأرض”، وأحيانا يلاحقهم الأطفال الصغار ويطاردونهم بالأماكن الشعبية.

ويفضل الأقزام الانعزال والاعتكاف الإجباري بالبيوت، فمع ساق لا تتعدى العشرين سنتيمترا، لن تستطيع الصعود إلى حافلة ترتفع عن الأرض بنحو 60 سنتيمترا، حتى باتوا محرومين من استقلال وسائل النقل العامة رغم وجود نسبة تخفيض لهم تصل لخمسين بالمئة، إلا إذا تطوع أحد الأصحاء وحملهم أو أمسك بأيديهم للصعود في سلوك يشعرهم بالنقص.

ومن أراد منهم شراء سيارة وتجهيزها كي تناسبه تحاصره سلسلة من العوائق، فرغم نجاحه في اختبارات المرور يصطدم برأي اللجنة الطبية المسماة بـ”الكومسيون” التي توقع الكشف الطبي عليه أكثر من مرة وترفض في النهاية بحجة أن السيارة غير مجهزة طبيا، ما يدفعهم لصرف النظر عن الأمر برمته، وتكبد التكلفة المالية لاستقلال سيارات الأجرة.

ويقول شحاتة لـ”العرب”، إن معظم الأقزام في مصر لا يجيدون القراءة والكتابة، ونسبة التسرب من المدارس بينهم تصل لنحو سبعين بالمئة، بسبب عدم قدرة الأطفال قصار القامة على التعايش مع سخرية فئات كثيرة في المجتمع، ويتعرضون لانتقادات لاذعة من نظرائهم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس من المعلمين والإداريين على حد السواء.

زواج مختلط

Thumbnail

غالبية الأقزام في مصر يعون أنهم مختلفون ويتجنبون الاختلاط في المجتمع، إلا بمن يشابههم، وبعضهم كسر القاعدة وقرر الاقتران والزواج من فتيات عاديات رغبة في التمسك بأمل إنجاب أطفال طبيعيين، لكن معظمهم خشوا التفكير في تلك العلاقة خوفا من الرفض الحالي أو المستقبلي.

ويقول محمد حسن، من الإسكندرية، “نحن نفضل الاقتران بمن يشبهنا تحاشيا للإهانة والإحراج، ومع أن البعض يغامر، لكن قد تحدث مشكلات مستقبلية، منها الشعور بالنقص والمعايرة المستمرة من زوجته بأنها تنازلت وقبلت به حال نشوب مشكلات”.

ويضيف لـ”العرب” “بعض الفتيات يقبلن الزواج من أقزام مع ارتفاع نسبة العنوسة في مصر، لكن تبدأ المشكلات مع الإنجاب فالأطفال يتنوعون بين الطول والقزامة، أما غالبية الرجال فيرفضون الاقتران بقصيرات القامة، وإن قبلوا ترفض عائلاتهم تلك العلاقة”.

وتبدأ معاناة الأقزام منذ الولادة وصدمة الأسرة إذا كانت طبيعية بخبر ولادته، تقتل مشاعره جملة في مواصلة عامة لأم تطالب ابنتها الحامل بعدم النظر إليه حتى لا يصبح جنينها شبيها له، أو نظرات التدقيق المستمرة له في عيادات الأطباء والمستشفيات والمواصلات وكل مكان.

الموروثات الشعبية الدارجة في المجتمعات العربية تظلمهم بالعشرات من الأمثال الدارجة

ويرجع التقزم في الغالب لمشكلات عضوية كوجود خلل بالغدد والهرمونات والمنظومات الجينية بالجسم، ما ينتج عنه إصابة بقصر القامة فقط أو قصرها مع الإصابة بتخلف عقلي أو وجود عيوب خلقية، نتيجة لزواج الأقارب أو الإنجاب في سن مبكرة أو الإصابة بأمراض وراثية بالعائلة أو ضعف تغذية الأم أثناء الحمل.

ويؤكد محمد حبايب، قزم وناشط في مجال حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، أن المجتمع لا يقبل ثقافة الاختلاف ولم يعتد عليها، لكن هذا لم يمنع من مواصلة التحدي للوصول إلى منصب مدير شركة بعدما جعل الاستهزاء دافعا للتقدم حتى تفوق على نظرائه الطبيعيين.

كانت مصر القديمة وطنا ليس للأقزام فقط، لكن لجماعات كثيرة من القصار الأفارقة الذين وفدوا إليها وعاشوا فيها، بعضهم مارس الفن وما يسمى بـ”الرقص الإلهي” أمام الملوك، والبعض الآخر اختار لهم الحكام مهنا تناسب قاماتهم، وتلاشى ذلك الدور عبر التاريخ.

ويوضح حبايب لـ”العرب”، أن اللائحة التنفيذية لقانون ذوي الاحتياجات الخاصة “مسألة حياة أو موت” بالنسبة لهم فتنفيذها ينقل حياتهم نقلة مجتمعية أخرى بتوفير سيارات طبية مجهزة لهم ووظائف بالقطاع الحكومي بجانب منحهم إحساسا لأول مرة بأنهم ليسوا مختلفين.

ورفض الآخر إشكالية كبيرة يردها البعض لأسباب اقتصادية تخلق تصارعا على الوظائف فتدفع بالضعيف خارج الحلبة، والبعض يقول إنه سلوك متجسد في شعب ساخر بطبعه يتخلص من كبته وهمومه بالنكتة كآلية نفسية للتنفيس ليكون أي شيء مختلفا، والاستهزاء منه إحدى وسائله للتعايش.

وترى رشا الجندي خبيرة علم النفس الاجتماعي ومتابعة لحالة الأقزام، أن المجتمع يعاني من مشكلة أصيلة في تقبل الذات بمزاياها وعيوبها وتنطلق من الأنا إلى الآخرين في نطاق الأسرة وعلى مستوى أكبر في المجتمع ككل، فمن لا يستطيع التوافق مع ذاته لن يتقبل الآخر بسهولة.

ويقول خبراء الاجتماع إن نمط التربية في الأسر المصرية تغير وتسبب في حالة رفض المختلفين أو المعاقين في المجتمع، فقديما كانت مقولة “خلقة ربنا (خلق الله)” تغرس في أذهان الأطفال من نعومة أظافرهم وتمنعهم من السخرية أو إيذاء ذوي الإعاقة والأقزام، لكن المجتمع تغير ودخلت عليه تطورات مثيرة.

وتشير الجندي إلى أن الأسر المصرية تكرس تلك الثقافة بمنع الأطفال من التعامل مع نوعيات معينة من زملائهم مختلفين عنهم في الديانة والمستوى الاجتماعي، وتتم تغذيتها بالمدارس غير المشتركة، التي تخلق عوالم منعزلة بين الشباب والفتيات تنعكس على قدرة كل منهم على فهم الآخر.

وترى الجندي أستاذة علم النفس الاجتماعي أن تفضيل الكثير من الأقزام الاقتران من قصيرات القامة يدل على سلامة الصحة النفسية، ومعرفة الإنسان الكاملة بقدراته ونوعية الحياة التي يريد أن يعيشها دون منغصات أو مشكلات.

لا وظائف

Thumbnail

يبلغ الأقزام بمصر وفقا للبيانات الرسمية نحو مئة ألف مواطن، يمثلون وفق إحصائيات 35 بالمئة من عدد الأقزام في العالم، لكنهم يكرهون الصورة التي تقدمها السينما عنهم وتصورهم أنهم أنصاف رجال كفيلم “جاءنا على البيان التالي” لمحمد هنيدي، أو جواسيس صغار لا يمكن ملاحظتهم في “ابن حميدو” بطولة الراحل إسماعيل ياسين وأحمد رمزي، أو كحشرات يمكن التخلص منها في شبكات الصرف الصحي كما في “الرجل الأبيض المتوسط” لأحمد آدم.

وربما كان العمل السينمائي الوحيد الذي أنصفهم هو “الأقزام قادمون” بطولة الفنان يحيى الفخراني وليلى علوي، ودارت أحداثه حول رجل إعلانات يتطوع لمساعدة قزم يدعى شيكو سبق أن عمل معه وأهله البالغ عددهم خمسين قزما في مواجهة رغبة رجل أعمال في الاستيلاء على أرضهم وطردهم منها.

وحاول الأقزام كثيرا الدخول في استثمارات خاصة انتهت بالفشل بعدما جذبت إليها أضواء الإعلام لتتكالب عليها الكاميرات بهدف البحث عن التجديد وليس دعم التمكين، وآخرها “جزيرة الأقزام” الذي تم تأسيسه قرب أهرامات الجيزة، ليكون أول مقهى جميع عماله من قصار القامة لكنه سرعان ما اختفى.

معظم الأقزام في مصر لا يجيدون القراءة والكتابة، ونسبة التسرب من المدارس بينهم تصل لنحو سبعين بالمئة، بسبب عدم قدرة الأطفال قصار القامة على التعايش مع سخرية فئات كثيرة في المجتمع

وحمل المقهى المذكور آمالا لمؤسسيه مع الإقبال الشديد من الجمهور بعد افتتاحه، الكل أراد تجربة الحصول على خدمة مختلفة من أناس غير متوقعين، ومع انكشاف الانبهار، قل الوافدون وتوقف أزيز النرجيلة وإيقاع تلاصق الأكواب، وانطفأت نيران الفحم، وباتت الكراسي خاوية ليتبعها القرار الصعب بنهاية القصة.

وقبل حوالي عامين تم تدشين مصنع ملابس بالإسكندرية يحمل اسم “الأقزام للملابس الجاهزة” لإنتاج ملابس لقصار القامة فقط، لكنه تعرض أيضا للتوقف منذ عدة أشهر بسبب ضعف التمويل وعدم القدرة على شراء المادة الخام من الأنسجة التي تضاعف ثمنها في أعقاب تحرير سعر صرف الجنيه.

وكانت فكرة المصنع مجتمعية في المقام الأول ببناء كادر من العمالة المؤهلة التي يمكنها مزاولة العمل داخله أو بالمنازل ليتم تسويقه وبيعه، لكن لم تتحمل جمعية الأقزام، والتي تبنت الفكرة استمرار دعمه في ظل معاناة الأعضاء أساسا من البطالة وضيق اليد، لتكتفي بالمطالبة بدعم الحكومة الذي لم يأت.

ويشتري الأقزام احتياجاتهم من الملابس من محال الأطفال، بينما يلجأ كبار السن منهم أو الذين يعانون من السمنة إلى تضييق ملابس الأشخاص العاديين عن طريق محال الحياكة، فاقدين حتى حلمهم في اختيار ملابس مناسبة بعد الإغلاق المبكر لمصنعهم.

وفي نظر الأقزام يبدو المجتمع ظالما لم يحن عليهم، ويقولون هم مواطنون لا يختلفون في شيء لكي يتم نبذهم، وربما متفردون فلم تعشش في أي منهم بذور التطرف أو الانتقام، فالقزامة لم ترتبط أبدا بطول العظام ولكن بكفاءة العقول ونقاء القلوب.

20