الألتراس شعلة الحماس عند لاعبي الكرة ومطمع الساسة في مصر

الجمعة 2014/12/26
"الألتراس" ثوار من نوع خاص مهمتهم تأجيج الاحتجاجات

القاهرة – خيط رفيع يفصل بين الحرية والفوضى، ذلك الخيط هو الذي أمسكت روابط مشجعي الأندية المصرية (الألتراس) بأحد طرفيه مطالبة بالحرية في التشجيع والعودة إلى المدرجات، بينما أجهزت في الوقت نفسه على الطرف الآخر لتتخطى حاجز الحرية إلى الفوضى، وهو ما يثير العديد من التساؤلات والتكهنات التي تصل إلى حد وصف هذه التصرفات بالمؤامرة.

خطفت ظاهرة “الألتراس” الأنظار منذ دخولها إلى مصر عام 2007، فهي مجموعات تعتبر الشرطة العدو الأول لها، بسبب طريقة التعامل التي يصفونها بـ “المهينة”، لكنها في الوقت ذاته تعتبر “إله الحماس” عند لاعبي كرة القدم، وهي عنفوان الشباب الجريء الذي شعر معه المتظاهرون بالأمان منذ دخولهم ميدان التحرير في أحداث ثورة 25 يناير 2011.

إنهم جوهرة ثمينة استغلها ساسة ومتسابقون على كرسي البرلمان في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وربما يتكرر الأمر مع اقتراب انتخابات مجلس النواب في مارس المقبل، هم كيان لا يتوانى عن الدخول في خلاف حاد مع أي معارض، وهم من رفعوا نجم الأهلي محمد أبو تريكة إلى عنان السماء، والمحصلة أنهم أصبحوا قنبلة موقوتة تنفجر وتهدأ، حسب أوامر قياداتها.


فوضى متجدّدة


في الوقت الذي اتخذت فيه وزارة الداخلية المصرية قرارا بعودة الجماهير إلى مدرجات كرة القدم مع بداية الدور الثاني من مسابقة الدوري العام، اقتحمت رابطة مشجعي الأهلي (أولتراس)، مقر النادي بمنطقة الجزيرة يوم الثلاثاء الماضي، قبل مباراة الفريق الأحمر مع غريمه التقليدي الزمالك في قمة كرة السلة المصرية، وحطمت الصالة المغطاة للنادي، ولا أحد يعلم هل يريدون فعلا عودة الجماهير أم لا؟ لكن من المؤكد أن هناك انقساما، وهناك من يستغلهم لإثارة الفوضى طوال الوقت.

مشهد الاقتحام بالتزامن مع اتخاذ وزارة الداخلية قرارها بعودة الجماهير، تكرر للمرة الرابعة، تقاسمه “الألتراس” مع رابطة مشجعي الزمالك “وايت نايتس”، وكانت الأولى في القلعة الحمراء في عهد حسن حمدي، رئيس النادي السابق، وجاءت بالتزامن مع عقد أحد أعضاء مجلس إدارة الأهلي اجتماعا مع قيادات وزارة الداخلية للاتفاق على عودة الجماهير إلى المدرجات.

الـ”وايت نايتس” أيضا، اقتحمت مقر النادي الأبيض مرتين، المرة الأولى في عهد رئيسه السابق ممدوح عباس وهي الواقعة التي أودت بروح عمر حسين أحد شباب الرابطة صاحب الـ 16 ربيعا، وكانت بسبب تراجع مستوى فريق الكرة، أما المرة الثانية فكانت في عهد رئيس النادي الحالي مرتضى منصور، حيث اعتدت عليه الجماهير.

الإشادة الكبيرة من جانب قيادات الأمن، كانت الرد على اللوحة الحضارية الرائعة التي رسمها مشجعو الأهلي في نهائي بطولة كأس الاتحاد الأفريقي، وأكد الرئيس عبدالفتاح السيسي أنه يجب استغلال طاقات الشباب في أعمال مفيدة، لكن الإعلامي وحارس مرمى الأهلي السابق أحمد شوبير، كان موقفه ثابتا من البداية، حيث رأى أن هذه المجموعات ترغب في نشر الفوضى دون أن يحاسبها أحد ولن تلتزم بالتشجيع وهو ما حدث بالفعل، وشدد على ضرورة توقيع العقوبات الصارمة على مثيري الشغب والمخربين.

الألتراس ظهرت قبل نصف قرن في البرازيل، وهي فئة من مشجعي الفرق الرياضية معروفة بولائها الشديد لفرقها


حكاية "الألتراس"


من يريد التعرف على عالم “الألتراس” ويكتشف كواليسه، ما عليه إلا الاستماع لأغانيهم، وهناك أغنية بعينها كافية للتعرف على كل شيء عنهم، أغنية (حكايتنا)، التي يقول أحد مقاطعها (الكرة لما جينا كانت كدب وكانت خداع.. كانت مغيبة للعقول كانت للسلطة قناع).

رئيس اتحاد كرة القدم المصري السابق سمير زاهر قال لـ “العرب”، إن العناد لم يكن مفيدا في حل الأزمة بين قوات الأمن و”الألتراس”، وأنه لابد من عقد جلسات مع هؤلاء الشباب والوصول إلى حل حتى لا تزداد الأمور تفاقما، وتساءل ماذا ننتظر بعد أن أزهقت أرواح وسالت دماء، كما يرى أحد الذين استغلوا روابط “الألتراس”، أنه لو تم إلقاء هؤلاء الشباب في السجون، فسوف تظهر مجموعات غيرهم أكثر عنفا، موضحا أنه لا يؤيد على الإطلاق ما يقومون به من أعمال عنف.

لم ينس سمير زاهر أحداث بورسعيد التي وقعت في عهده في الأول من فبراير 2010، وراح ضحيتها 72 من مشجعي الأهلي، وكانت كافية لتقديم استقالة جماعية لزاهر ومجلسه، وهذه الواقعة هي القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث أصرت الرابطة على عدم إقامة أي مباراة، إلا بعد القصاص للضحايا، في القضية التي لا تزال تشهدها المحاكم حتى اليوم.

ما بين الهجوم على هذه الروابط والتعاطف معهم ظهرت أزمات عديدة لبعض اللاعبين، فأحداث بورسعيد نفسها هي التي صنعت حالة الترابط بين “الألتراس” ونجم الأهلي محمد أبو تريكة، الذي اعترف بتأييده للرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعته، حيث كان اللاعب الوحيد الذي رفض المشاركة في كأس السوبر المصرية عام 2012 أمام فريق انبي تضامنا مع أهالي الضحايا وشارك في مظاهرات للمطالبة بالقصاص من الجناة والتنديد بالمجلس العسكري، ما تسبب في غضب لاعبي الفريق من أبو تريكة. وعاد نجم الأهلي قبل أيام معارضا لموقف الإدارة الحمراء من الموافقة على حل روابط “الألتراس”، والانسياق وراء موقف رئيس نادي الزمالك، وقال في تدوينة عبر حسابه على (تويتر)، “لم نتعود من الأهلي أن يساق، ولكن يذهب الأشخاص ويبقى الكيان.. عذرا الأهلي دائما في المقدمة”.

الرئيس السابق محمد مرسي شبه نفسه بـ (أبو تريكة) لكسب ودّ الألتراس في الانتخابات الرئاسية

عمر جابر لاعب الزمالك الشاب، كان إحدى ضحايا “وايت نايتس”، حيث أعلن تعاطفه معهم في حوار لصحيفة (المصري اليوم) الخاصة، قائلا إنهم أكبر مساند للفريق، وإنهم السبب الأول في الفوز، وكانت هذه التصريحات عقب الاعتداء الذي تعرض له رئيس النادي من بعض أعضاء الرابطة، ما جعله يوبخ اللاعب ويهدده بالإيقاف.

أحد أعضاء رابطة (أولتراس أهلاوي) السابقين، أكد لـ “العرب”، أن أحداث بورسعيد كانت سببا كافيا لخروج عدد كبير من أعضاء الرابطة، مؤكدا على حالة الاحتقان التي ازدادت بين الروابط، بسبب كرة القدم وغياب الروح الرياضية، ووصلت الخلافات إلى حد التشابك بين أعضاء رابطتي “ألتراس″ و”وايت نايتس” في الشوارع والتربص لبعضهما.

البيت من الداخل يعكس طابعا مخالفا تماما لحالة العنف، فالشباب من أعضاء هذه الروابط يتعاملون مثل العائلة الواحدة، يقفون جنبا إلى جنب في الشدة والفرح، وهو ما أكدته أمهات ضحايا مجزرة بورسعيد، بأن أعضاء الرابطة حريصون دائما على السؤال عنهم ومحاولة تلبية احتياجاتهم.


البداية من أميركا اللاتينية


التاريخ يؤكد على أن “الألتراس” ظهرت قبل أكثر من نصف قرن، وكان الظهور الأول لها في قارة أميركا الجنوبية، وأن كلمة ألتراس أو(ULTRAS) كلمة لاتينية تعني الشيء الفائق، وهي فئة من مشجعي الفرق الرياضية والمعروفة بولائها الشديد لفرقها. وظهرت أول رابطة عام 1940 بالبرازيل وعرفت باسم (Torcida)، ثم انتقلت إلى يوغوسلافيا ثم كرواتيا. وتميل هذه المجموعات إلى استخدام الألعاب النارية (الشماريخ) والغناء وترديد الهتافات الحماسية لدعم فرقهم، ويعتبر أعضاء “الألتراس” أن الشماريخ جزء منهم لا يمكن الاستغناء عنه، وهذا أحد أسباب الخلاف مع قوات الأمن.

المدرجات تعتبر مسرحا لتفجير الغضب عند الشباب، لذلك لابد من التعامل مع هذه الظاهرة بحرص شديد

عام 2006 وعقب تنظيم كاس الأمم الأفريقية في مصر، شهد ظهور مجموعة جماهير بزي وكيان موحد، أعقبها تأسيس أول رابطة مشجعين للنادي الأهلي تم حلها عام 2008، لتحل بدلا منها مجموعات “الألتراس” في العام نفسه، ثم ظهرت مجموعة “وايت نايتس” بعد ذلك بعام، أما في الملاعب العربية فقد عرفت ظاهرة “الألتراس” عام 1995 عن طريق جماهير فريق الأفريقي التونسي، واللافت للنظر وجود انقسام إعلامي عربي حول ظاهرة شغب “الألتراس”.

خبراء في علم الاجتماع، أكدوا أن المشاكل الاجتماعية هي التي تقود بعض الشباب، سواء من أعضاء هذه الروابط أو خارجها إلى ارتكاب الحماقات، وأوضحت نادية حليم أستاذة علم الاجتماع لـ “العرب”، أن المدرجات تعتبر مسرحا لتفجير الغضب عند الشباب، لذلك لابد من التعامل مع هذه الظاهرة بحرص شديد وعدم الإفراط في العنف.

وأضافت، أن مفهوم الحرية ربما يكون مغلوطا عند بعضهم، لذلك لابد من عقد جلسات حوارية مع قيادات هذه الجماعات، محذرة من أن هناك فئة من طبقات اجتماعية فقيرة تسعى للدخول في مثل هذه الروابط هربا من حالة الفقر التي يعيشونها، وهم أخطر عناصر الظاهرة وربما يكونون الأكثر إقداما على انتهاج العنف.

قبل اندلاع الثورة المصرية، كانت روابط جماهير الأندية الشعبية مجرد كيان منظم، لكنه محاط بالسرية، وارتبط أول تعارف بين الشعب و”الألتراس” بحوادث عنف في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ووصل الأمر مع اندلاع حرب الشوارع بين رابطتي الأهلي والزمالك إلى دعوة مجلس الشعب لعقد جلسة طارئة لمواجهة هذا الكيان، وكلف النظام السابق وزير داخليته حبيب العادلي بالقضاء عليه، إلا أن الثورة أجهضت هذا المخطط.

نظام مبارك نفسه دفع ثمن استغلاله لـ”الألتراس” غاليا، بعد الاعتداء على حافلة بعثة منتخب الجزائر قبل لقاء مصر والجزائر بالقاهرة في المرحلة الأخيرة من التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2010، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تورط فيها الألتراس في عمل سياسي.


لؤلؤة الثورة


الثورة وحدها كانت كفيلة بكشف الوجه الآخر لهذا الكيان، وهو ما كشفه الناشط السياسي محمد أبو الغار، والذي أكد على أن الثورة المصرية كانت في طريقها للفشل حتى عصر يوم جمعة الغضب، إلا أن ظهور “الألتراس” قلب الأوضاع رأسا على عقب، حيث كانوا أول من تصدى لقوات الشرطة، وجرها إلى حرب شوارع أنهكت رجال الأمن وكبدتهم الخسائر.

الألتراس كانوا أول من تصدى لقوات الشرطة وجرها إلى حرب شوارع أنهكت رجال الأمن وكبدتهم الخسائر

اعتراف أبو الغار جعل من “الألتراس” اللؤلؤة التي تزيغ أمامها أبصار مرشحي انتخابات الرئاسة في ذلك الوقت، وسعى الجميع لاستقطابهم. وكانت أولى هذه المحاولات من جانب عبدالمنعم أبو الفتوح، زعيم حزب “مصر القوية” الإسلامي، الذي قام بزيارة مقر اعتصام “ألتراس” أمام مقر مجلس الوزراء على خلفية قضية مذبحة بورسعيد، وهي نفس الخطوة التي أقدم عليها كل من الناشط السياسي خالد علي وحمدين صباحي، وإن كان الأخير تعرض لانتقادات كبيرة من قبل جماهير الأهلي وقتها لوجود شعار نادي الزمالك، على زجاج سيارته الخاصة، وهو ما يعني انتماءه للنادي الغريم الأبيض.

الرئيس السابق محمد مرسي لم يفوت عليه وقت حملته الانتخابية أن يغازل جماهير الكرة، حيث شبه نفسه في أحد لقاءاته التلفزيونية بالنجم محمد أبو تريكة الذي سجل 3 أهداف في مباراة أفريقية رغم جلوسه احتياطيا في بداية المباراة، وذلك ردا على أنه كان مرشحا بديلا دفعت به جماعة الإخوان بعد استبعاد خيرت الشاطر.

"الألتراس" الإخوان

أبرم الإخوان المسلمون صفقة سرية مع “الألتراس” عقب ثورة 25 يناير، وهي الصفقة التي كانت تشترط دعمهم للجماعة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وأن يدعم “الألتراس” الحكومة، مقابل منع عودة النشاط الكروي قبل القصاص من متهمي مذبحة بورسعيد، وهو ما حدث بالفعل.

واستغل أعضاء الجماعة المأساة وحزن أعضاء “الألتراس” على فقدان زملائهم، حيث اجتمع محمد البلتاجي، القيادي بالجماعة مع عدد من قيادات الرابطة داخل مقر الأهلي بالجزيرة، وقدَّم لهم التعازي، وأكد لهم سرعة القصاص من الجناة. كما أعلن رائد زهر الدين، وكيل الشباب بمجلس الشورى وقتها، عن عقده اجتماعا مع قيادات “الألتراس”، وأنه حصل منهم خلال هذا الاجتماع على موافقتهم على عودة الدوري، وهو ما نفاه “الألتراس” عبر صفحتهم الرسمية على (فيسبوك).

وفقا لمصادر من داخل رابطة “الألتراس”، فإن العلاقة مع الإخوان بدأت منذ أحداث محمد محمود عن طريق مؤيدي حازم صلاح أبو إسماعيل (حازمون)، بهدف كسب تأييد بعضهم لتميزهم بالجرأة والرؤية، ما يجعلهم عونا في تحقيق أهداف الجماعة.

ومن أجل ذلك، استطاع قيادي معروف استقطاب إثنين من قيادات الرابطة هما أحمد إدريس، و”عبدينو”، ووعدهما بمساندة الألتراس في استرجاع حقوق الشهداء وعدم استئناف النشاط الرياضي قبل صدور حكم المحكمة، فضلا عن وعود أخرى بحمايتهم من أي مضايقات من قبل الأجهزة الأمنية مقابل تأييدهم لمرسي ودعم الجماعة في انتخابات مجلس النواب، وهو ما دفع الألتراس إلى اقتحام اتحاد الكرة والنادي الأهلي ومدينة الإنتاج الإعلامي لمنع برامج بعينها دون الخوف من أي عواقب.

لكن تأجيل القضية وعودة النشاط كان كفيلا بخروج الألتراس في مظاهرات غاضبة هتفوا فيها ضد الإخوان.

12