"الأقوياء الاثنا عشر" هوليوود تنتصر في أفغانستان

الفيلم التسجيلي "فصيلة الأخوة" يعتمد في السرد على المزج بين شهادات أفراد الوحدة، ولقطات مصوّرة من أرض الاشتباكات أثناء العمليات العسكرية.
الثلاثاء 2018/05/01
تدابير تسبق معركة الحسم

في العام الماضي شاهدنا فيلما تسجيليا طويلا، هو “فصيلة الإخوة” Legion of  Brothers الذي أخرجه كريغ باركر، وكان يصوّر ما قامت به وحدتان من القوات الأميركية الخاصة التي تعرف بـ”القبعات الخضراء”، أرسلت إلى أفغانستان بعد ثلاثة أسابيع فقط من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، تحت غطاء السرية المطلقة، من أجل الإطاحة بنظام طالبان، وتوجيه ضربة قاصمة لتنظيم القاعدة، ولم يكن الرئيس الأميركي جورج بوش (الابن) في ذلك الوقت، قد أعلن بعدُ الحرب على طالبان، ولم تكن القوات الأرضية قد توغلت في الأراضي الأفغانية.

ويركز الفيلم على وحدتين من هذه القوات الخاصة، تتكون كل منها من 12 فردا، أولهما الفصيلة 595 التي توجهت إلى شمال أفغانستان، وكانت مهمتها تتلخّص في الالتحام بجماعات المعارضة الشمالية التي تقاتل طالبان بزعامة الجنرال الأوزبكي عبدالرشيد دستم، ثم الاستيلاء على معقل طالبان في مزار شريف.

هذه الوحدة، رقم 595، التي كان يقودها الكولونيل ميتش نيلسون (كريس هيمسورث) وما قامت به في أفغانستان، هي موضوع الفيلم الروائي الجديد “الأقوياء الاثنا عشر” 12 Strong الذي أخرجه الدنماركي نيكولاي فوجيلسيغ، وأنتج بميزانية ضخمة، ورصدت له هوليوود إمكانيات هائلة تعيد إلى الذاكرة أفلام الستينات والسبعينات المُبهرة.

قبل أكثر من 16 عاما ذهبت القوات الأميركية إلى أفغانستان لمحاربة قوات طالبان التي قيل لنا إنها مجرد مجموعة ميليشيات، وإن الأمر لن يستغرق أكثر من عدة أسابيع قبل القضاء عليها تماما، وتدمير البنية التحتية لتنظيم القاعدة، واعتقال أو قتل زعيمها أسامة بن لادن، لكن ما حدث أن العثور على بن لادن وقتله استغرق نحو عشر سنوات. وما زالت معركة أميركا في أفغانستان لم تحسم بعد، لكن هوليوود تريد “تجميد” وتأطير لحظة النصر الأول الذي تحقّق هناك في الأيام التي أعقبت هجمات نيويورك وواشنطن في 2001

دراما تسجيلية

لكن بينما كان الفيلم التسجيلي “فصيلة الأخوة” يعتمد في السرد على المزج بين شهادات أفراد الوحدة، ولقطات مصوّرة من أرض الاشتباكات أثناء العمليات العسكرية بكاميرات كان يحملها الجنود، أو من طائرات الاستطلاع الأميركية، مع لقطات أخرى تحاكي بعض ما وقع من أحداث على الأرض (أي من خلال إعادة التجسيد)، مع استخدام مواد مصوّرة من الأرشيف، وخرائط، وصور الأقمار الاصطناعية، ورسوم الغرافيكس، ومقاطع من أخبار المحطات التلفزيونية الأميركية، يعتمد الفيلم الروائي الجديد “الأقوياء الاثنا عشر” على قصة تتابع مسار الأحداث الحقيقية بشكل شبه تسجيلي، تسعى لمحاكاة المواقف الحقيقية التي قابلها المقاتلون الـ12 وقائدهم “ميتش” الذي نعرف من البداية أنه لا يتمتع بأي خبرة في القتال من قبل.

لكنه بعد أن كان قد طلب نقله إلى عمل مكتبي، أصرّ على قيادة وحدة القوات الخاصة بعد وقوع اعتداءات سبتمبر 2001، بدافع من الوطنية الأميركية، مبديا أمام رؤسائه عزيمة وإصرارا إلى أن تولى بالفعل قيادة المجموعة.

في أفغانستان يصبح هدف المجموعة الوصول أولا إلى الوسيط، وهو أحد ضباط المخابرات الأميركية الذي سيـدلهم إلى قوات عبدالرشيد دستم الذي كان يقاتل طالبان لكي ينضموا إليه، ثم يتوّجهون جميعا  نحو مزار شريف المعقل الرئيسي لطالبان، ويستولون على المدينة.

عبور الجبال يتم بواسطة الخيول، لكن لا أحد باستثناء ميتش مدرب على ركوب الخيل، والقوات التي قد يواجهونها في المدينة المراد تحريرها لا تقل عن 50 ألف مقاتل، والأمر يقتضي أولا المرور بعدد كبير من القرى والبلدات والنقاط التي يتحصّن في جبالها مقاتلو طالبان الأشداء.

لكننا يجب أن نشاهد أولا في مشهد يثير القشعريرة، أحد قيادات طالبان في قرية قريبة وهو يسخر من تعليم الفتيات، ويدوس بقدميه على الكتب المدرسية، ثم يقوم بترويع طفلتين صغيرتين أمام أمهما التي تركع أمامه على الأرض، ثم يقتل الأم رميا بالرصاص عقابا لها على إرسال ابنتيها إلى المدرسة.

وسنشاهد بعد ذلك رجم امرأة بالحجارة، ثم كيف يحمل ضابط “السي.آي.إيه” حقيبة مليئة بالدولارات لتسليمها إلى أحد قيادات التحالف الشمالي المناوئ لطالبان، أي أن الأميركيين يستخدمون الرشوة المالية لكسب الحلفاء، كما سنعرف أن دستم في خلافات حادة مع خصمه الآخر في التحالف وأن الخلاف بينهما يمكن أن ينفجر ويؤدي إلى القتال، أي أن هؤلاء القوم لا يمكن الثقة فيهم بسبب نزوعهم إلى تصفية الخلافات بالعنف.

إلاّ أن الفيلم يصوّر دستم في ما بعد عندما يلتقي خصمه، كرجل حكيم يدرك مغبة انفجار الصراع، ويؤثر أن يصافح خصمه ويتمنى له التوفيق في مهمته، فهو الذي سيدخل بقواته أولا إلى مزار شريف.

يمكن لأي مشاهد يتابع الفيلم أن يعرف مسبقا ماذا سيحدث، مفاجآت على الطريق، واشتباكات دامية، وقوة صغيرة تقاتل آلاف المقاتلين وتتفوّق عليهم بفضل شجاعة الأميركيين الاثني عشر، وشدة بأس قائدهم الذي يخوض مع رجاله المسلحين بالرشاشات، القتال من على ظهور الجياد في مواجهة الدبابات وقاذفات الصواريخ، مع الاستعانة كلما أمكن بالتدخل الجوي، ولكن في أحيان أخرى يغيب هذا التدخل أو يتأخر ممّا يكاد يتسبب في إبادة المجموعة.

تناقض الشخصيتين

عدونا واحد
عدونا واحد

لأن هذا النسق من السرد السينمائي يسير على غرار ما يعرف بـ”الدوكيو- دراما” أو الدراما التسجيلية التي تتابع الأحداث وفق مسارها الطبيعي من خلال التواريخ ومواقع الأحداث التي تتعاقب على الشاشة، معركة وراء أخرى، ومع غياب الحبكة القوية أو الصراع المباشر بين شخصيات من لحم ودم، خاصة وأننا لا نرى “كائنات طالبان” سوى كمجرد أشباح أو رجال أشرار يتّشحون باللباس الأسود، يختلق السيناريو تناقضا بين تكوين شخصيتي الأميركي ميتش قائد المجموعة الخاصة من ناحية، والجنرال عبدالرشيد دستم من ناحية أخرى.

فالأول هو الغريب القادم من الخارج، الذي لا يعرف البيئة التي يتحرّك فيها ولا طبيعة البشر هناك، ولا ما يمكن أن يقابله من مفاجآت، رغم أنه يبدو وقد اطلع على تاريخ أفغانستان وتكوين طالبان، لكنه يتعلم من زميل له كان معلما للتاريخ قبل أن يلتحق بالجيش، أن أفغانستان هزمت إمبراطوريات عديدة حاولت من قبل غزوها وإخضاعها.

أما الجنرال عبدالرشيد دستم، فهو ابن البلاد الواثق من نفسه المؤمن بأنك “اليوم أنت صديقنا.. وغدا يمكن أن تصبح عدونا”، وعندما يحاول ميتش طمأنته بوجوده في حماية “أقوى جيش في العالم”، يشير الرجل إلى قلبه ويقول “إن أعظم جيش في العالم يوجد هنا، لكنك لا تعرف هذا، فأنت تخاف لأنك تعتبر نفسك جنديا.. ولكنك يجب أن تتخلى عن الجندي وتصبح مقاتلا”، ثم يعطيه درسا آخر عندما يقول إنه لا يخاف لأنه يعرف أن هناك بعد الموت حياة أفضل، وأن هذا أيضا ما يجعل مقاتلو طالبان لا يخشون الموت.

العلاقة بينهما هي علاقة بين رجلين ينتميان إلى عالمين مختلفين تماما، يختلفان ويتصادمان، ثم يقتربان من الفهم المشترك إلى أن تنشأ بينهما صداقة تدريجيا، والعلاقة مصاغة هنا على نحو يجعل كل من يعرف فيلم “لورانس العرب” (ديفيد لين- 1962) يستشف منها بعض ملامح العلاقة بين الشريف علي (عمر الشريف) ولورنس (بيتر أوتول).

ورغم صلف دستم وتعنته، إلاّ أن الفيلم يكشف أولا عن شجاعته وخوضه القتال كأفضل ما يكون إلى جانب رجاله، كما يكشف عن الجانب الإنساني في شخصيته عندما يبوح لميتش بأن قوات طالبان ذبحت عائلته كلها، وأنه كان يتطلع إلى دخول البلدة التي احتلها رجال طالبان والانتقام، لكنه الآن بعد أن أصبحت البلدة في قبضته ورجاله، لم يعد يرغب في دخولها، إنه رجل يحمل أحزانه الثقيلة فوق قلبه ويمضي.

ويبوح الجنرال أيضا إلى ميتش في حنين إلى الماضي، ويروي له كيف كانت النساء تتزيّن وترتدي الملابس العصرية وكان الرجال والنساء يتردّدون على دور السينما قبل أن يحل وباء طالبان.

صيحات القتال

حرب على طريقة الويسترن
حرب على طريقة الويسترن

يحاول السيناريو الذي اشترك في كتابته اثنان تيد تالي كاتب فيلم “صمت الحملان” وبيتر كريغ كاتب فيلم “ألعاب الجوع″، أن يخفف من رتابة الأحداث فيقيمان السيناريو على الانتقال في المكان، بين وقت وآخر، والعودة أحيانا من خلال الخيال، إلى زوجات الجنود وأبنائهم في الوطن.

ويمتلئ الفيلم بالصياح والتعليمات القتالية والشيفرات التي تستخدم في الجيش الأميركي، وعشرات الطائرات المروحية والخيول وآلاف المقاتلين، ولا شك في براعة المخرج الدنماركي في إخراج مشاهد القتال وتصوير ضراوتها، لكن أسلوبه في تصوير المعارك تجعل الصراع يبدو كما لو كان صراعا بين رعاة البقر الأميركيين (على ظهور الخيول) يتقدّمون في قوة وشجاعة لا تعرف الوجل، والهنود الحمر على الجانب الآخر، الذين يصرخون بلغة غريبة ويسقط منهم العشرات في كل الاتجاهات. وممّا يمنح الفيلم واقعيته وقدرته على الإقناع، الاختيار الممتاز لمواقع التصوير الخارجي في جبال المكسيك، والبراعة الكبيرة التي يتمتع بها مدير التصوير الدنماركي راسموس فيدبايك الذي يتمكن من تحقيق صورة ضبابية مع تنويع واضح في زوايا التصوير بحيث يمنح الفيلم إيقاعا سريعا لاهثا، وتمضي الموسيقى التي أعدها الاسكتلندي لورن بالف، سريعة صاخبة حينا، هادئة مثيرة للقلق والترقب حينا آخر.

وإذا كان الممثل كريس هيمسورث يبرع بقوة شخصيته وما يتمتع به من كاريزما القيادة في الدور الرئيسي إلى جانب ممثلين راسخين من طراز مايكل شانون ومايكل بينا، إلاّ أن الممثل الأميركي من أصل إيراني نافيد نيغاهبان، هو الذي يستحوذ بقوة أدائه على المشهد بأسره، منذ ظهوره حتى نهاية الفيلم، في دور الجنرال عبدالرشيد دستم، بشخصيته الطاغية، الصارمة، التهكمية ولكن من دون أن يفتقد إلى الرقة والسمو في اللحظات المناسبة. إنه البطل الحقيقي في الفيلم، بل وفي الواقع أيضا، فحاجته للأميركيين كما يقول في الفيلم، كانت بسبب عدم توفر غطاء جوي لديه، وهو يقول لميتش “أنا حريص على ألاّ يموت أحد منكم، فإن مات أحدكم فسيرحل الأميركيون، وأنا أريدهم أن يبقوا إلى أن نحقق الهدف”. ولكن هل تحقّق؟!

يخبرنا الفيلم في نهايته من خلال كلمات تظهر على الشاشة، أن الوحدة 595 عادت بكامل أفرادها إلى الوطن بعد أن كلّلت مهمتها بالنجاح، وأن عبدالرشيد دستم مضى ليصبح نائب رئيس الجمهورية الأفغانية، إلاّ أن ما لا يقوله الفيلم أن دستم فرّ من البلاد في ظروف غامضة العام الماضي ولم يعرف إلى أين ذهب بعد أن اتهمه أحد خصومه السياسيين باختطافه وتعذيبه واغتصابه، وكاد الأمر يصل إلى تقديمه للمحاكمة!

دراما تسجيلية تتابع الأحداث وفق مسارها الطبيعي
دراما تسجيلية تتابع الأحداث وفق مسارها الطبيعي

 

16