الأكراد جزء من الثورة.. لكن كأكراد

الخميس 2013/11/21

ظَلَمت الأكرادَ تاريخيا الإمبرياليات العظمى؛ حينما قسمت كردستان بين العراق وتركيا وإيران، ولم تعط الأكراد السوريين حقوقا واضحة. ومارست الدولة القومية والوطنية، لاحقا، شوفينية بحقهم، بدءا من أتاتورك وصولا إلى نظام البعث في كل من سوريا والعراق.

بعث العراق، وبعد جولات من الحروب أقر للأكراد بحكم ذاتي. في سوريا لم يحصلوا على أي شيء، بل مورست عليهم سياسة شوفينية، تمثلت في حرمانهم من الجنسية واقتلاع بعض أراضيهم، وتغيير في أسماء بعض الأماكن، ورفض أي شكل للتعليم باللغة الكردية، وطبعا عدم اعتراف دستوري بأنهم مميزين قومياً.

ظلموا كذلك في إيران فلم يحصلوا على أيةَ حقوق أبدا. وفي تركيا، خاضوا حرباً شرسة، تدفق من أجلها أكراد سوريون كثر واستشهدوا فيها، ولم يحققوا شيئاً يذكر، ولا تزال المفاوضات جارية من أجل ذلك وهي تتعثر تباعاً. في العراق، وبعد الاحتلال الأميركي، أصبحت كردستان، أقرب إلى الدولة الكاملة السيادة، ولا يعوقهم في ذلك معوقات حقيقية، ولكن استمرارهم في الدولة العراقية الموحدة يكسبهم حقوقا إضافية في بقية أجزاء العراق، ويمنع تفجر قضية المناطق الحدودية الغنية بالنفط.

في سوريا، ثاروا سنة 2004، بتأثير ما حدث في العراق من تغيير لنظام الحكم، ورغبة في نيل الحقوق، وبسبب فداحة الظلم المتراكم تاريخياً، ظلماً متعدد المستويات قومياً وسياسياً ووجودياً؛ أكثر مما كان يقع على بقية الشعب السوري، فثاروا ولم يَلقوا صدى في بقية أرجاء سوريا، فالنظام كان مسيطراً سيطرة كاملة، والمعارضة هامشية بالكامل، وبالتالي لم تتوسع ثورتهم؛ وعدا تضامن المعارضة معهم، فإن حراكهم كان ينظر إليه نظرة عداء مستحكم، بتأثير الإيديولوجية السائدة، وبسبب تخاذل الشيوعيين عن خلق ثقافة مساواتية بين القوميات في سوريا، ولنقل ثقافة مجتمعية نابذة للتنافر، ومساهمة في خلق وطنية عابرة للقوميات وللطوائف والأقاليم.

لم تجذبهم الثورة، فهم لديهم عتَب تاريخي وشعور بالخذلان من العرب فصمتوا، ونظرت لهم معظم القوى السياسية الكردية نظرة تمهل وتأمل بل ولامبالاة؛ فقط الشباب غير المتحزب وبعض القوى الكردية اندمجت في الثورة سريعاً ولاسيما في عامودا ولاحقاً في بعض المناطق الأخرى. ومع تطور الثورة تطور الحراك الكردي، وتوسع وعمّ مختلف المناطق التي بها أغلبية كردية، ولكن القوى السياسية لم تدخل الثورة إلا من أجل حقوقها الكردية الخاصة بها، وكان تضامنها مع بقية المدن يتعلق بالقوى الشعبية الكردية ولاسيما الشباب غير المنظم؛ والأمر بقي كذلك ولا يزال.مع ظهور المجلس الوطني وقبله هيئة التنسيق، كان اتجاه الأكراد لا يتجاوز التفكير والعمل بالسياسة والتوافق والاختلاف مع بقية القوى السياسية في إطار تلك الحقوق الخاصة بهم كقومية مميزة.

القوى المنتمية للمجلس الوطني أو الائتلاف الوطني لاحقاً أو هيئة التنسيق، من قوى سياسية متعددة، لا تختلف في ما يخص هذه القضايا؛ بل اختلافها عائد إلى الزعامة والمكاسب السياسية وتمثيل الأكراد، في أي شكل للمرحلة الانتقالية وما بعدها. إذن يغلب على الأكراد، نزعة التمايز القومي أثناء الثورة، بل هناك من يسأل: ما الضامن بأن الأكراد سينالون حقوقهم حالما يسقط النظام، أي هم لا يثقون في الثورة كضامن، وبالتالي ليسوا معنيين بها، إلا كأداة تساهم في الوصول إلى حقوقهم. هنا، وكما شعر الأكراد بالخذلان، فإن العرب بالعموم شعروا بذلك.

لا ننسى أن الأكراد أصاغوا السمع لما أبداه النظام من إمكانية إعطائهم حقوقاً متعددةً، وهو ما عطل كذلك التفكير في اندماج أكبر في الثورة، فبقيت الثورة لديهم في حدودها الدنيا، ولكن الصراع تعمق في سوريا وأصبح طابعه المسيطر عسكريا. وهنا وخشية أن تسقط بأيدي الشعب، فقد أخلى النظام الكثير من المناطق ذات الأغلبية الكردية وقام بتسليمها لقوات الاتحاد الديمقراطي، بقيادة صالح مسلم المنضوي في هيئة التنسيق؛ وفعلاً خاضت قواته حرباً ضد كتائب مسلحة تنتمي لتنظيمات متطرفة، دفعتها تركيا لإضعاف النزعة الكردية السورية. الأكراد يعلمون كل ذلك، ووضعهم في سوريا بالأصل لا يتيح لهم أكثر من التفكير بحقوق مميزة ضمن الدولة السورية، بل إن فكرة حكم ذاتي تعد فضفاضة على أهدافهم، وهم لم يطالبوا بها.

طرح منذ بعض الوقت، تنظيم الاتحاد الديمقراطي إدارة انتقالية، تنظم شؤون الشمال السوري، ريثما تبدأ المرحلة الانتقالية، وإرساء أسس للدولة القادمة، بعد الانتهاء من اتفاق جنيف وما سيفضي إليه؛ مع هذا الطرح أثيرت قضية هل الأكراد يفكرون بما يتعدى سوريا، وهل هم معنيون بسوريا، وهل لديهم مطالبهم للتوحد مع مناطق خارج سوريا، سيما وأن هذا الاتحاد بالتحديد، يسمي المناطق التي يتواجد فيها الأكراد كأغلبية، غرب كردستان.

طبعاً قد يحلم صالح مسلم بأكثر من ذلك، لا سيما وأنه سليل تنظيم خاض حرباً قومية طويلة في تركيا، ولكن خطوته الخاصة بالإدارة الانتقالية، ليست أكثر من وسيلة ضغط إضافي منه للتمثيل في جنيف، ربما بدعم روسي وبصمت كامل من قبل النظام. ولكنها رُفِضت من قبل تركيا، بل ومن قبل مسعود برزاني، ليظهر أن أفق أكراد سوريا هو ضمن الإطار الداخلي السوري.

القوى المنضوية في الائتلاف الوطني، ومع أنها تعمل من أجل الحقوق المميزة ذاتها، فقد رفضت فكرة الإدارة الانتقالية وأصرّت على ضرورة التمثيل الكردي في حكومة طعمة، أو في الائتلاف الوطني. موضوع الإدارة لا يشكل خوفاً من خطوة حمقاء قد تفكر فيها قوى كردية لأسباب متعددة، وتتعلق بالأماكن وبحجم التمثيل العددي وبالشرط الإقليمي والدولي، أي أنه لا يوجد عامل واحد يساعد في ذلك. الخوف العربي، ناتج عن عدم فهم حقيقة الوضع الكردي، بأنها قضية حقوق مميزة ضمن الدولة السورية، وليس أكثر من ذلك. وهو خوف قومي طبيعي، سيما وأن الأكراد لا تفارق أطروحاتهم قصص ما بعد سوريا.

هذا الوضع يستلزم منا الاعتراف بأنّه يحق للأكراد التفكير بما يتعدى سوريا، فهم جزء من قومية مميزة، وهذا يتطلب البحث عن كل ممكنات ذلك؛ وهو أمر مستبعد في الظرف الراهن، لكن وباستبعاد ذلك فإن الأكراد والعرب معنيون بالبحث عن ماهية الممكن تحصيله من حقوق للأكراد في سوريا.


كاتب سوري

8