الأكراد بين وحدة العراق وحق تقرير المصير

السبت 2017/09/30

أصرت القيادة الكردية في إقليم كردستان العراق على المضي قدما في الاستفتاء على استقلال الإقليم وانفصاله عن العراق رغم موجة التنديدات الإقليمية الدولية بهذا القرار والتي تطورت بعد إجرائه بالفعل إلى تهديد بالحصار والعزلة.

“وحدة الأراضي العراقية” باتت كلمة السر التي التف حولها الرافضون للانفصال. ويشمل ذلك أطرافاً تخوض حروبا شرسة ضد بعضها البعض، مثل تركيا وسوريا وإيران والحكومة العراقية، بل وحتى المعارضة السورية الخاضعة للنفوذ التركي من جهة، والمتنازعة مع قوات حماية الشعب الكردية على أراضي شمال سوريا من جهة أخرى.

طغى خطاب “وحدة الأرض والسيادة” على خطاب “حق تقرير المصير” حتى من قبل الأميركيين والأوروبيين. فباستثناء الأكراد أنفسهم وإسرائيل التي ترفض حق تقرير المصير للفلسطينيين بصورة قطعية، لم يتكلم أحد عن حق الأكراد في تقرير مصيرهم فضلا عن حقهم بالانفصال.

بعد الحرب العالمية الثانية، أقرّت الأمم المتحدة مسألة حق تقرير المصير، وتمّ التأكيد على ذلك الحق في إعلان منح الاستقلال للدول المستعمرة عام 1961. كان الهدف من إقرار ذلك الحق هو إضفاء الشرعية على المقاومة التي تبديها الحركات الوطنية في الدول الخاضعة للاستعمار، وبالتالي لتكريس الحق بالاستقلال وتأسيس دولة ذات سيادة.

كانت محاولة قصر ذلك الحق على الشعوب المستعمرة تهدف إلى عدم توسيعه ليشمل دولا مستقلة غير خاضعة للاستعمار ولديها أزمة تمثيل للأقليات الدينية أو الإثنية، ما كان يدفع تلك الأخيرة إلى المطالبة بالانفصال. ومن هذا المنطق، كان حق تقرير المصير والتأكيد عليه يترافق مع التأكيد على سيادة الدول ووحدة أراضيها خوفا من إمكانية استخدامه لتفكيك دول مستقلة وقائمة.

يتعلق هذا الفهم برغبة الدول المكونة للأمم المتحدة بصورة عامة في نزع جميع عوامل عدم الاستقرار التي قد تهدد أمنها الداخلي. إذ من النادر أن تجد دولة قائمة على جماعة سكانية ذات هوية إثنية ودينية واحدة.

بل تنطوي الدولة- الأمة على تنوع إثني وعرقي كان يشكل هاجساً لها في خضم الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث جرى توظيف الأقليات الإثنية والعرقية في الحرب. على سبيل المثال كان هنالك تشكيك مستمر بولاء أوروبيين من أصول ألمانية يقطنون مختلف أنحاء أوروبا في خضم الحرب العالمية الثانية واعتبروا أعداء الداخل المتعاطفين مع النازية.

فيما شنت ألمانيا بعض حروبها تحت اسم تحرير الأقليات الألمانية المضطهدة في بعض الدول الأوروبية. هكذا، وبعد انتهاء الحرب، برز إجماع أوروبي- أميركي على أن لا يتمّ استخدام ورقة حق تقرير المصر لزعزعة الاستقرار الداخلي لأي دولة معترف بسيادتها في الأمم المتحدة.

وامتدّ خطاب الحفاظ على سيادة ووحدة الأراضي بطبيعة الحال ليشمل سوريا والعراق، حيث يؤكد جميع الأطراف على جانبي النزاع على أهمية عدم تفكك هاتين الدولتين، وعدم نشوء دول جديدة. فرغم تفتت الهوية العراقية والسورية، وانقسام المجتمع بل وانقسام أراضي تلك الدول، لا تحظى عملية تثبيت تلك الانقسامات بصورة نهائية وبنظم سياسية بأيّ شرعية دولية.

وهذا ما يفسر خطاب الدول الأوروبية وأميركا بشأن كردستان العراق، أو بشأن مسألة الأقليات العرقية بصورة عامة في دول المنطقة. إذ يجري الاكتفاء بالتأكيد على مسألة الحقوق الثقافية للأقليات في تلك الدول، وعلى ضرورة أن تُحلّ الخلافات بصورة سلمية وبالحوار مع السلطات المركزية.

ولكن أزمة الأكراد تختلف بصورة جوهرية عن أزمات الأقليات الدينية والإثنية والصراع الطائفي في الدول العربية، والتي تحاول الدول الغربية تكريس تسويات لها لا تؤدي إلى الانفصال.

تتعلق المسألة الكردية بالتقسيم الاستعماري للمنطقة والذي ترك الشعب الكردي موزعاً على أربع دول هي العراق وسوريا وتركيا وإيران ومنع أي إمكانية لإقامة دولة كردية. هكذا فإن حق تقرير المصير الذي حظيت به شعوب المنطقة مطلع القرن الماضي لم يحظ به الأكراد، وهم لا يتركون فرصة منذ ما يقارب قرنا من الزمن للتأكيد على نزوعهم لممارسة ذلك الحق. وعليه، لا يمكن اعتبار أزمة الأكراد شأنا داخليا لكل من العراق وسوريا وتركيا وإيران كما ينزع خطاب “الحفاظ على السيادة” للتأكيد.

ولكن، لا مكان للحق والعدل في حسابات العلاقات الدولية. تسعى كل دولة قائمة، بصرف النظر عن طبيعة نظامها السياسي، إلى تمتين استقرارها الداخلي. كما تسعى الدول الكبرى إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي والدولي وتجنب أيّ تقلبات قد تحدّ من قدرتها في المستقبل على تحقيق مصالحها وتوسيع نفوذها. من هذا المنطلق، يُنظرُ إلى استقلال إقليم كردستان العراق على أنه يهدّد أمن ومصالح دول الإقليم بصورة مباشرة، ومصالح الدول الغربية بصورة غير مباشرة. التهديد بالحصار إذن، والضغوط الأوروبية والأميركية على قيادة إقليم كردستان ليست للدعاية الفارغة، ولا هي سحابة صيف عابرة.

كاتب فلسطيني سوري

8