الأقليات الثقافية

الخميس 2016/10/27

منذ انطلاق ما يسمى بثورات الربيع العربي التي حولت الساحة العربية إلى ساحة قتال ودم وانتهاكات وتنافر اجتماعي وديني وأفكار مشبوهة، برز مفهوم الأقليات بتعريفاتها السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية وانتقلت هذه المجاميع من الهامش إلى المتن السياسي والاجتماعي والدولي أيضا على خلفياتها الدينية كما هو معروف.

القواميس اللغوية والسياسية تعرّف الأقليات بأنها مجموعات سكانية قليلة العدد في شعب الدولة الأساسي وتختلف عن مواطنيها في الجنس أو الديانة أو اللغة وتأخذ مسميات كثيرة كفئة أو طائفة أو ملّة أو فرقة، وهذه لها أنماطها العرقية والدينية واللغوية والمذهبية والقبلية والثقافية والسياسية وغيرها.

ترى هذه المجموعات وفي مجتمعات كثيرة أنها تعاني من تهميش قصدي على المستويات كلها لمسخ هوياتها الشخصية وتهميشها وحرمانها من ممارساتها ونشاطاتها الدينية والثقافية وبالتالي طمس تحجيم حضورها الإنساني بشكل عام.

لا يمكن عزل هذه الجماعات عن بيئتها ومجتمعها وظروفها التاريخية والجغرافية، فهي نتاجها أولا وأخيرا كما هي نتاج تاريخية المجتمع الذي تتواجد وتعيش فيه، وبالتالي فلا يمكن عزل ثقافتها الشخصية عن ثقافة المجتمع المتسيد مهما كان شكله ونوعه القومي أو الديني أو العرقي.

لكن لمثل هذه الأقليات ثقافاتها الشخصية وخصوصيتها التي لا يمكن إغفالها من منطلق ديانتها أو لغتها أو عرقها أو طائفتها أو أساطيرها أو خرافاتها أو كل هذه مجتمعة، ولها تقاليدها وخيالها ومرجعياتها وأدبياتها وفرادتها حتى وهي ضمن النسيج الاجتماعي أو الإثني أو السياسي الذي تتفاعل معه وتعيش تحت خيمته، وبالتالي لها أهميتها الثقافية في الإطار العام للمجتمع.

ثقافة الأقليات في حصرها أدبيا، شعريا وروائيا وقصصيا وفنيا وسينمائيا وغيرها من الأجناس الأدبية هي ثقافات بلدانها بالضرورة وتفاعلاتها الأكيدة في أجوائها الخاصة والعامة، لكنها تتفرد عنها بأن لها شخصيتها الاعتبارية والنفسية وشعائرها وطقوسها ومعتقداتها، ونعتقد أنه حان الوقت لكشف تمظهرات هذه الثقافات وإفساح المجال لها لتتعاضد مع ثقافاتنا العامة في رسم الحياة وبناء العلاقة الإنسانية والفنية وإيجاد المشتركات الأخلاقية والأدبية لنشر هذه الموجات الثقافية المخفية بما يتناسب مع أهميتها وقوتها الفنية والإبداعية.

في العالم العربي ليس المسلمون وحدهم قنوات للإبداع ولا المسيحيون ولا اليهود باعتبار هؤلاء من الأديان السماوية، فالعالم العربي يعج بالديانات الوضعية القديمة والمذاهب والملل والنحل والفرق والجماعات العرقية والإثنية التي هي أقدم من هذا المثلث الديني ولا تزال حتى اليوم قائمة ولها أتباعها ومريدوها وكتبها وطقوسها وأدبياتها ومثقفوها وكتبتها كالدروز والشبك والإيزيديين والبهائيين والكاكائيين والبربر والأرمن والعلويين والشركس والنوبيين والصابئة والوثنيين والكلدوآشوريين والسريانيين والإسماعيليين والموارنة والإنجيليين والأقباط والأكراد والروم والبلوش وغيرهم.

ولنا في هذه المسميات والعناوين أسماء أدبية كبيرة اخترقت محليتها ببراعات إبداعية مما يشكل ظاهرة ثقافية من هذه الأقليات التي لم تخدمها ظروفها كثيرا، وفي الغالب لأسباب سياسية وصراعات محلية تغذيها منظمات وتجمعات وربما دول خارجية لإبقاء هذه الدولة أو تلك تحت غطاء الصراع الديني أو المذهبي أو العرقي.

اليوم خرجت ثقافات الأقليات بصورة سريعة بمساعدة شبكات التواصل الاجتماعي وعصر الاتصالات السريعة، لا سيما في العراق حيث تنبهنا إلى آداب وثقافات هذه الأقليات بطريقة مباشرة لا سيما الإيزيدييين الذين برزوا كجماعة دينية مضطهدة فعلا حينما انتهكم داعش، فظهرت مع هذا الاضطهاد أصوات شعرية وقصصية وروائية وسينمائية سيكون لها اعتبارها التاريخي في مسار الأدب العراقي.

إنّ المجلات الثقافية العربية الرصينة على قلتها يمكن أن تبلور محاور مهمة عن آداب وثقافات هذه الأقليات المضطهدة تاريخيا وتخرجها من الهامش إلى المتن، وأحسب أن مجلة “الجديد” قادرة على أن تفعل ذلك عبر شبكة مراسليها في الشرق الأوسط العربي وتمد يدها إلى أصوات أدبية وثقافية جديدة في العالم العربي فتُخرجها من هوامشها إلى المتون الأكبر.

كاتب من العراق

14