الألف يوم الأولى من حياة الإنسان تنطوي على آثار صحية دائمة

الأحد 2013/09/15

العلاقة بين صحة الإنسان ونموه وحيويته وبين غذائه واضحة ومؤكدة، فبمجرد أن تصاب صحة الإنسان تتركز اهتمامات الأطباء وتحاليلهم على كيفية تزوده بالغذاء وكميته ونوعيته.

يتسبب أي خلل في التغذية في الإصابة بعدة أمراض، لذلك وجد مفهوم سوء التغذية وهو مصطلح يشير إلى الاستهلاك غير الكافي، أو الزائدِ أو غير المتوازنِ من المواد الغذائية، ويمكن أن يحصل سوء التغذية بسبب تناول وجبات قليلة وغير متوازنة، أو لوجود اضطرابات في الهضم أو خلل في عملية الامتصاص في الجهاز الهضمي أو نتيجة لبعض الأمراض حتى النفسية منها.

وتختلف أعراض سوء التغذية باختلاف العنصر الغذائي المفقود في الجسم ولكن بصفة عامة يسبب سوء التغذية الشعور الدائم بالوهن والتعب مع نقص واضح في وزن الجسم، في حال عدم علاج سوء التغذية، وقد يسبب الإغماء وتأخر النمو لدى الطفل ومضاعفات أخطر كالعجز البدني والوفاة.

وحسب تقارير منظمة الصحة العالمية حول سوء التغذية لدى الطفل، فإن هذا المرض يسهم في وقوع أكثر من نصف مجموع وفيات الأطفال، على الرغم من عدم إدراجه، إلاّ نادراً، في قائمة الأسباب المباشرة لتلك الوفيات، ولا يمثّل نقص فرص الحصول على الأغذية، بالنسبة إلى كثير من الأطفال، السبب الوحيد لسوء التغذية.

والمعروف أنّ تدني الممارسات التغذوية والتعرّض لأنواع العدوى، أو كليهما، من الأمور التي تسهم في سوء التغذية، ذلك أنّ أنواع العدوى- لاسيما حالات الإسهال المتكرّرة أو المستديمة والالتهاب الرئوي والحصبة والملاريا- تتسبّب في إضعاف الحالة التغذوية، كما أنّ تدني الممارسات التغذوية، مثل توفير رضاعة طبيعية منقوصة أو إعطاء الأغذية غير الملائمة وعدم ضمان تزويد الطفل بالأغذية الكافية، من الأمور التي تسهم في سوء التغذية أيضاً.

وكشفت دراسة حديثة نشرت أوائل شهر يونيو في دورية (لانسيت) المعنية بالشؤون الطبية أن سوء التغذية مسؤول عن وفاة 45 بالمئة من الأطفال دون سن الخامسة على مستوى العالم، وأثبتت الدراسة أن سوء التغذية يفضي إلى وفاة نحو 3.1 مليون طفل دون سن الخامسة سنويا.

وقال الباحثون إن الألف يوم الأولى من حياة الإنسان أي من مرحلة تكون الجنين حتى سن عامين تنطوي على آثار صحية دائمة، واستعرض فريق من الباحثين بقيادة روبرت بلاك، لدى كلية جونس هوبكنز بلومبيرغ للصحة العامة بالولايات المتحدة، أدلة على نقص التغذية لدى الأم والطفل وكذا البدانة في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط منذ عام 2008.

وقال بلاك وزملاؤه إنه في الوقت الـــذي تحقق فيه بعض التقدم في السنوات الأخيرة، هناك ما يزيد على 165 مليون طفل يعانون من التقزم أي قصر القامة في حين عانى 50 مليونا آخرون من نقص الوزن في عام 2011.

وقال الباحثون إنه يمكن إنقاذ نحو 900 ألف شخص في 34 دولة إذا وصلت 10 برامج معنية بالتدخل الغذائي إلى تسعين في المئة من العالم، وأضاف بلاك "النتائج الغذائية خلال أشهر الحمل والظروف خلال أول عامين من حياة الفرد تمثل أهمية بالغة لكشف الوفاة والإصابة بأمراض مزمنة أثناء البلوغ."

كما أكد أن: "نتائج نقص الغذاء في الفترات المبكرة تظهر في نمو الفرد وقدرته على النجاح في المدرسة وفي المجتمع بلا شك وكذا الحصول على وظائف أكثر إنتاجية."

وهذ النتائج تتماشى تماما مع ما توصل له باحثون أميركيون من جامعة جنوب كاليفورنيا، بقيادة الدكتور جيانغ هونغ ليو، حيث تأكد لديهم أن سوء التغذية خلال السنوات الأولى من العمر يؤدي إلى انحدار معدلات الذكاء لدى الأطفال وتوليد نزعة عدوانية في سلوكهم الاجتماعي تستمر معهم خلال فترة الطفولة وإلى أواخر فترة المراهقة.

وقامت مجموعة البحث بتتبع النمو الغذائي والسلوكي والإدراكي ورصده لأكثر من 1000 طفل من أصول هندية وصينية وإنكليزية وفرنسية، يعيشون في جزيرة موريشيوس التي تقع في المحيط الهندي قبالة السواحل الأفريقية، لمدة 14 عاما.

واختار الباحثون أطفالا عند سن الثالثة، وبدأوا بتقييم الحالة الغذائية لكل منهم من خلال البحث عن مؤشرات محددة، مثل وجود تشقق في الشفاه أو في زوايا الفم، كمؤشر على نقص أحد مركبات فيتامين "ب" ريبوفلافين، أو لون الشعر، حيث يؤدي نقص أحد البروتينات، خاصة في المناطق الاستوائية، إلى تلون الشعر باللون الأحمر البرتقالي، وكذلك سُمك الشعر وكثافته، وهما يتأثران بنقص عنصري الزنك والحديد، إضافة إلى مرض الأنيميا الذي يشير غالبا إلى نقص عنصر الحديد.

أيضا تم قياس معدلات إدراك الأطفال وذكائهم، كما قام موظفون اجتماعيون بزيارة أسر الأطفال الذين تجرى عليهم الدراسة للوقوف على ظروف معيشتهم مثل مستوى الدخل ومستوى تعليم الآباء ومهنهم.

ولدى وصول الأطفال لسن 8 و11 و17 عاما، أجرى الباحثون تقييما لسلوكهم في المدرسة والمنزل، ومن خلال ذلك التقييم تمكن الباحثون من إثبات العلاقة بين سوء التغذية وبين النزعة العدوانية في السلوك الاجتماعي لدى المراهق.

وبمقارنة الأطفال الذين كانوا يعانون من مشكلات سوء التغذية مع أقرانهم الذين لم تكن لديهم تلك المشكلات اتضح أن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية أظهروا سلوكا عدوانيا أكثر من أقرانهم الأصحاء بنسبة 41 ٪ عند سن 8 سنوات، وبزيادة قدرها 10 ٪ عند سن 11 سنة، وزيادة في السلوك العنيف بنسبة 51 ٪ عند سن 17 سنة.

وقد عزا الباحثون ذلك إلى حقيقة أن نقص عناصر مهمة مثل الزنك والحديد أو مركبات فيتامين "ب" أو نقص البروتينات يؤثر سلبا على نمو الدماغ، مما يؤدي إلى نقص معدل الذكاء، فينتج عن ذلك سلوك اجتماعي عدواني.

ولاحظ الباحثون أنه كلما ارتفعت درجة سوء التغذية، زادت حدة النزعة العدوانية في السلوك الاجتماعي.

19