الأكراد السوريون والوضع النهائي للقوميات

السبت 2014/08/16

واجه الشعب الكردي في سوريا والعراق وتركيا وإيران ظلما بيّنا خلال القرن العشرين ومازال بعضه يواجهه حتى الآن. مع أن هذا الشعب يعيش على أرضه منذ آلاف السنين، ولم يبرح هذه الأرض أو يجلو عنها كرهاً، أو يتخلى عنها طوعا، وقد بدأت مأساته المعاصرة منذ تطبيق اتفاقية (سايكس- بيكو) بين فرنسا وبريطانيا التي لم تأخذ مصالح الأكراد بعين الاعتبار، بل قسمت كردستان بين سوريا وتركيا والعراق وإيران، وصار الشعب الكردي يعيش في أربع دول، صحيح أنه يعيش على أرضه، لكن الصحيح أيضاً أن هذه الأرض مرهونة لدول أخرى غير كردية، ولشعوبها أهداف وطموحات وهموم مختلفة، بل أحيانا، إن لم أقل معظم الأحيان، كانت تمارس سلطتها على الأكراد وكأنهم شعب محتل، وتمنع عنهم، في البلدان الأربعة ودون استثناء حقوق المواطنة أو الحقوق القومية، وتحرمهم من ممارسة حرية الرأي والتعبير وتمنع عنهم حتى الحقوق المدنية، أو تأسيس منظمات المجتمع المدني، بعد أن منعت عنهم تأسيس الأحزاب، أو حتى الحديث في السياسة أو المطالبة بالحقوق المدنية أو القومية، وبديهي أن من يضيق بالحقوق المدنية، يضيق أكثر بالحقوق السياسية وبالحريات وغيرها.

عاش الأكراد طوال القرن العشرين في بلدان سايكس-بيكو كمواطنين من الدرجة الثانية، وكان وضعهم في سوريا لا يختلف عن غيرها من الدول المجاورة، بل مورست عليهم سياسات شبه عنصرية، باعتبار أن الحزب الحاكم في كل من هذه البلدان هو حزب قومي متعصب، قام بعض أفراده بممارسات شبه عنصرية ضد الأكراد، مثل تنفيذ ما سمي (بالحزام العربي) وهو إحاطة المناطق الكردية بسكان غير أكراد تهجّرهم الدولة إلى هذه المناطق، وتهجّر منها الأكراد ليبقوا في ما يشبه الكانتونات. أو مثل الممارسات الأخرى التي مارستها الحكومات السورية في عدم إعطاء قسم كبير من الأكراد هويات شخصية، وعدم الاعتراف بجنسيتهم السورية، وتركهم يعيشون دون هوية، ولا يستطيعون بذلك الدخول في وظائف الدولة، أو ممارسة الأعمال الخاصة التي تحتاج إلى رخصة. وقد حُرم على الأكراد الحقوق القومية وبعض الحقوق السياسية أو شبه السياسية كتأسيس الأحزاب والجمعيات أو حتى تشكيل تيارات سياسية لا تنظيم لها، أو التعليم باللغة الكردية، أو الاحتفال العلني ببعض الأعياد الكردية، لقد كانت هذه جميعها محرمة أو شبه محرمة.

شارك الأكراد السوريون في انتفاضة الشعب السوري الحالية منذ الأيام الأولى، وتخلت أحزابهم وتنظيماتهم (السرية) عن أهدافها القومية والأساسية -مؤقتا- وركنتها جانبا، وتبنت شعارات الانتفاضة السورية، وكانت مظاهراتهم ونشاطاتهم السياسية لا تختلف عن نشاطات الشعب السوري، واعتبروا أن هذه الانتفاضة التي شاركوا فيها بنشاط وجدية وفعالية سوف تعترف بحقوقهم القومية والسياسية والاجتماعية في حال نجاحها، خاصة أنهم لم يروا من النظام السياسي طوال خمسين عاما أي بادرة للاعتراف بهم وبحقوقهم، واستمروا يمارسون نشاطهم السياسي السلمي عدة أشهر، حتى بدأ النظام استخدام العنف، مما تطلب منهم موقفا سياسيا (وقوميا) جديدين.

حمل قسم من الأحزاب الكردية السلاح، ومعظم هؤلاء كانوا تحت هيمنة وقيادة حزب (الاتحاد الديمقراطي الكردي) وهو فصيل من فصائل حزب العمال الديمقراطي الكردي-التركي بقيادة عبدالله أوجلان، وسمح النظام للحزب (ضمنا) أن يُقيم (إدارة ذاتية) في المناطق الكردية السورية الثلاث (الكانتونات الثلاث) وتخلى الحزب عن حصر همومه في سوريا مبررا ذلك بأنه حزب عابر للبلاد، أي أنه ينسق مع فروع الحزب الأخرى في تركيا وكردستان العراق وإيران، ولأن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي هو أقوى الأحزاب، ويؤيده أكثر من نصف أكراد سوريا، فقد أقام الإدارة الذاتية في المنطقة الكردية، وطرد قادة الأحزاب الكردية الأخرى منها، واعتقل بعضهم بل وقتل البعض الآخر، وراهن كليا على التحالف مع النظام السوري، رغم أن هذا النظام يعتقل العشرات من ناشطي الحزب، وتجاهل رفض الأحزاب الكردية الأخرى، وقيادات كردستان العراق وخاصة (مسعود البارزاني) لما يقوم به، وانتسب الحزب إلى هيئة التنسيق الوطنية لقوى الثورة والمعارضة (وهي فصيل معارض داخلي).

من جانب آخر شكلت الأحزاب الكردية السورية الأخرى المجلس الوطني الكردي، الذي يرفض (الإدارة الذاتية) ويقول إنها خدعة تُدخل الحقوق القومية الكردية في متاهات، وينادي بدلاً من ذلك بالفيدرالية ويقول إن الفيدرالية هي الحل الصحيح لأكراد سوريا، في إطار وحدة الأراضي السورية، وتسمح لهم بنيل حقوقهم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، عكس (الإدارة الذاتية) التي لا توجد لا في القانون الدولي ولا في تجارب الشعوب، وقد انتسب المجلس الوطني الكردي إلى الائتلاف الوطني السوري المعارض (المعارضة السورية الخارجية).

يشدّد الأكراد السوريون، بفرعيهم حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني، على أنهم لا يهدفون للانفصال عن سوريا، وحريصون على وحدة الأراضي السورية لأنهم سوريون، ويعتبرون أن الظروف القائمة الآن في سوريا، ومهما كانت نتائج الصراع السوري الداخلي، هي فرصتهم كي يحصلوا على حقوقهم، وإن لم يغتنموا هذه الفرصة فعليهم الانتظار عقوداً عديدة، كما يعرفون صعوبة ذلك، فليس فقط القوميون العرب المتعصبون لا يوافقون على كل مطالبهم ويشككون بنواياهم، بل إن تيارات سياسية سورية عديدة لا تذهب لأكثر من ذلك وترى أن هدفهم هو الانفصال، وقد أحدث مطلبهم حذف كلمة (العربية) من اسم الجمهورية العربية السورية، ردة فعل عنيفة لدى شرائح كبيرة من الشعب السوري.

لا أحد يضمن ألا تصل أسلحة الغرب التي قرر إرسالها لكردستان العراق إلى أكراد سوريا في مناطق الحكم الذاتي، عندها سيكون الوضع أكثر تعقيدا وصعوبة بالنسبة للسوريين للوصول إلى حل للمشكلة الكردية ضمن إطار الوطن الواحد والمصالح المشتركة، وستبدأ مشاكل من نوع آخر، معقدة وذات نتائج سوداوية، وسيدخل السوريون في صراعات قومية لا نهاية لها خاصة بوجود عدة قوميات في سوريا جميعها يطالب بحقوقه القومية، وستكون نهاية الحرب ضد النظام بداية لحروب أخرى بين أخوة الثورة، ولابد لإفشال أي سيناريو من هذا القبيل، أن يبادر أكراد سوريا، وقوى المعارضة السورية الأخرى إلى وضع وثيقة نهائية وحاسمة حول الوضع النهائي للقوميات، كردية كانت أم غير كردية، تحدد حقوقهم في إطار بلد موحّد أرضا وشعبا، المواطنة فيه المعيار الأول والأخير، لا القومية والدين أو القبيلة.


إعلامي سوري

9