الأكاديميون يدرسون النص المسرحي كأدب ويهملونه كعرض

الشوام يعتبرون أباخليل القباني مؤسس المسرح والمصريون يعقوب صنوع.
السبت 2020/03/07
هل يمكن للبحث الاكاديمي أن يكون في خدمة المسرح والمسرحيين؟

هل يمكن للبحث الأكاديمي أن يكون في خدمة المسرح والمسرحيين؟ وهل هناك فرق ما بين المسرحية كجنس أدبي وبينها كعرض مسرحي؟ هذه التساؤلات وغيرها مما يتعلق بقضايا المسرح كانت موضوع الملتقى الفكري للبحث الأكاديمي الذي أقامته أيام الشارقة المسرحية في دورتها الثلاثين.

في إطار الدورة الثلاثين لأيام الشارقة المسرحية التي نظمتها دائرة الثقافة في حكومة الشارقة، وإلى جانب العروض المسرحية المحلية التي تسابقت فيما بينها، نظمت دائرة الثقافة ندوات وملتقيات فكرية بهدف البحث في المشكلات التي يعاني منها المسرح العربي والمسرحيون العاملون فيه، في إطار تلك الملتقيات بحث ملف بعنوان “البحث الاكاديمي: الإشراقات والإشكاليات”.

لم يأت اختيار البحث الأكاديمي في الندوات الفكرية من فراغ أو عبث، فواحدة من أهم المشكلات التي سجلت حول أطروحات الدكتوراه والماجستير المقدمة في قضايا المسرح، أنها أطروحات لا تمكن الاستفادة منها خارج حدود البحث الأكاديمي لأنها، في النهاية، مجرد دراسات أكاديمية صرفة، غالباُ ما تقدم بهدف الحصول
على الدرجة العلمية، لذلك ما إن ينتهي البحث ويحصل الطالب على الدرجة العملية حتى تصبح هذه الرسائل حبيسة الأدراج أو مكتبات المعاهد والجامعات.

من هذه النقطة رأى الدكتور فراس الريمون، الذي أسس قسم التصميم السينمائي والتلفزيوني والمسرحي في جامعة عمّان الأهلية، أن معظم البحوث الأكاديمية لطلبة الدكتوراه والماجستير الأردنيين والتي تنجز خارج الأردن، كما في كلية الفنون في العراق، وبعض البلدان الأجنبية، وعلى كثرتها، ماهي إلا رسائل تعتمد على مبدأ القص واللصق.

أما الدكتور أحمد شنيقي الأستاذ في جامعة عنابة والأستاذ الزائر في جامعه السوربون، فيرى أن أهم ما يعيب تلك الأبحاث أنها تخلط ما بين الأدب والمسرح وتكتفي بالجانب النظري، فتتعامل مع النص المسرحي كجنس أدبي لا كعرض مسرحي، وهو في كلامه هذا لا ينفي وجود علاقة ما بين المسرح والفنون والآداب، ولكن المسرح يبقى فن المقاربة ما بين العمل الدرامي والنص المسرحي الذي يكتب على الخشبة، ولكن في النهاية هناك نصان منفصلان ولكلّ منهما أدواته وتقنياته.

وقد تكون هذه النقطة التي أشار إليها شنيقي تشكل مشكلة حقيقة بالنسبة إلى الباحث الذي تستعصي عليه مشاهدة ومتابعه التجارب والعروض المسرحية سواء الأجنبية أو حتى العربية، في ظل عدم وجود إمكانيات للتبادل الفني المسرحي، وأفول نجم معظم المهرجانات المسرحية العربية في المنطقة، الأمر الذي يضطر الباحث تلقائيا للاكتفاء بالنص الأدبي والعمل عليه في دراسته، رغم أن التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي قد أتاحت مؤخرا منصات تمكّن من مشاهدة بعض العروض المسرحية، أو طلب تحميلها إلكترونيا من أصحابها مباشرة.

النظري والعملي

يعتبر شنيقي أيضاً أن مشكلة البحث الأكاديمي الرئيسية في كونه ينقسم إلى قسمين (قسم نظري وقسم عملي أو تحليلي)، ويعتبر المنهج البحثي أن القسم النظري هو مقدمة البحث، فيما يأتي القسم التحليلي أو السيمولوجي في نهايته، وهو ما يعتبره خطأً، فكيف لنا أن نبدأ بالنظريات؟ ومن أين سنعرّف بتلك النظريات ما لم نكتشفها بعد مشاهدة الفعل الذي يمثل العرض المسرحي؟ وهو أمر يربك جميع الباحثين العرب وليس فقط الجزائريين. فمناهج البحث العلمي الأكاديمي في الوطن العربي صارمة ولها قواعد وبروتوكولات ولا تقوم فكرتها على الإبداع أو حتى على خلق واكتشاف نظريات علمية وفنية جديدة، بقدر ما هي تقليد أعمى للمدارس الأجنبية التي سبق وأن درسها طالب المسرح في سنواته الأولى.

أهم ما يعيب الأبحاث الأكاديمية أنها تخلط ما بين الأدب والمسرح وتكتفي بالجانب النظري

وينوّه أحمد شنيقي إلى مشكلة أخرى تتمثل في القوقعة التي يعيشها العالم، فلا اضطلاع للغرب على ثقافة ومسرح المنطقة العربية وأعلامها، فالإنجليز مثلاً يعتبرون شكسبير أهم الكتّاب والمخرجين المسرحيين، كما أنه لا اطّلاع لبلاد المشرق العربي (سوريا ولبنان وحتى مصر) إلا فيما ندر على تجارب مسرحيي بلاد المغرب العربي (تونس والجزائر والمغرب)، مستدلاً على ذلك من خلال تجربته الشخصية أثناء إقامته لسنوات في البلدان العربية التي زارها، فقد اكتشف أن تلك البلدان تعشش في عقول مفكريها فكرة المؤسس الوحيد والأوحد، والذي ينتمي لثقافتها وبيئتها، فالسوريون على سبيل المثال يعتبرون أباخليل القباني هو مؤسس المسرح، بينما المصريون يعتبرون الريادة لموليير مصر يعقوب صنوع، وهكذا.

لا بد من التجديد

البحث والتعلم يصنعان مسرحا مبتكرا
البحث والتعلم يصنعان مسرحا مبتكرا

أما الباحث معز المرابط عضو المجمّع التونسي للعلوم والآداب والفنون، فتحدث عن التجربة التونسية في البحث الأكاديمي ويعتبرها امتداداً لحراك مسرحي تواصل لأكثر من قرن، حيث تكرست تلك التجربة كضرورة لمواكبة مسرحية عرفت تحولات عميقة، وكمحاولة لفهم الظاهرة المسرحية في أبعادها الجمالية والفنية.

على الرغم من المعارضة ومحاولات التهميش التي تعرّض لها البحث الأكاديمي المسرحي في بداياته سواء من قبل الوسط الأكاديمي أو المسرحي الرافض للتجديد والحداثة، فقد نجح هذا الاختصاص في أن يستقطب اهتماما كبيرا بفضل طرافة مضامينه وخصوصية مقارباته، وقدرته على فتح آفاق جديدة لدراسة الظاهرة المسرحية في مختلف أطوارها وإثرائها بمناهج نظرية وعملية متجددة تواكب ممارساتها.

لكن وعلى الرغم من الاهتمام بتأسيس الدراسات المسرحية المختصة، إلا أنها بقيت لوقت طويل مقتصرة على الدراسات الأساسية لمستوى الأستاذية إلى أن تم إقرار نظام (إجازة – ماجستير – دكتوراه) وإرساء دراسات المرحلة الثالثة من الماجستير والدكتوراه في بداية الألفية الثالثة.

ويشير المرابط إلى أن الإقبال المتزايد الذي شهدته هذه الدارسات على امتداد ما يقارب المئة سنة يقدم الدليل على مكانتها ودورها الهام اليوم، ويضعنا في الوقت نفسه في حالة تساؤل حول حدودها وقابليتها للمزيد من التطور.

ويؤكد، أخيراً، من خلال الدراسة الإحصائية التي قدمها في الملتقى إلى أن ظاهرة البحث الأكاديمي المسرحي في تونس قد تطورت تطورا هاما خاصة في السنوات الأخيرة، بعد الثورة، وتنوعت في موضوعاتها ومناهجها وتوجّهها، ونبه إلى أن بعض البحوث الأكاديمية تحظى باهتمام من خارج الحدود، وبالتالي بالترجمات.

هذا وقد استمرت فعاليات أيام الشارقة المسرحية حتى السادس من الشهر الحالي، وشارك في مسابقتها الرئيسية 13 عرضاً مسرحيا محلياً.

13