الأكراد والمستقبل المجهول

السبت 2017/05/20

أنتجت الحرب السورية بيئة مناسبة لإجراء تغيير رئيسي في سياسات وتوجهات العديد من الأكراد في نضالهم لنيل حقوقهم القومية المشروعة ضمن الدستور، وانتقلوا من المطالبات السلمية بالاعتراف الرسمي بوجودهم كثاني قومية بعد العرب، إلى فرض سياسة الأمر الواقع بقوة السلاح.

بعيدا عن التداخلات الإقليمية والرغبات الدولية الرافضة أو المرحّبة بمنح الأكراد فرصة لبناء دولتهم في سوريا، على أهميتها، فإن ما بني حتى الآن نتيجة استغلال ظروف الحرب التي تمر بها البلاد واعتبارها فرصة تاريخية، يجعل مستقبل الأكراد أشدّ قتامة؛ فقد أجاد حزب الاتحاد الديمقراطي تقديم نفسه ممثلا للأكراد وأحد الأطراف الفاعلة الرئيسية في سوريا من الناحية السياسية والعسكرية، نتيجة رغبة العديد من الأكراد في فرض واقع كردي شبيه بوضع أكراد العراق، وتوفر الأيديولوجية الواضحة لديه نتيجة تقاربه من حزب العمال الكردستاني، وقدرته على الانضباط والتنظيم والتخطيط الاستراتيجي، وتوفر الخبرة القتالية والمقاتلين لدى وحدات حماية الشعب التي أهّلته للسيطرة على بعض المناطق ذات الغالبية الكردية، ثم إنشاء حكومة “روج أفا” في العام 2013.

مع تقدّم تنظيم داعش الذي ينظر إلى الأكراد كأعداء أيديولوجيين ومنافسين في السيطرة على الأراضي والموارد وحصاره لكوباني، اندفع الأكراد باتجاه زيادة الدعم للحزب ولوحدات الحماية وتعزيز شرعيته، ليتم تسجيل فصل جديد عنوانه حمل السلاح لدعم قضيتهم والمشاركة عسكريا في الدفاع عن أماكن وجودهم، وقد أدى قانون الخدمة الإلزامية الذي طرحته الإدارة الذاتية إلى تزايد مقاتلي وحدات حماية الشعب في عام 2013 من حوالي 45000 إلى 105000 مسلح.

هذه الزيادة العددية مع الدعم الأميركي ووجود المتطوعين الأكراد من دول العالم (قوات الأسايش) ساهمت في فضّ حصار كوباني بعد نحو ستة أشهر، لكنها لم تلغ حالة عدم القدرة على التمدد في مناطق لا تقطنها أغلبية كردية مثل تل أبيض ما لم تضمّ إليها التكوينات المتنوعة، عربية وسريانية وأرمنية وتركمانية، وفي خريف 2015 أسست “قوات سوريا الديمقراطية- قسد” وتخلّت أميركا عن تحفظها على إعطاء وحدات حماية الشعب وحلفائها من عرب وتركمان قدرات عسكرية متفوقة في قتالها مسلحي داعش، ورغم الرفض التركي أصبح الاتحاد الديمقراطي قوة لا يُستهان بها في المعادلات السورية.

النجاحات المتتالية في صدّ مقاتلي داعش أثمرت تمتين عسكرة المجتمع الكردي وإخضاعه لما يقرّه حزب الاتحاد الديمقراطي ومن يتحالف معه في إدارته الذاتية، والتي تحولت إلى مشروع خاص بـهذا الحزب متجاوزة بيانات التأسيس والهيئة الكردية العليا واعتبارها مجرد غطاء لشرعنة وجوده السياسي كممثل وحيد للأكراد وإخضاع المجتمع والناشطين والأحزاب الكردية لتوجهاته، عبر إغلاق وإحراق عدد من المراكز الثقافية والتعليمية التي تمارس من خلالها أنشطة مدنية، والاعتداءات والاقتحامات العشوائية للمكاتب الحزبية الكردية التي رأت النور بعد عقود من الحرمان والتواري خلف الفرق الفلكلورية، كاقتحام مقر حزب الوحدة الديمقراطي-“يكيتي” في عام 2012، والاعتداء على الحزب الديمقراطي الكردي-“البارتي” في يونيو 2013 في عفرين.

إلى أن تمت شرعنة ملاحقة الأحزاب مع إصدار الإدارة الذاتية قانون الأحزاب السياسية في كوباني وعفرين في 17 أبريل 2014 الذي يدعو إلى عدم تعارض برامج الأحزاب معه سياسيا وعسكريا، ومع رفض الأحزاب الكردية الاعتراف بإدارة حزب الاتحاد الديمقراطي وتوالي إشعال الحرائق بمكاتبها، عادت هذه الأحزاب والقوى السياسية نحو العمل السري.

ممارسات حزب الاتحاد الديمقراطي في التطهير العرقي ودعوات الانفصال التي رهنت قضية الشعب الكردي لأجندات خارجية ساهمت في تأجيج العداء العربي – الكردي والذي سيتحول إلى صراع قادم لن يحقق رغبة الأكراد، يضاف إليها سعيه الحثيث لتدجين المجتمع الكردي تحت لوائه وإدارته وزجّ أبناء الشعب وقواه السياسية في حروبه التي لا يوافق معظمهم عليها، وملاحقة غير المتوافقين مع إدارته والتنكيل بهم وتهجيرهم مقابل أرباح سياسية قصيرة الأمد ستكون لذلك عواقبه المستقبلية في فتح صراع كردي- كردي يبخر أحلام الأكراد بنيل حقوقهم.

كاتبة سورية

9