الأكراد والثورة السورية.. إسقاط النظام أولا

السبت 2013/08/17

بعد تفجر الثورة في سوريا، توقع كثيرون انخراطا قويا للأكراد فيها. وذلك لأسباب عديدة منها، احتقان الشارع الكردي نتيجة ممارسات النظام القمعية، وسياساته الاقتصادية التي أدت إلى تدني الأوضاع المعيشية، واستمرار معاناة الأكراد من التمييز العنصري، وعدم حل مشكلة مكتومي القيد والمجردين من الجنسية. في الأول من نيسان 2011 سجلت منطقتا عامودا وعين عرب أول مشاركة للأكراد في تظاهرات الثورة السورية. وبالقياس إلى تاريخ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، وترتيب انخراط المناطق فيها، يمكن القول إن المشاركة الكردية في الثورة كانت مبكرة، لكنها كانت دون المستوى المتوقع، من حيث القوة والزخم.

رغم المبادرات الإيجابية التي أبداها جمهور الثورة تجاه الأكراد، وتسمية أحد أيام الجمع باسم كردي «آزادي»، إلا أن الموقف الكردي من الثورة قد اتسم بالحذر والترقب والمشاركة المحسوبة في تظاهراتها. يمكن رد ذلك لأسباب عديدة منها، دروس انتفاضة القامشلي عام 2004، وقناعة الأكراد بضرورة ألا يكونوا رأس حربة في مواجهة نظام خبروا بطشه. وموقف القوى السياسية الكردية في سوريا (باستثناء بعض القوى كتيار المستقبل، الذي دفع ثمن موقفه باغتيال المناضل مشعل تمو) التي لم تحث الأكراد على الانخراط الفاعل في الثورة.

في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى الدور «التشبيحي» الذي قام به وما يزال، حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني PYD. كما لا بد من الإشارة إلى سياسة النظام التي عملت على تجنب ردود فعل قوية من الأكراد من خلال عدم قمع التظاهرات الكردية، والاستجابة لبعض مطالب الأكراد، كحل مسألة المحرومين من الجنسية. مما لا شك فيه أن سياسة القوى الكردية تجاه الثورة والنظام، والتي تميزت ببراغماتية عالية، أدت إلى حماية المناطق الكردية من وحشية النظام، وجنبتها الدمار الذي لحق بالمناطق الثائرة. لكنها حرمت الثورة من إمكانيات الاغتناء بالمكون الكردي. بالتالي فإن عدم الانخراط الفاعل للأكراد في الثورة، ربما يكون من الأسباب التي أخرت انتصار الثورة.

نتيجة استشعار القوى الكردية بنية النظام الانسحاب من المناطق الكردية، وعلم بعضها بل وتنسيقها في هذا الموضوع مع النظام، ونقصد الــPYD، فقد بادرت تلك القوى، ممثلة بالمجلس الوطني الكردي ومجلس غرب كردستان إلى لقاء نتج عنه توقيع إعلان «هولير» بتاريخ 11 يوليو 2012 تم بموجبه الاتفاق على تشكيل الهيئة الكردية العليا لإدارة وتنظيم المناطق الكردية، وتشكيل قوات عسكرية، والتأكيد على إسقاط النظام، وحل القضية القومية الكردية في إطار اللامركزية السياسية. وبالفعل مع بداية أغسطس 2012، بدأ انسحاب الجيش السوري وأجهزته الأمنية من المناطق الكردية، وأصبحت هذه المناطق تتبع في إدارتها هيئات كردية شكلت استناداً إلى اتفاق هولير.

يكثر الحديث اليوم عن مشاريع انفصالية، تهدف إلى إقامة دويلة كردية. ويتم تداول ما أطلق عليه مسودة دستور الحكومة المؤقتة لغربي كوردستان. على ما يبدو، فإن الهدف من وضع هكذا عنوان هو تكريس فكرة أن إقليم كردستان أصبح أمراً واقعاً. وتشير المسودة إلى أنه لا يجوز تغيير دستور هذا الإقليم في المرحلة الانتقالية، وأن لهذا الإقليم عاصمة «قامشلو» وعلما وشعارا ونشيدا، وسيكون له برلمان وحكومة ورئيس حكومة وجميع الوزارات باستثناء وزارة الخارجية. وستكون له قوات لحماية الحدود ومحاربة الإرهاب. لكن مسودة الدستور تؤكد أن هذا الإقليم، سيكون جزءا لا يتجزأ من سوريا الديمقراطية التعددية.

انطلاقاً من مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، ليس إن كان من حق الأكراد تقرير مصيرهم أم لا، بل ما هي الظروف التي يجب توفرها كي يتمكن الأكراد من ممارسة هذا الحق؟

وعليه، ومن حيث المبدأ، ربما لا تكون المشكلة مع هذا الدستور، أو مع الإدارة الذاتية للمناطق ذات الأغلبية الكردية، لكن هل هذا بالفعل هو ما يريده أكراد سوريا؟ إن معرفة ذلك يتطلب إجراء استفتاء نزيه في ظروف صحية وديمقراطية، وبعد أن تكون جميع القوى السياسية العربية والكردية، قد أخذت فرصتها في مخاطبة الرأي العام الكردي، وعرض وجهة نظرها عليه. الأمر الذي من المستحيل تحققه في ظل هذا النظام، وفي ظل الممارسة القمعية التشبيحية للـPYD. الذي بادر إلى طرح هذا المشروع منفرداً، ضارباً عرض الحائط مواقف قوى الثورة والمعارضة السورية، العربية والكردية.

الأخطر من ذلك، أن طرح هذا المشروع يأتي، بينما الثورة ما زالت تخوض صراعاً ضارياً مع النظام السوري ومع قوى الثورة المضادة، مثل جبهة النصرة ودولة الشام والعراق الإسلامية. وبالتالي، فإن حرف بوصلة الصراع، وتشتيت الجهود بدلاً من تجميعها، وخلق صراعات عربية- كردية وكردية- كردية، يشكل في هذه اللحظة التاريخية، طعنة في ظهر الثورة، وخدمة للنظام.

وبغض النظر عن تباين الآراء حول الحل الأمثل للمسألة الكردية في سوريا، فإن استغلال بعض القوى للظروف الحالية، من أجل فرض أمر واقع، وحل المسألة الكردية وفق أجندات لا تكترث بضرورة حصول توافق وطني سوري، سيؤدي إلى تعقيد المسألة الكردية بدلاً من حلها. من هنا، وجب على ضحايا النظام، عرباً وأكرادا، مواجهة السياسات الرعناء لتلك القوى، والمشاركة معاً في معركة إسقاط النظام وملحقاته، من الـPYD وجبهة النصرة وأخواتها.

9