الأكراد يغتنمون فرصتهم في العراق

الجمعة 2014/06/20
الأكراد استغلوا الوضع الأمني المتدهور وسارعوا إلى كركوك

واشنطن- اعتبر الباحث جوست هيلترمان، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، أن الأكراد، إلى حد الآن، هم أكثر مجموعة مستفيدة مما جرى على أرض العراق، ففي الوقت الذي تزخف فيه الفصائل المسلّحة نحو بغداد يكسب الأكراد النفط والأرض والسلطة.

وسط الأنقاض التي تركها هجوم المسلّحين في العراق، يبدو أن هناك مجموعة مستفيدة من الأحداث، ألا وهي الأكراد. إن رد بغداد المتراخي على الهجوم الذي شنته “الدولة الاسلامية في العراق والشام” (داعش) يفتح الباب أمام الامتداد الجغرافي لمنطقة الأكراد وسيادة نفوذها على حساب الحكومة المركزية وإمكانية أكبر في أن تصبح مصدرا كبيرا للنفط في حد ذاتها.

يواصل المسلّحون العراقيون، بمختلف توجهاتهم وتنظيماتهم، زحفهم جنوبا في اتجاه العاصمة العراقية، وذلك بعد أن استولوا على مدن الشمال الكبرى. ولم يكن رد الأكراد أقل حيوية، فعلى عكس القوات العسكرية العراقية التي تبخّرت بالرغم من أنها تفوق المقاتلين، استولت القوات العسكرية الكردية يوم الخميس الماضي على كركوك، وهي مدينة مهمة تقع بين الجزء الكردي والجزء العربي في العراق، وتعد مركز الصناعة النفطية في الشمال.

كركوك قضية شائكة
◄ يسكنها خليط من الأكراد والعرب والتركمان

◄ بها رابع أكبر حقل نفط ويمثل نصف إنتاج العراق من النفط

◄ تم الاعتراف بوضع المدينة الخاص كمدينة متنازع عليها في الدستور عقب الإطاحة بنظام صدام حسين

الاحتلال الكردي لمدينة كانت منذ قرون محور نزاع بين العرب والسنة – وخاصة أثناء حكم صدام حسين – يؤكد مدى مساهمة الأحداث الأخيرة في إعادة رسم خارطة العراق. وفي هذا الصدد تعلق مارينا أوتاوي، المختصة في شؤون الشرق الأوسط في مركز ويلسن، بقولها: “يمكن أن يكون هذا نهاية العراق بالشكل الذي كانت عليه. إن إمكانية رجوع العراق إلى الدولة المركزية أصبحت الآن ضعيفة جدا”.

الفارق بين الأمن القوي في الأجزاء من البلاد الواقعة تحت حكم الأكراد والفراغ الأمني الذي تركه الجنود العراقيون الفارون يمكن في نهاية المطاف أن يرجع العراق عقودا إلى الوراء ويضع الزعماء الأكراد في أربيل في موقع قوة خاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة متنازع عليها من أجل مصادر الطاقة.

ويعلق أيهم كمال، مدير الشرق الأوسط في مجموعة أوراسيا (مكتب استشارة حول المخاطر)، قائلا: “الفشل الاستراتيجي للقوات العراقية قلب كل موازين القوى بين حكومة إقليم كردستان وبغداد، فهو يمكّن الحكومة الكردية من التفاوض مع بغداد على أسس مختلفة تماما” عندما يتعلق الأمر بالمحاربة على حق الأكراد في تصدير النفط مباشرة.


تصدير الطاقة

التنظيمات المتطرفة خطر عابر للقارات

بغداد- يسلّط الصراع الدائر في العراق اليوم الضوء أكثر فأكثر على ظاهرة انتشار الجماعات الجهادية المسلّحة وخطرها العابر للقارات. وقد تسبب تكاثر هذه الجماعات، التي ينضوي كثير منها تحت لواء تنظيم القاعدة أو تتشارك معه في الأيديولوجيا، في تضاعف في ارتفاع نسبة العنف في العالم.

وكشف مؤشر “السلام العالمي” 2014، الذي يصدره معهد “الاقتصاد والسلام”، أن سوريا والعراق تصدّرتا قائمة أكثر الدول عنفا في العالم إلى جانب أفغانستان والصومال وجنوب السودان. وقد ضاعفت الأحداث الأخيرة في العراق من القلق الدولي من تداعيات الوضع في منطقة الشرق الأوسط، وقد أكد الرئيس التنفيذي للمعهد، ستيف كليليا، أن الوضع في العراق “مثير للقلق”، و”يصعب التنبؤ بما سيحدث” في هذا البلد العربي.

وأبرز التقرير أن النشاط الإرهابي الذي تقوده الجماعات الجهادية أدى إلى تدهور وضع السلام العالمي خلال 2013.

ويعدّ تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، أقوى المجموعات الجهادية المتطرفة في العراق وسوريا، وقد نجح هذا التنظيم في السيطرة على بعض المناطق في البلدين حيث رفع راياته السوداء وبدأ يفرض قوانينه على السكان الذين ينتمون إلى طوائف وأيضا ديانات مختلفة.

وانبثقت “الدولة الإسلامية في العراق والشام” عن “الدولة الإسلامية في العراق” الفرع العراقي لتنظيم القاعدة، علما أن التنظيم بتسميته الجديدة انفصل عن تنظيم القاعدة بعد وقوف الأخير إلى جانب “جبهة النصرة” التي تقاتل “الدولة الإسلامية” في سوريا.

ويتولى قيادة تنظيم “دولة العراق الإسلامية” أبو بكر البغدادي، الذي لا توجد صور أو تسجيلات مصورة له، والذي شهد التنظيم في عهده أكبر توسع ليشمل مناطق شبه متصلة جغرافيا من محافظة الرقة شمالي سوريا إلى وسط العراق.

وتقول مصادر أمنية عراقية إن أبو بكر البغدادي، عسكري سابق في الجيش العراقي ويدعى عوض إبراهيم السامرائي المولود في سامراء التابعة لمحافظة صلاح الدين شمالي العراق عام 1971.

ويقدر خبراء بما بين خمسة آلاف وستة آلاف عدد مقاتلي هذا التنظيم في العراق وسبعة آلاف في سوريا، ومعظم هؤلاء يحملون الجنسية العراقية، لكن قادتهم يأتون في أغلب الأحيان من الخارج ويكونون قد قاتلوا من قبل في الشيشان وأفغانستان أو سوريا.

وظهرت في العراق، منذ اجتياحه على أيدي قوات تحالف دولي قادته الولايات المتحدة عام 2003، العديد من التنظيمات الجهادية المتطرفة الأخرى، التي قاتلت القوات الأميركية قبيل انسحابها من البلاد نهاية 2011 لكنها شاركت أيضا في النزاع الطائفي بين السنة والشيعة بين عامي 2006 و2008.


على مدى سنوات سعى الأكراد في شمال العراق إلى الاستفادة قدر الإمكان من ثروات الإقليم الهائلة من النفط والغاز، بيد أن صادرات الطاقة كانت متمركزة في بغداد وتتقاسم جميع محافظات البلاد مداخيل الصادرات. ويدّعي الزعماء الأكراد أن الاتفاق لم يوافهم حقهم لأنهم لم يتحصلوا أبدا على 17 بالمئة من المداخيل الموعود بها.

وبالتالي قرر الأكراد – متحدين وابلا من التهديدات والترهيب من بغداد – إنشاء البنية التحتية الخاصة بهم لتصدير الطاقة، مما يمكنهم من تصدير النفط مباشرة إلى تركيا المجاورة. إنه من الأهمية بمكان إنهاء خط الأنابيب ووصله إلى درجة تشغيلية عالية حتى يمكن الحكومة الكردية من تصدير قرابة 450 ألف برميل من النفط في اليوم، وهي كمية ستدر مداخيل تعوّض ما كانت تتلقاه من الحكومة المركزية. ومع نهاية السنة المقبلة تأمل الحكومة الإقليمية الكردية في تصدير كمية تصل إلى مليون برميل في اليوم.

لكن في وقت قريب فقط يبدو أن بغداد كانت قادرة على القضاء على الأحلام النفطية الكردية. فقبل ساعات فقط من بداية اجتياح المسلّحين لمدينة الموصل كان المسؤولون العراقيون يتوعدون بنقل الخلاف إلى الأمم المتحدة.

وكانت بعض الشكوك القانونية حول النفط الكردي قد حالت دون تدفقه بسهولة نحو مشترين جدد، مثلا في شهري مايو ويونيو بقيت ناقلتا نفط محملتان بالنفط الخام الكردستاني هائمتين وهما تبحثان عن ميناء لتفريغ الحمولة. وكان موقف الولايات المتحدة من هذه المسألة هو محاولة دفع كل من أربيل وبغداد إلى التوصل إلى اتفاق بخصوص كيفية اقتسام ثروة البلد النفطية، كما حاولت ثني الحكومة الكردية عن اتخاذ موقف أحادي.

كل ذلك أصبح من الماضي الآن. والمعلوم أن تركيا، التي تمثل السوق الرئيسة للنفط الكردي، متحمسة للحصول على موارد جديدة من الطاقة وتعزيز بعض جيوب الاستقرار على الحدود المضطربة، ونظرا إلى أن المناطق الخاضعة للحكم الكردي لم تشهد أي هجمات، يشعر كل من الأتراك والأكراد بالارتياح. وتعلق أوتاوي على الوضع بالقول: “الأحداث تسير بكل تأكيد في الاتجاه الصحيح بالنسبة إلى كردستان طالما تركهم تنظيم “داعش” وشأنهم”.

ويطمح المسؤولون الأكراد إلى أن يؤدي التباين بين عدم نجاعة القوات العراقية الطائفية في كثير من الأحيان والأمن والاستقرار النسبيين في المناطق الخاضعة للحكم الكردي إلى تعزيز مطلب الإقليم ودفع القدرة التصديرية.

ويقول كروان زباري، مدير تمثيل حكومة إقليم كردستان في العاصمة واشنطن: “لقد برهنت الأحداث في العراق للمجتمع الدولي من هم الشركاء الأكفاء والجديرين بالثقة”، ثم أضاف أن حكومة إقليم كردستان ملتزمة بعراق موحد ولا تسعى إلى الاستقلال.


اجتياح كركوك

مارينا أوتاوي: إمكانية رجوع العراق إلى الدولة المركزية أصبح الآن ضعيفا جدا


إن الاحتلال الكردي لكركوك بهدف إحباط هجوم من “داعش” في غياب وحدات عسكرية عراقية، يمكن أن يزيد في تغيير كل من الديناميكية السياسية داخل العراق وشكل قطاع الطاقة في البلاد. وذلك يرجع إلى أنه قد يكون من الصعب على الحكومة المركزية إعادة فرض سيطرتها هناك نظرا إلى الأولويات الأخرى الملحة لدى بغداد.

ويعلق كريستيان كوتس (مختص في شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر) قائلا “إن الأكراد يستغلون لحظة ضعف من أجل خلق حقائق على الأرض”. وأضاف أن الوضع على الساحة يمكن أن يعيد إحياء الفكرة التي برزت منذ عشر سنوات المتعلقة بتقسيم العراق إلى مجالات نفوذ إثنية وسياسية منفصلة، وبالتالي تتحقق الفكرة على الأرض بعد أن بادرت كل مجموعة إلى الاستفادة من الفراغ في السلطة.

ويرى أيهم كمال عن “مجموعة أوراسيا” أن سيطرة الأكراد على كركوك وحقول النفط الهائلة المكتشفة بالقرب منها يمكن أن تتسبب في آثار سلبية على الصناعة النفطية في بقية العراق، أي أن صيغة العقود على الطريقة الكردية – التي تمنح الشركات الأجنبية نصيبا من النفط – يمكن أن تحل محل العقود على الطريقة العراقية الأقل جاذبية في هذه الحقول الشاسعة.

وحسب المتحدث تبقى مسألة النتيجة التي سيخرج بها الأكراد من الحرب ضد المتطرفين متوقفة على مدى تحصين أنفسهم ضد العنف والاضطرابات. ويرى أن كردستان إذا تمكنت من أن تبقى واحة استقرار فإن لها مستقبلا شاسعا في ميدان الطاقة بحكم سيطرتها على كركوك التي تمكنها من رفع صادراتها حالا.


عن مجلة سياسات دولية

7