الأكراد السوريون.. من المظلومية إلى الظلم

الأربعاء 2015/06/24

السوريون ليسوا غافلين عن النجاحات الكردية في كسب ثقة الأميركان، وثقة التحالف الذي تقوده الدولة العظمى في محاربة داعش.

أولا، استلم الأكراد عصا التتابع من نظام بشار الأسد الذي منح حوالي مئة ألف من الأكراد مكتومي القيد في الحسكة حقهم في الجنسية السورية في الأسابيع الأولى بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011. وربما يكون عدد من حصلوا على الجنسية أكبر من ذلك.

المرحلة الثانية لنجاحات الأكراد بدأت عندما “اعتزلوا” الثورة، وقبلوا بوضع خاص شجعهم فيه نظام بشار الأسد، فشكلوا قوات حماية الشعب، ودافعوا عن نظرية: كل مكون عرقي يختص بالدفاع عن المناطق التي يتواجد فيها بكثافة.

المرحلة الثالثة خدمتهم فيها الظروف بعد صعود شبح داعش في سوريا، وتحديدا مع معركة عين العرب. هنا، استلموا العصا من الأميركان والتحالف الذي تقوده للقضاء على داعش.

قبل ذلك، أثبتت قوات البيشمركة كفاءة في حربها ضد داعش، بعد احتلال داعش لمنطقة الموصل في العراق، لكن هذا النجاح لم يدم طويلا. وقتها، أعلن رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني: ما قبل الموصل ليس كما بعدها. سكت البارزاني بعدها بالرغم من مطالبات صقور الأكراد بإعلان استقلال إقليم كردستان العراق.

هذه كانت خارج السباق، فوضع الأكراد في العراق مختلف عن وضعهم في كل من سوريا وتركيا وإيران.

المرحلة الرابعة لم تجر في تركيا، بعد دخول حزب الشعوب الديمقراطي البرلمان التركي لأول مرة، بل جرت وتجري الآن في تل أبيض.

وتل أبيض مختلفة ديمغرافيا عن كل المناطق التي يتواجد فيها الأكراد، مع أكثرية ساحقة للعنصر العربي، وربما تكون المرحلة المقبلة في مدينة جرابلس، غرب عين العرب – كوباني، إذا صحت السيناريوهات المتشائمة من تحركات الأكراد في المنطقة الحدودية السورية – التركية، أو في ما يدعوه الأكراد “كردستان التاريخية”.

أهمية تل أبيض كمنطقة كبيرة المساحة، خصبة الأراضي، أنها تشكل تواصلا جغرافيا بين مناطق الكثافة الكردية في محافظة الحسكة، وعين العرب – كوباني، وعفرين في شمال غرب حلب، لكن مدينة جرابلس على الحدود السورية – التركية ستشكل جيبا عربيا في الدولة الكردية “الموعودة”.

لنبق في تل أبيض، ونصور حالة النشوة الكردية الممزوجة بروح انتقامية بررت الانتهاكات الجارية بحق العرب في هذه المنطقة وقراها. الفيسبوك، كـ“وكالة أنباء” لا تتمتع بأي ضابط، ينقل آراء الأكراد والعرب، والتهجمات المسفة في حق بعضهم. كما ينقل أيضا تنبؤات مراهقة سياسية تقول “الأكراد لن يسمحوا لأحد بأن يقرر مصيرهم بعد الآن”، أو “الأكراد انتصروا في معركة كري سبي”. وكري سبي هذه هي تل أبيض نفسها.

شخصيا، سمعت بهذا الاسم قبل سنتين فقط، وكوني ابن المنطقة، سألت والدي، وهو من مواليد 1939، فأكد أنه يسمع به لأول مرة في حياته. حل المسألة أن كري سبي كانت موجودة قبل 500 عام، لكن البدو اجتاحوها واغتصبوا أراضي الأكراد. الجيد في الأمر أن الباحث لم يقل إن أولئك البدو كانوا من بعثيي السلف الصالح قبل خمسة قرون.

الأمر مثير للسخرية، حتى أن أحد الأصدقاء الأكراد تساءل عن الاسم الكردي لـ“ريو دي جانيرو”.

وهنالك من قارن بين عودة الدولة اليهودية في إسرائيل إلى العهد القديم لنبش مقاربات عبرية للأسماء الفلسطينية للمدن والقرى، وبين الأيديولوجيا الكردية التي تحرث في هواء الجزيرة بحثا عن أسماء كردية لكل شيء في الجزيرة السورية.

فات الأكراد في غمرة نشوتهم أن تعقيدات المسألة الكردية لن تُحل بالسلاح، فالسلاح كما خبروا هم أنفسهم مدعاة لتوليد مظلوميات جديدة يستفيد منها من ظلم الأكراد بُعيد الحرب العالمية الأولى، وأن الثورة السورية خاصة لم تنكر حقوق الأكراد القومية، لكن هذه الحقوق التي تتراوح بين الحقوق الثقافية، وبين الدولة القومية المستقلة، لن تحلها بنادق الكلاشينكوف، وأن كسر شوكة السوريين لن يكون بهذه السهولة التي نتجت عن معركتي عين العرب – كوباني، وموقعة تل أبيض الأخيرة.

ربما اختاروا أن يكونوا ظالمين بعد أن اختبروا حالة مظلومية ضاقوا بها ذرعا. في الأصل لم يخض الأكراد معركة ضد العرب في عين العرب، أو في تل أبيض، بل ضد تنظيم داعش المكون من شذاذ آفاق ستنطفئ ظاهرتهم بمثل السهولة التي بدأ بها.

أخيرا، الروح الانتقامية لا يمكن أن تنشئ عدالة، لا في محكمة جنايات، ولا في قضية عادلة كقضية الشعب الكردي.

وفي انتظار تلك العدالة، لا يمكننا الوثوق بتصرفات الأكراد في تل أبيض، ما دام أهالي القرى (بندرخان، الدناي، حروب، الحرية، أم الهوى، القسم العربي من قرية قرطل، بئر حبش، عبدي كوي، سليب قران “8 آذار”) ممنوعين من العودة إلى قراهم.

كاتب وصحافي سوري

9