الأقليات والأكثرية: المرض القاتل

غياب القوانين والسياسات الملائمة لإدارة المجتمعات المتنوعة أدى إلى عجز في بناء الدولة المدنية الحديثة بمعناها المعاصر. بل إن طبيعة الدولة في غالبية الوطن العربي تساهم بشكل أو بآخر في تثبيت الهاجس لدى الأقليات بأنها مهددة وأنه يجب أن تحمي نفسها والتعبير عنها بالانغلاق، وذلك عبر الترويج إلى الأكثرية الطائفية أو الدينية وتوظيف ذلك سياسيا للحفاظ على استقرار السلطة والنظام. وهو ما ينتج حالة من العنف السياسي والديني تؤبّد حالة اللااستقرار.
الخميس 2015/11/05
التعايش بين الأديان واقع شعبي تنقصه إصلاحات سياسية لتثبيته

يشكل التنوع المجتمعي جزءا من الواقع المعيش على مستوى العالم، إذ لا يخلو أي بلد من وجود أقلية واحدة قومية أو إثنية أو دينية أو لغوية، سواء كانت من مواطنيها أو من المهاجرين، وبهذا، فالعالم العربي بتنوعه لا يشكل أي استثناء.

لا تعد قضية الأقليات إشكالية بالنسبة إلى الدول الحداثية المتمدّنة، باعتبارها جزءا من مكونات المجتمع وتنطبق عليها كافة الحقوق والواجبات القانونية، ويتم وضع ضمانات محددة تؤكد على حماية وجودهم وهويتهم من الأذى والتمييز، وضمان مشاركتهم في الحياة العامة بشكل عام. أما الأقليات في الدول العربية فغالبا ما تخضع إلى قيود وانتهاكات لحقوقها، رغم أن معظم الأقليات من مواطني هذه الدول وليس لهم وطن أمّ آخر، وقد شكل وجودهم مشكلات سياسية واجتماعية وثقافية متأصّلة ترتب عليها العديد من القضايا المتراكمة، تعود منطلقاتها إلى افتقار الدول العربية بمعظمها إلى قوانين وسياسات ملائمة لإدارة المجتمعات المتنوعة.

تحول وجود الأقليات إلى مشكلة نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية التي مرت بها المنطقة، وما تبنته السلطنة العثمانية من نظام طوائف وملل حوّل المجتمع إلى مجموعات متشرذمة لكل منها مرجعيتها الدينية باعتبارها أيضا مرجعية سياسية. كذلك أدى التدخل المتواصل للقوى الاستعمارية في أكثر مناطق الشرق الأوسط تحت اسم الرعاية والحماية، ودخول حملات التبشير المسيحية الغربية الكاثوليكية والبروتستانتية، إلى اتساع الهوة بين مكونات المجتمع، وترسيخ أولوية الانتماء الديني والمذهبي بدل الإسهام في تحقيق نهضة تعليمية شاملة.

تفاقمت إذن مشكلة الأقليات نتيجة فشل الحكومات المستحدثة في بناء دولة مدنية تبنى على قاعدة المؤسّسات والقانون، وبالتالي أسهمت في تشظي المجتمع وبروز الانتماءات والعصبيات الطائفية والمذهبية والقومية والإثنية، التي تحول دون تحرّر المواطن الفرد وظهوره كقيمة عليا وشخصية قانونية وسياسية وصاحب عقد اجتماعي داخل الدولة، كما أدى تلاعب الأنظمة المستبدة بهذه المكونات الاجتماعية ووضعها في مواجهة بعضها تحسّبا من اصطفافها في مواجهة فسادها واستبدادها، إلى نشوء حالة من الصراع الخفي والحرب الباردة.

فمن ناحية أولى تتمظهر تلك الحرب الباردة بين كافة المكونات، من حيث التمييز بينها وتصنيفها على أساس أقليات وأكثرية، والذي يأخذ صفة هاجس الهوية ويدفع الأقليات إلى الانشغال بالبحث في معالم التاريخ ومساحات الجغرافيا، ممّا يساهم في تثبيت هويتها وتأكيد انتمائها وأصالتها، في مقابل الأكثرية التي تعمل على تثبيت استقرارها واستمراريتها عبر تنحية الآخر، فتساهم الأكثرية في انغلاق وتعصّب الأقليات الدينية المذهبية والإثنية، وتساهم الأقليات في تمسك الأكثرية الدينية باستبدادها وفرض أحكامها، وتطبيق شريعتها لدرء الفتنة الطائفية أو المذهبية. وهنا لا يمكن النظر إلى الأقليات كمشكلة إلا إذا كانت المشكلة كامنة بالأكثرية ونظرتها الضبابية للأقليات وبروز التيارات المتطرفة فيها الرافضة للآخر، وهذا لن يفرز بنى سياسية مستقرة ذات طابع حداثي من شأنها ضمان العيش المشترك وإنما حالات عنف سياسي ديني متكرر.

ومن ناحية ثانية، تلوح هذه الحرب الباردة بين هذه المكونات والسلطة الحاكمة، عبر تعسفها الأمني واستيلائها على مقدرات الدولة وانتهاجها أسلوب التهميش والاستبعاد، والتعامل مع من لا يواليها بوصفه مشكلة حقيقية وواقعية تقتضي القمع. وهنا يمكن فهم الثورات العربية الناشئة باعتبارها ثورة الأكثرية الجماهيرية لإسقاط أنظمة مستبدة تعمل ضد مصلحة مجتمعها من أقليات وأكثرية، وهذا وضع الشعوب أمام امتحان حقيقي في اختيار طرق الحل، إما العنف المطلق، وإما بناء أنظمة حكم ديمقراطية مدنية.

إن استمرار النظر إلى أزمة بعض الدول العربية كأزمة أقليات وأكثرية التي كرستها السلطات الحاكمة التي حادت عن اتباع خيارات سليمة لإدارة حقائق التعدد والتنوع المجتمعي بطريقة إيجابية، ما هو إلا مرض قاتل وشامل يصيب الأكثرية العاجزة عن استيعاب الأقليات ويحترم حقوقها، في حين تظل هذه الأقليات غير قادرة على تجاوز قلقها وخصوصيتها، ولن ينتج إلا حالات من الفشل الذريع في بناء أي دولة حضارية.

13