الأقلمة أبغض الحلول ولكنها قد توقف طوفان الدم بين السنة والشيعة

الخميس 2014/12/04

الشرخ الذي أحدثه الاحتلال الأميركي في المجتمع العراقي لا يمكن ردمه بالتمنيات الطيبة والدعوات المخلصة، خصوصا وأنه اتسع خلال السنوات العشر الماضية وبات واقعا يومياً بتشجيع من نوري المالكي، وحزب الدعوة والمرجعيات والكتل والمليشيات الشيعية إيرانية الولاء والتبعية، ثم دخل على الخط تنظيم الدولة الإسلامية السني (داعش) مما أشعل حروبا مباشرة، أو بالنيابة، كلها تصب في خانة التقسيم، بعد أن تهاوت شعارات الوحدة والتعايش وتاهت هتافات (إخوان سنة وشيعة … هذا الوطن ما نبيعه) عقب اكتشاف أصحابها أن الأميركان باعوا العراق إلى الإيرانيين، وقبضوا الثمن مقدماً، وهم اليوم يستعدون لاحتلال المحافظات السنية العربية مناصفة بينهم وبين مجموعة من البيوتات والمشيخات والإقطاعيات السنية المؤيدة لهم.

وعندما كتب شاعر كبير عن “عراق العجم” فهو لم يغال في وصفه وقال الحقيقة بلا رتوش، فالعجم اليوم أنفاسهم وأياديهم وأرجلهم وقباحاتهم ومؤامراتهم في كل مكان في العراق، في الجنوب، وفي كردستان الشمال، وسعوا، وما زالوا، للسيطرة على محافظتي نينوى والأنبار المجاورتين لسوريا لتكونا معبراً وممراً لدعم نظام بشار الأسد، وهم احتلوا أكثر من نصف محافظة ديالى وأغلب مناطق جنوب محافظة صلاح الدين، أما العاصمة بغداد فإن العجم هم أسيادها، وأتباعهم يتصرفون بها خطفاً وابتزازاً وقتلاً وتهجيراً لسكانها الأصليين الذين يطلق عليهم صفة (البغادّة) تحبباً وإعجابا.

إن من حق العراقيين أن يخافوا على أنفسهم من غدر العجم، ومن حقهم أيضا أن يبحثوا عن خيارات لدفع الأذى الإيراني عن بلدهم، بعد أن صار في قبضة الجنرال قاسم سليماني، الذي يصول ويجول فيه كمندوب سام إيراني، متفوقاً على الجنرال مود والمسسز بيل والسير كوكس البريطانيين وغارنر وبريمر وخليل زاد الأميركيين، يتنقل من آمرلي في الشمال، إلى جرف الصخر في الوسط، إلى محافظة ديالى في الشرق وسط حفاوة وزراء وقادة عسكريين وسياسيين وملالي وشيوخ ينحنون له ويعظّمون مقامه.

والسؤال الذي يطرح نفسه بلا مقدمات، هل يمكن للسنة العرب أن يقبلوا بأن يكون بلدهم عراقاً للعجم وهم الذين شيدّوه، لبنة لبنة، وبذل أجدادهم وآباؤهم في نهوضه الشيء الكثير مع إخوانهم الشيعة العرب على مدى أكثر من ثمانين سنة كانت مليئة بالعزيمة والتضحيات وحافلة بالجهود والعطاء؟

الجواب سيكون (لا) بالتأكيد، خصوصا وأن العجم ما زالوا ينظرون إلى السنة العرب في العراق على أنهم بقايا الأمويين وأحفاد العباسيين وورثة العثمانيين، وهم اليوم في رأي الولي الفقيه خامنئي، بعثيون وصداميون وتكفيريون ودواعش.

والمشكلة أن المرجعيات والأطراف الشيعية (العراقية) تدعم هذا التوجه البغيض وتعمل على نشره وانتشاره بعد أن خلت الساحة الشيعية من قيادات وشخصيات وطنية وقومية، فلم نعد نسمع صوتاً شيعياً يقول إن العراق جزء من الأمة العربية والإسلامية، ولا حديث عن عراقته وأصالته، ولا عن الإمبراطوريات والحضارات التي قامت على أرضه، وضاعت أسماء شيعية الأصول أعطت وضحّت في سبيل العراق الحديث حتى أن مناهج التاريخ المدرسية التي غيرها الملا خضير الخزاعي خلال سنوات توليه وزارة التربية والكتب السياسية التي صدرت عقب أبريل 2003 أهملت، عمداً، أسماء الشيوخ محمد رضا الشبيبي ومحمد مهدي كبة وعلي الشرقي وجعفر أبو التمن وقادة ثورة العشرين ورؤساء حكومات ووزراء أمثال محمد فاضل الجمالي والسيد حسين الصدر وعبدالوهاب مرجان من تاريخ العراق، أما اسماء ناجي طالب وعبدالغني الدلي وضياء جعفر وعبدالأمير علاوي وفؤاد الركابي وعبدالرزاق محي الدين وسعدون حمادي ومحمد حمزة الزبيدي وعبدالصاحب العلوان ومجاميع القيادات السياسية والعسكرية والاجتماعية، فلا ذكر لها ولا أثر وكأن أصحابها ولدوا وعاشوا وخدموا في بلاد أخرى غير العراق.

ولعلها من المفارقات المحزنة التي برزت عقب الاحتلال، أن الشيعة في العراق وغالبيتهم الساحقة من العرب قد انقلبوا على قوميتهم وغادروا التشيع العربي وهو الأساس، وانحازوا إلى التشيع الصفوي المزيف، ومن لاحظ جموعهم ومواكبهم في شهر محرم وشاهد حماسهم واستمع إلى أهازيجهم وأشعارهم الحسينية يأخذه العجب من سرعة تلقفهم للبدع والضلالات الإيرانية المعادية للإسلام المحمدي وأمة المصطفى؟ ويستغرب أيضا كيف يقبلون بمرجعية أجنبية أقطابها من إيران وباكستان والأفغان وأذربيجان، ويطاردون مرجعا عراقيا عربيا هو السيد الصرخي الحسني؟

لاحظوا ما تقوم به فرق (الحشد الشعبي) التي دعا إليها المرجع السيستاني في المناطق السنية، من تهجير وقتل وسرقات منازل وهدم مساجد، ولم يسلم من إجرامها الطائفي حتى ضحايا داعش، ووصلت الحالة المأساوية بسكان جلولاء والسعدية وحوض حمرين والعظيم بمحافظة ديالى، وسامراء وتكريت وبيجي بمحافظة صلاح الدين، إلى الحنين إلى أيام (الدواعش) والاستنجاد بهم للعودة إليهم واحتلالهم من جديد تخلصا من طغيان الميليشيات الشيعية، ومن هجمات الطيران الحكومي على التجمعات المدنية وقتل الأبرياء كما حدث مؤخراً في قرية (البو حشمة) بين بغداد وسامراء.

وصحيح أن إنشاء إقليمين سني وشيعي أمر حساس ومؤلم، ويجرح مشاعر جيل كامل تربى على مفهوم العراق الواحد الموحد، ولكن من الواضح أن مشروع الإقليمين وهو أفضل من مشاريع التقسيم حتماً، قد يوقف طوفان الدم بين السنة والشيعة وينهي حالة العداء المتفاقمة بينهما ويقوض التخادم السياسي المشترك بين إيران وأميركا، خصوصا وأن الأخيرة تعمل، بخبث، على تشكيل جيش سني تعداده مئة ألف جندي، وتجّهز خمس قواعد عسكرية وجوية في الحبانية وعين الأسد وتكريت والعظيم والحويجة تحضيراً لحرب سنية – شيعية قادمة، وليس لمقاتلة داعش كما تزعم، سيكون ضحاياها الملايين من الفئتين.

لهذا فإن الأقلمة رغم كونها أبغض الحلول إلا أنها ربما تهدّئ النفوس وتسّكن الأحقاد، وتفضي إلى سلام بين الطرفين كل في مناطقه وضمن حدوده الإدارية بعد سنوات التناحر والاقتتال، فلا خير في بلد يقال، نفاقاً، أنه موحد، بينما هو في الحقيقة مقسم ومجزأ، ويحكمه عدو أجنبي اسمه قاسم سليماني.


كاتب سياسي عراقي

8